«أقاصيص» أطول من أعمارنا - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 20 أبريل 2024 9:30 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

«أقاصيص» أطول من أعمارنا

نشر فى : السبت 20 يناير 2024 - 9:05 م | آخر تحديث : السبت 20 يناير 2024 - 9:05 م
ربما تكون هذه الأقاصيص القصيرة التى كتبها طارق إمام أفضل تعبير عما نكرره دائمًا بأن «الفن أهم من الواقع»، ذلك أنه يعيد اكتشافه وتشكيله، من خلال عين الفنان، ويخلق منطقًا موازيًا، لا يعبأ بالمنطق الموضوعى. لا معنى أصلًا للفن إذا اتصف بالموضوعية، فالعين الذاتية هى القانون البديل، وهى الصورة الأكثر حضورًا من أصلها.
اختار طارق لكتابه الصادر عن دار الشروق عنوانًا مدهشًا هو «أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها»، فحدّد شكل سردياته وطولها، وحدّد ضمنيا فكرة تلح عليه فى كثير من النصوص، وهى هاجس الموت والانتهاء، فالقصر هو عنوان القصة، وعنوان الحياة أيضًا، وما الحياة أصلًا إلا قصة قصيرة. ولكنك ستكتشف بعد قراءة الكتاب، أن المعنى العكسى حاضرٌ كذلك، فالنصوص قصيرة بمعيار عدد السطور فقط، ولكنها طويلة بمعيار المعنى والتجربة، والنصوص تنتهى سريعًا بالفعل، ولكنها لا تموت، إذ تنفتح على أفكار أكثر عمقًا وخطورة.
لا توجد خطوط مستقيمة، ولكننا نتحرك فى دوائر، والنهايات سرعان ما تتحول إلى بدايات، ومنطق الواقع، والزمان والمكان، والمدينة والأشياء، والسماء والأرض، والموت والحياة، والطفولة والشيخوخة، كل ذلك يعاد إنتاجه من جديد، وبينما يتبدد عمر الإنسان فى الواقع، فإن عمر الأفكار يتجدد، وبطريقة لا نهائية.
هذا عالم بديل بالكامل أعيد بناؤه بمنظور يقترب كثيرًا من رؤية الفنان التعبيرى، الذى يعكس العالم من خلال ذاته، والذى يقلب الصور والمواقع، والذى يعيد تعريف العبارات من جديد، بعد أن فقدت كل مصطلحات الحياة معناها وأهميتها بالنسبة إليه، أو فلنقل إنها لم تعد كافية أو مقنعة للتعبير عما يراه.
أما التقنيات التى يستخدمها طارق إمام فى تلك النصوص القصيرة، والقصيرة جدًا أحيانًا، فليست بعيدة أبدًا عن التقنيات التى استخدمها مثلًا فى روايته «ماكيت القاهرة»، فالتكبير والتصغير، والأصل والصورة، وتبادل الأمكنة والأزمنة، ولعبة المرايا، كلها عناصر حاضرة فى التجربتين. ولكن الأقاصيص فرضت لغة أقرب إلى لغة الشعر، ليس رغبة فى كتابة الشعر، ولكن توظيفًا لإحدى خصائصه، باستيعاب المعنى، الذى تضيق عنه العبارات، وبتحقيق المزيد من التغريب، بعيدًا عن عالم المنطق الموضوعى، الذى كتبت النصوص رفضًا له، ولوضع مسافة واسعة بين الواقع كما نعرفه، والواقع الجديد الموازى.
المجاز الذى يطاردنا فى النصوص لم يعد وسيلة، ولكنه صار هو المعنى كله. هو البديل لفوضى المدينة، وقسوة الموت، وعبودية الحياة من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»، ومن الميلاد إلى المقبرة، ومن المنبع إلى المصب.
ماتت الدهشة، وصار الواقع سجنًا من الكلمات والأدوار، تحجّرت الأفكار، وآن لها أن تتحرر بالخيال، وبالحلم، وبالمجاز.
اللعبة الجديدة أن ننتقل من «ماكيت القاهرة»، أو العالم الموازى المصغر للعاصمة، إلى «ماكيت الحياة» بأكملها، وأن ينوب الفنان عنا فى إعادة اختراع حياة موازية، تحدث فيها تحولات ومعجزات بجرة قلم، وبسرعة فكرة.
يمكننا أن نصف التجربة بأكملها بأنها محاولة لخلق «معجزات بالكلمات»، مدينة كاملة عجيبة يعاد تركيبها وتأملها، وكل شىء فيها ممكن ومستطاع: باب الخروج يصبح بابًا للدخول، والفيلم على الشاشة ينتقل إلى الواقع، هنا تستطيع أن تستكمل أحلام غيرك، وتلعب بالكرة الأرضية، وتمتطى حصانا فى حجم إصبع، الحلم يصبح مرتبا ومنظما، والواقع يصبح مفككا وغامضا، والعودة إلى الماضى لا تتطلب أكثر من أن تسير بظهرك إلى الخلف.
يُعاد تعريف الغياب والموت والشيخوخة، ويقف الساحر فى مواجهة القطار، تصعد الأفكار إلى القمر، ونرى العالم بالمقلوب، فتتغير كل أبجديات الحياة.
وفى المدينة: «الكثيرون يطيرون هذه الأيام، والبقية تمشى على الماء/ صارت المعجزات فى المتناول/ منذ أصبح الواقع باهظ الثمن». فى المدينة أيضًا: «الشتائم تعود إلى الجدران التى أزالوها عنها/ إلى الأفواه التى نظّفوها منها مع الألسنة واللعاب/ تعود إلى القصاصات والكراريس واللحم الموشوم/ تعرف المدينة كيف تسترد قصائدها»، يتم تفكيك وتعريف كل شىء، عبر الأفكار والحروف، وكما يقول طارق إمام فى إحدى لوحاته المرسومة بالكلمات: «ليست فى المعجزات خدعة/ الخداع الوحيد هو الواقع».
الوجود إذن ليس فقط مادة وصوت وصورة، ولكنه فكرة ورغبة، الأشياء لها إرادة، المكتبة والكتب تعدّلان من واقعهما، وتفكان حصار الجدران، والأبواب والنوافذ فواصل وهمية، البصيرة أهم من البصر، والزمن يتجدد من الأم إلى الابنة.
الاكتمال نهاية، لذلك من الأفضل أن تصبح الحياة مسوّدة قصة، والعالم هناك فى الرأس، فى الفكرة، فى القصيدة التى تولد فى لحظة، فى كفّ الحكاء الذى تتأمله العرافة، وفى اكتشاف سيارة منتظرة فى شارع جانبى، حتى لو لم نكن المقصودين بالانتظار.
ورغم أن النصوص قد تم تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء هى: لأننا نولد عجائز، وهايكو المدينة، ولأننا نموت أطفالًا، فإن الكتاب يمتلك تماسكًا واتصالًا، فهذه ذات قلقة تتوسّل بالكلمات والخيال، فى مواجهة قسوة الواقع، وسطوة الموت، وبؤس المدينة، وهذا كاتب يلجأ إلى الدوائر، فى مواجهة المعادلات الكيميائية، ويحاول أن يجد فى الفن حلًا وعزاء.
الفن يمكنه أن يسبق المستقبل، ويكتشف بذور الشيخوخة فى ألعاب الطفولة، يجعل من الأب الغائب حضورًا كاملًا، ويصنع من المسوّدات متنًا، يحوّل الوجوه فعليًّا إلى شوارع، ويجعل من السكين صرخة تشق الهواء، ينقل العالم كله إلى داخل الإنسان، فيكتب السارد: «كانت قدماى تصغران كلما كبرت، وأحذيتى تتسع، حتى صرت أتجول فيها، ولم أعد بحاجة إلى الطريق».
ينجو الساحر/ الفنان فى مواجهة القطار القادم دون خدعة، ولكن الوقت لم يتح لمتفرجيه، كى يصدّقوه. المشكلة فيمن يستسلمون لأغلال الواقع، والمأساة فى ألا نستخدم إمكانية اكتشاف العالم عبر الذات. يقنعك طارق إمام أنه يلعب، لتكتشف أخيرًا أنه أكثر جدية من كل اللاعبين، وأن حكاياته القصيرة أطول عمرًا بكثير من سطورها وأبطالها.
محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات