نصف فؤاد الآخر - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأربعاء 21 أكتوبر 2020 12:29 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

نصف فؤاد الآخر

نشر فى : الخميس 20 أغسطس 2020 - 8:40 م | آخر تحديث : الخميس 20 أغسطس 2020 - 8:40 م

يوم الجمعة الماضي آن للفنان الجميل فؤاد المهندس أن يحقق تمامه ويسترد نصفه الآخر الذي عاش بعيداً عنه لمدة ١٤ سنة كاملة، وهكذا كل واحد منا يعيش مبعثر الأجزاء يفقدها جزءاً جزءاً ثم وعلى غير ميعاد يكتمل بناؤه لتنتهي لعبة الكلمات المتقاطعة بتعبئة كل المربعات الفارغة. في عام ١٩٦٨ وضع اثنان من عباقرة التأليف المسرحي هما بهجت قمر وسمير خفاجي سيناريو مختلفاً تماماً لتلاقي فؤاد المهندس وشويكار في السماء، كانا قد تصورا أن شويكار هي التي سبقت فؤاد في الصعود إلى الرفيق الأعلى ثم تحولت إلى روح تطارده على الأرض ليلحق بها وتُعدد له وسائل الانتحار "على حبل غسيل مايكونش طويل تتعلق فيه وما تصرخشي.. أو عود كبريت في جالون بنزين وتخش عليه وما تصوتشي.. أو في الحمام تفتح سخان وتشمشم فيه تنام ما تقومشي، أو ع الكورنيش تنزل بشويش وتخش البحر ما تطلعشي"، لكن القدر كان له سيناريو آخر غير السيناريو المتصور في مسرحية "حواء الساعة ١٢" وسيناريوهات القدر نافذة. رحل فؤاد المهندس أولاً عام ٢٠٠٦ وها هي شويكار تلحق به قبل أيام، لكن بين التاريخين فإنها كانت تتجهز للقائها الأبدي معه بألم وحب ولهفة وأناقة. أحَبَ جيلي كله هذا الثنائي الذي أبدع حين التقي طرفاه فهناك أشياء لا تتوهج إلا حين تحظى بإضافة، وكانت شويكار هي إضافة فؤاد والعكس صحيح، كأنها خُلقَت له وخُلِق لها حتى أنهما حين انفصلا زوجياً، بعد عِشرة دامت عقدين، ظلا في أذهاننا لا ينفصمان فزواجهما لدى الجمهور كان من النوع الأرثوذوكسي. هي تتدلل عليه بلغتها العربية الركيكة وفتنتها الطاغية وتداعبه بجمل من نوع "أنا واحدة ست أنا عندي برد"، وهو يستسلم لها تماماً لتفعل به ما تشاء بينما حاجباه مرفوعان لأعلى على شكل رقم ٨ ويخرج منه صوت يقول "أنا عارف نفسي ضعيف من ناحية الستات"، حتى إذا فاض الوجد عن الكأس وباح لها بحبه، كما قيل، وهما مستلقيان على الأرض في مسرحية "أنا وهو وهي" انطلقت مليون زغرودة فرح في صدورنا من القاهرة إلى الفيوم حيث كانت تدور أحداث هذه المسرحية، كانا فعلاً رائعين.
***

في صيفيات الستينيات في الإسكندرية لم يخل موسم تقريباً من سهرة ليلية نقضيها مع فؤاد المهندس وشويكار، كان مسرحهما آمناً لأطفال في العاشرة من أعمارهم، تعبير الفن الآمن يختلف عن تعبير الفن النظيف فهذا غير ذاك، الأول يناسب الصغار والثاني يحجر على الجميع. كانت شويكار هي الهانم في مسرحيات "أنا وهي وهو" و"أنا فين وأنت فين" و"السكرتير الفني" و"حالة حب"، وهي بنت الأصول التي يتدله في حبها موظف صغير قليل الخبرة بالنساء يأتي بحركات بهلوانية نفطس معها من الضحك وبراءتنا تساعدنا على الضحك للضحك. إنها الفاتنة ذات "الشراب الشفتشي" كما وصفها الشيخ خميس أو الممثل القدير عبد الوارث عسر في إحدى المسرحيات، والجميلة التي يُصفّر لها جمهور المسرح عندما كانت تخرج عليه وهي في قمة أناقتها بالفورير الثمين والقبعة الكبيرة تظلل ملامحها المنمنمة، كان هذا الصفير الخفيض هو آخر ما يمكن التسامح معه من خروج على قواعد مسرح الستينيات، وهو خروج منضبط. هذا التلازم بين شويكار ودور الهانم لم يمنعها أبداً من أن تبدع في أداء دور النشالة في مسرحية "سيدتي الجميلة" لكنها بالتأكيد كانت تحتاج أن تبذل مجهوداً إضافياً لتخفي آثار امتزاج الأصل التركي مع الثقافة الفرنسية في طلتها وأدائها، وكانت في مستوى التحدي. وعندما طرقت شويكار باب السينما استطاعت بالقدر نفسه أن تتحرك بخفة ما بين الأدوار الكوميدية في أعمال مثل "مطاردة غرامية" و"اعترافات زوج" والأدوار التراچيدية في أعمال مثل "الكرنك" و "دائرة الانتقام". ولعله من المهم أن نلتفت أيضاً إلى أنه عندما اجتاحت الأعمال العبثية السينما المصرية بعد هزيمة ١٩٦٧ كجزء من انعكاس الواقع على الدراما، مثلت شويكار فيلم "شنبو في المصيدة " للكاتب الساخر أحمد رجب وفي نفس العام أي ١٩٦٨ مثلت فيلم "أرض النفاق" عن رواية فلسفية للكاتب الكبير يوسف السباعي، ومن خلال هذين الفيلمين اللذين تشاركت بطولتهما مع فؤاد المهندس احتفظت شويكار لنفسها بحيّز في مساحتين فنيتين مختلفتين تماماً.
***
لا يوجد لديّ أي دليل على ما سوف أقوله الآن لكني أحب أن أتصور أنه حدث. من الناحية الدرامية كان فؤاد المهندس غير مضطر للاستعانة بصوت شويكار لثوانٍ معدودات في مسرحيته الشهيرة "سك على بناتك"، فبمنتهى السهولة كان يمكنه الاستعانة بصوت أي كومبارس للحديث إليه على الجانب الآخر من الخط، لكن بدا لي كما لو أن فؤاد المهندس كان يستحضر من خلال صوت شويكار كل ذكرياتهما الحلوة معاً، أو كأنه لا يريد للخط أن يمتد إلا معها ولا لصوتها أن يُسكَب في غير أذنيه، وكان تاريخ المسرحية مهم جدا من تلك الزاوية. في عام ١٩٨٠ وهو العام الذي رُفع فيه الستار عن "مسرحية سك على بناتك" كان الستار ينسدل على زواج فؤاد بشويكار، ولعله وجد أن آخر ما تبقى له منها هو صوتها المُسجل فقرر أن يتشبث به ليؤنسه في كل ليلة من ليالي العرض. لاحقاً امتص الثنائي الحبيب الصدمة وعاودا العمل المسرحي معاً بألق دون ألق الستينيات، لكن للأمانة كان المناخ الفني كله اختلف، وفي هذه الظروف وُلدت مسرحية "روحية اتخطفت".
***
أسرح في تفاصيل أول لقاء بين فؤاد المهندس وشويكار بعد غياب السنين، أسترجع حنينها له وهي تقول عنه في الذكرى الحادية عشرة لرحيله "وحشني.. فؤاد وحشني"، أما هو فأكاد أراه يذوب حباً وهو ينظر لها من خلف نظارته السميكة وملامحه تختلج بشدة في حضرة "شوشو"، أتلصص عليهما فيما هما يندمجان ويتجليان ويُبدعان كما لم يبدعا من قبل أبداً، وهل هناك أروع من فن يطل من بين طيات السحاب؟

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات