عصر المعلومات الغفيرة - محمد زهران - بوابة الشروق
السبت 18 مايو 2024 6:29 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

عصر المعلومات الغفيرة

نشر فى : الخميس 21 مارس 2024 - 10:00 ص | آخر تحديث : الخميس 21 مارس 2024 - 10:12 م

استلهمت عنوان هذا المقال من عنوان كتاب «عصر الجماهير الغفيرة» للمفكر الكبير جلال أمين. الكتاب يشرح تأثير زيادة السكان على مختلف مناحى الحياة. وكما زاد عدد السكان زيادة كبيرة منذ بدايات القرن العشرين حتى وقتنا هذا فقد زادت المعلومات زيادة أسطورية فى العقدين الأخيرين. ما الذى نعنيه بالمعلومات؟ ولماذا زادت هذه الزيادة الكبيرة؟ وما أهمية ذلك؟ هذا ما سنتحدث عنه فى مقال اليوم.
وحتى نشعر بأهمية الموضوع فقد بدأت جامعات عديدة فى الخارج منها الجامعة التى يعمل بها كاتب هذا السطور وبعض الجامعات فى الداخل فى استحداث قسم جديد لعلوم المعلومات منفصل تماما عن أقسام علوم الحاسب وأقسام هندسة الحاسبات، فما هى الحكاية؟
...
يجب أن أعترف أن عنوان هذا المقال مغلوط، العنوان الأصوب هو «عصر البيانات الغفيرة»، لكن غلب استخدام العرف لأن كلمة «المعلومات» معروفة أكثر من لفظة «البيانات» والتى غالبا ما نستخدمها عندما نملأ استمارة ما أو يرسل لنا البنك أو شركة الاتصالات للقدوم للفرع لتحديث البيانات، وإن كان بالفعل ما يقصدونه هو تحديث «المعلومات»، فما الفارق بين البيانات (data) والمعلومات (information)؟
البيانات هى مجرد أشياء نقيسها، من أمثلة ذلك: عدد «اللايكات» على بوست فى فيسبوك، أو عدد السيارات التى مرت من شارع معين فى ساعة محددة، أو عدد الدقائق التى توقفت فيها أمام صورة على إنستجرام، أو درجة الحرارة على مدى اليوم فى منطقة ما إلخ. إذا هى مجرد قياسات. وسنلاحظ أن هذه القياسات تختلف فيما بينها فى عدة صفات:
• السرعة (velocity): وهى سرعة وصول البيانات، فمثلا تسجيل كاميرات المراقبة مثلا (وهى نوع من البيانات أيضا) أسرع من كتابة شخص على لوحة مفاتيح اللابتوب (فما تكتبه كتعليق على بوست فى الفيسبوك مثلا هو نوع آخر من البيانات).
• الكم (volume): وهو كم البيانات، الفيديوهات المرفوعة على اليوتيوب فى يوم واحد أكثر بكثير من قياس عدد السيارات التى مرت فى شارع معين لمدة نفس اليوم، والأولى بيانات والثانية بيانات.
• القيمة (value): وهذه من أصعب الأشياء فى هذا العصر، كيف نقيم بيانات معينة؟ قيمة البيانات تعتمد على شيئين: صعوبة الحصول عليها ومدى استفادتك منها. الاقتصاديون يعملون فى القرن الحادى والعشرين على دراسة كيفية تقييم البيانات فهى بترول القرن الحالى.
• التنوع (variety): البينات تأتى فى أشكال مختلفة: كلمات، وأرقام، وصوت، وصورة.
• الدقة والموثوقية (veracity): عندما تقيس درجة الحرارة فى مدينة ما فإن دقتها تعتمد على دقة جهاز القياس، عندما تضع كاميرات فى الطريق لترى من يخالف قواعد المرور فإن دقة القياس تعتمد على دقة الكاميرا. عندما تقيس عدد اللايكات على بوست فى الفيسبوك فإن القياس دقيق لكن دقة البيانات ليست مائة بالمائة لأن شخص قد يضغط على اللايك بالخطأ أو من باب المجاملة لصاحب البوست أو حتى لتضليل الفيسبوك.

بعد أن تعرفنا على البيانات فما هى المعلومات؟
المعلومات هى وضع البيانات والقياسات المتعلقة بموضوع واحد جنبا إلى جنب للوصول إلى فهم معين، مثلا عن عدد السيارات التى تمر فى شارع معين وحالة الجو فى المدينة التى يقع هذا الشارع يمكنك أن تلاحظ أنه عندما تنخفض درجة الحرارة عن حد معين فإن عدد السيارات يقل، وهذه معلومة.
الاقتصاديون يرون أن المعلومات أكثر قيمة من البيانات وهذا منطقى لأن المعلومات تعلمك أشياء بعكس البيانات التى تكون بحجم كبير ومختلفة كما رأينا مما يجعل عملية التعلم منها كبشر صعبا.
المعلومات ليست نهاية المطاف، الخطوة التالية هى وضع المعلومات جنبا إلى جنب للوصول إلى الصورة الكبيرة وهو ما نسميه المعرفة (knowledge). فى معلومة درجات الحرارة وعدد السيارات فى الشارع فإنه يمكنك معرفة أماكن الاختناقات المرورية واحتمالية حدوثها تبعا لحالة الجو فى مدينة معينة، وهذه المعرفة تساعدك على اتخاذ قرارات مثل زيادة عدد الحارات المرورية فى شارع ما أو تغير الاتجاه المرورى فى آخر إلخ. هذه المعرفة هى التى يستخدمها المتبارون فى الانتخابات لأنهم يعرفون ما الذى يؤثر على شخص ما فى مدينة ما وبالتالى تستخدم الحملة الانتخابية الطريقة المثلى لإقناع الشخص. تأتى هذه المعرفة من تفاعل الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعى فى المناطق المختلفة.
هناك درجة أعلى من المعرفة وهى الحكمة (wisdom) ونستطيع أن نطلق عليها الدروس المستفادة. استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعى تساعد فى الوصول من البيانات للمعلومات للمعرفة، الخطوة الأخيرة وهى الحكمة هى فعل بشرى... على الأقل حتى الآن.
...

يتضح مما سبق أننا فى عصر تزداد فيه أهمية البيانات الوفيرة واستخدامها للوصول إلى المعلومات ثم المعرفة، هذه الأهمية تزداد وضوحا إذا رأينا أمثلة لاستخدام البيانات والمعلومات والمعرفة:

• تحليل الرأى العام.
• تخطيط المدن من الطرق إلى الخدمات.
• تصميم المدن الذكية.
• تحسين الناتج من الزراعة والإنتاج الحيوانى.
• ترشيد استخدام الطاقة.
هذا غيض من فيض لكنه يعطى فكرة عن أهمية البيانات الغفيرة (big data).
لكن لماذا أصبح كم البيانات الذى ينتجه الجنس البشرى كبيرا جدا مقارنة بالربع الأخير من القرن العشرين؟
...
إنتاج البيانات الغفيرة واستخدامها يعتمد على عدة تكنولوجيات تطورت تطورا كبيرا فى العقد الأخير من القرن الحالى:

• إنترنت الأشياء: وهى المجسات التى تقيس الكثير من البيانات مثل عدد السيارات التى تمر من طريق معين، أو مستوى الرطوبة فى أرض زراعية إلخ، ثم ترسلها إلى أجهزة كمبيوتر كبيرة لتحللها وتنتج المعلومات.
• حاسبات على الحافة (edge computing): وهو التطور الذى حدث فى إنترنت الأشياء حيث أصبحت أكثر من مجرد مجسات، بل أصبح بإمكانها القيام ببعض الحسابات وفى بعض الأحيان لا تحتاج أن ترسل كل شىء لأجهزة الكمبيوتر القوية. هذا التطور جعل الوصول للمعلومات من البيانات أسرع.
• القدرات التخزينية لأجهزة الكمبيوتر زادت جدا وبالتالى أصبح بالإمكان تخزين هذا الكم الهائل من البيانات وبالتالى استخدامه.
• أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة أصبحت أكثر سرعة وبالتالى أكثر قدرة على التعامل مع هذا الكم الهائل من البيانات.
• التطور الكبير الذى حدث فى برمجيات الذكاء الاصطناعى وبرمجيات تحليل البيانات جعل الوصول للمعلومات والمعرفة من البيانات أكثر سرعة وكفاءة.
...
ما تحدثنا عنه يعطى الانطباع بأن عصر المعلومات هو عصر ازدهار بلا سيئات وهذا غير صحيح. لا توجد تكنولوجيا فى العالم بلا سيئات أو أضرار، ما هى أضرار عصر المعلومات الغفيرة؟ سنعطى مثالين فقط هنا:
• يساعد على السيطرة على الجماهير الغفيرة واقناعهم بأفكار خاطئة.
• يقلل جدا من الخصوصية، فكل حركاتك وسكناتك يتم رصدها بطريقة أو بأخرى.
يجب أن نسلح طلبتنا بالوسائل اللازمة للتعامل مع البيانات والمعلومات الغفيرة وكيفية استخدامها مع تقليل أخطارها، بمعنى آخر يجب أن نبدأ فى إنشاء أقسام علوم البيانات (data science) فى جميع جامعاتنا.

 

 

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات