البحر لا يعرف موجه - خولة مطر - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 7:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


البحر لا يعرف موجه

نشر فى : الثلاثاء 20 مارس 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 20 مارس 2012 - 8:00 ص

كأن العصافير قد هجرتها.. هى الأخرى أحست بأن المبانى الشاهقة والمتاحف المستوردة وكثير من الجامعات لا تصنع مدنا.. وكأن السماء غضبت منها فأرسلت برياحها وأتربتها لأيام.. قيل هذه المدن الجديدة المستجدة. مدن تصنع من خزف، تأتى الطائرات حاملات للعقول والنماذج المصنعة، تلك التى تصف واحدة خلف الأخرى.. ويأتى الخطاطون والرسامون ليلتزموا الاوامر وهى ليست أكثر من نقل النماذج الناجحة هناك كما هى لتكون هنا جامعة فرنسية ولا يضر أن يلتصق بها ذاك المتحف الذى لا يمكن الا أن يحلم احدنا بزيارته وبالقرب منهما متحف فنى يحمل أجمل ما حلم به فنانى العالم.. ومزيد من الجامعات والمعارض والمبانى الشاهقة عابرات الغيوم، غازيات للسماء حتى لم تعد تعكس صورتها على صفحات مياه بحره وتساوى الليل بالنهار من شدة الأضواء.. حتى هربت النجوم والكواكب من سمائها.  

 

هى ورشة مستمرة فى البناء فتحول رمال الصحراء فجأة بفعل فاعل الى واحات من النخيل تزينها الازهار المستوردة أيضا، وخلفها يسترخى العشب الأخضر يقاوم عطش الأيام القاحلة بماء مقطر من مياه البحر.. هو الآخر أى البحر لم يسلم من خطط الحضارات المستوردة، فمدينة مائية هنا ومدن تشقها هناك لم يعد البحر يعرف موجه.. ضاعت موجاته بين الأتربة والأسمنت المغروس فى خاصرته.. هربت الاسماك والسلاحف تبحث عن مسكن أو ملجأ آخر.. مات البحر عطشا ومات الساكنون بالقرب منه جوعا.. راح المواطن يبحث عن شاطئ، يحلم بذاك الحلم البسيط نفسه أن يلعب وأطفاله على شاطئ كان هنا ثم رحل.

 

فى غمرة انبهار الزائر بالحضارة فوق رمال الصحراء لا يقاوم أن يغص بالأسئلة أيضا.. كيف تستورد الثقافة فى علب من القطيفة، وكيف تبنى الحضارات فى الربع ساعة الأخير.. وكيف تعيش الموناليزا وحشة البقاء فوق جدار اصم لا يحكى قصة هنا أو رواية لتاريخ هناك.. تعيش المقتنيات الضجر والملل اليومى وفى المساء تزداد عتمة المكان.. لا صوت إلا لصهيل السيارات المسرعة تطارد اشباح الليل فى استعراض لاهمها وأكثرها فخامة.. لا لحن لسمفونية ولا غناء طربى معتق فى سنوات حياة هذه الامة..ولا نشيد السلام والتسامح بين الأديان وربما الشعوب والطبقات.

 

●●●

 

فى المتاحف تشتاق لوحات بيكاسو لصراخ أطفال المدارس وهم مجتمعون يتبادلون الهمسات حول شخوصه ونسائه.. الأطفال، فى هكذا دول مرسومة على الرمال، خائفون يسرقون النظرات الى اللوحات فقد حدثتهم تلك المعلمة والمربية كثيرا عن الحلال والحرام.. وهذا بعضه أو كله كذلك.. هى التى تلقت تلك الادمغة الطرية لتحشيها بكثير من السواد بدلا من الفرح والسعادة.. أدخلتهم فى دهاليز الجهل بدل العلم حتى جاءت الدراسات مخيبة للأمال فالأرض التى تصنع النفط ليست بالضرورة تصنع العلم.

 

وفى الجامعات حيث التصميمات الأحدث والفخامة المتناغمة مع المشهد الكلى لهكذا أمكنة تبقى الادراج مكتظة بطلبة منهمكين فى اللعب على الأيباد أو البلاك برى، يرسلون الرسائل المسطحة ويتبادلون عبارات الحب الممنوع فى صحراء لطالما تغنى بها الهائمون فى عشق المحبوبة.. لا مكان لقصائد طرفة بن العبد المتيم فى حبه.. ولا شىء عن شوقى أو محمود درويش سوى المرور عليهم فى بعض المناهج المكملة لهذا الإطار الكلى من المدن المصنعة.. لم تمر القصيدة من هنا سوى ربما بعض النبط.  

 

ولا يكتمل النموذج إلا ببعض الإبهار فهناك بعض الهوس وكثير من التنافس بين صحراء واخرى على نماذج كل ميزاتها أنها تضاف إلى موسوعة غنيس للأكبر والأعلى والأعظم.. يعيش الجميع فى سباق مع الزمن وتنافس أكبر.. رمل ثم رمل ثم رمل فتزداد الصحراء اتساعا وتهجر العصافير والطيور والأسماك بيوتها بحثا عن أرض وبحر آخر لا يهرب من ماضيه ولا يهرول إلى مستقبل لا يشبهه وليس له.. يعود للنقش الأول يحفر الحرف على الصخر أو فى تلك العقول الصغيرة ويفتح لها نافذة على الكون تحمل لها كل فكر ة وكل نسمة دون أن يصنع مجسمات ممسوخه فى مساحات من القحط.

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات