مَذَلَّة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الأحد 24 أكتوبر 2021 5:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

مَذَلَّة

نشر فى : الجمعة 21 يونيو 2019 - 9:40 م | آخر تحديث : الجمعة 21 يونيو 2019 - 9:40 م

الجوع مَذَلَّة، والحاجةُ مَذَلَّة، والشكوى لغير الله كذلك مَذَلَّة؛ نعلنها تهربًا مِن السعي وراء حقٍّ لنا، تكتنف الطريقَ إليه مصاعبٌ جمَّة؛ يكون مِن الأسهل حينئذ إلقاء الحملَ على قوةٍ لا مَحدودة واللجوءَ إليها، عساها تنوب في الفعلِ عنا وتكفينا الحرجَ؛ فطلبُ الغوثِ مِن ندٍّ أو قرينٍ؛ مصحوبٌ في العادة باحتمالات الصَدِّ والتجاهُل والخزلان، وجميعها تُوَلِّد شعورًا كاسرًا بالهوان.

***
الذُّلُّ في مَعاجِم اللغة العربية نقيضُ العِزِّ، ورجلٌ ذلِيلٌ؛ أي بَيِّن الذُّلِّ، يحمل مِن علاماته ما يُحني الظهرَ ويُثقِل الكاهل. الفعلُ أَذلَّ، والفاعلُ مِنه مُذِلّ، والمفعول مُذَلّ، والمَصدر من المفردة إذلالٌ. الإذلال هو الحطُّ مِن الكبرياء، والتقليلُ مِن الشأنِ، وتوجيه الإهانةِ؛ فإذا قِيل تَعرَّض الرجلُ للإذلال، كان المقصود أن ثمَّة ما نال مِن عِزَّة نفسِه وأراقَ كرامتِه، أما العَيشُ فِي مَذَلَّةٍ؛ فحياةُ ملأى بالهَوَان والتحقِير، خاليةٌ مِن الفُخار، وفيها قال عنترة بن شداد: لا تَـسقنـي ماءَ الحيــاةِ بذلّةٍ ... بل فاسقنـي بالعزّ كأسَ الحَنظـلِ.

***
ربما كان الفارقُ الجوهريّ ما بين الذُل والإِذلال؛ أن الأولَ حالٌ؛ قد تتشارك في صُنعهِا عديدُ الظروفِ، أما الثاني؛ ففعل يرتكبه شخصٌ ضدَّ آخرٍ بوعيٍ وإرادة. الأولُ ليس مَقصودًا، أما الثاني؛ ففيه صفاتُ القصدِ والعَمدية. مِن الناس مَن يستمتعون بنظرات ذُلٍّ واستعطافٍ في أعينِ الآخرين؛ أجابوها، أو تعالوا عليها فزادوها فداحة. لا يشعر هؤلاء بقوتِهم سوى بتضاؤلِ غيرهِم، ولا يجدون راحتَهم إلا في استصغارِ الناس وتحقيرهِم.

***
يُقال بعضَ الأحيان إن فلانًا قد أذلَّ قلمَه؛ فحَطَّ مِن قَدرِه وأفسدَ قيمتَه، ونال في المُقابِل مَكسبًا تلو مَكسب. يُسجِّل التاريخُ أسماءً كثيرةً أَذلَّت عِلمَها ومِدادَها، بعضُها لا يثير فعيلُه استنكارًا أو دهشة، والبعضُ الآخر تصبح زلَّته بمنزلةِ الصدمة. وضع الجرجانيّ في أولئك أبياتًا منها:

ولو أَنَّ أَهلَ العِلمِ صانُوهُ صَانَهم … ولو عَظَّموهُ في النُّفُوسِ لَعُظِّمَا
ولكنْ أَذَلُّوهَ فَهَانَ وَدَنَّسُــــــــــوا … مُحَيَّاهُ بالأَطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّـــمَا

***
قد يشعر المَرءُ بالإذلال حين تتدنَّى مكانتُه الاجتماعية؛ يصبح بمنأى عن العيش كما اعتاد، ويرهقه حفظُ ماءِ وجهِه أمام الآخرين. قد تشمل تبعاتُ الإِذلالِ الإحساسَ بالاكتئابِ، ومِن ثمَّ العزوف عن أداء أي فعلٍ مِن شأنِه تحسينِ الوَضع؛ إذ المُذَلُّ مُستَسلِمٌ في العادة، يتضاعف شعوره بالمرارة كُلَّما ازداد الظلمُ مِن حوله، ويُقصِيه عن التفاعل مع الحياة. يقول الشاعر: كُلُّ صَعبٍ سوى المذلَّةِ سهْلٌ .. وحَياةُ الكريمِ في الضيمِ قتلٌ .. إن مُرَّ الحِمام أعذب وردًا .. مِن حياةٍ فيها شقاءٌ وذلٌ.

***
التَذَلَّل لشخص يعنى التسليم بقدرته وأهميته، وبنفوذه وقوته. لا يأتي التذلُّل غالبًا بما يُرجَى، فإذا كانت النوايا طيبة مُنذ البداية، أبطلت الأذى وكَفَت المُتذلِّلَ شرَّ المَهانة. جَسَّدَ العظيم أحمد حمدي في دور "محجوب عبد الدايم"، أروعَ مَشاهِد التَذَلُّل وامتهانِ الذات طمعًا في الجاه، وبها غدت "القاهرة الجديدة"؛ رواية نجيب محفوظ التي تحوَّلت على يديّ صلاح أبو سيف في مُنتصف الستينيات إلى فيلم "القاهرة 30"؛ علامةً في تاريخ الدراما، نُدبة لا يتلاشى أثرُها بمرورِ الوقت ولا يخفُت، وكُلَّما تفاقَم الهَوانُ، استدعت الذاكرةُ المَكلومةُ ذاك العملَ البديع.

***
الإِخضاع والإِذلالُ في تلازُمٍ وارتباط؛ كلاهُما يُراكِم في نهايةِ الأمر شُعورًا بالدونية. الخاضِعُ مُذَلٌّ بعدم قُدرتِه على الرفض، والمُذَلُّ خاضِعٌ بالتعريف لمَن أَذلَّه. غالبًا ما يقومُ الشخصُ بإذلالِ آخر فيما يُشبِه عمليةِ انتقامٍ، إذ لا يتحقَّق له الاكتفاءُ النفسيّ بالنصرِ وحده، بل على المَهزوم أن يغدو ذليلًا، عاجزًا عن استرداد ما أهدر مِن كِبرياء. يُمَثِّل الإذلالُ هدفًا في كثيرِ الأحوال؛ بعضُ وسائلِ التعذيب صُمِّمَت خِصيصًا لإِذلال الشخصِ، وتحطيم حالِه المَعنويَّة، ومِن ثمّ كسر إرادته. على هذا؛ يكون الصمُود رغم الآلام والأوجاع، باعثًا على خوفِ الجلَّادِ مِن ضحيته، إذ يُدرِك ما تملِك مِن قوةٍ داخلية، تكفُل لها الانتصار.

***
لا شكَّ أن الإِذلالَ فعلٌ بشريٌّ مُعقَّد؛ له أثرٌ عميقٌ على المستويات الفرديةِ والجماعية، بل وعلى مستوى الدول والقارات. يبدو انعقاد مُؤتمر البحرين إذلالًا لأصحاب المسألة الفلسطينية إذ قرروا مُقاطعتِه، وإهانةً بالغةً في ضوءِ اعترافِ الإدارةِ الأمريكيةِ بتبعيَّة مَزيد مِن الأراضي العربيةِ للمُحتَل. إخلاءُ الأرض مِن أصحابِها عنوة إذلالٌ، واقتلاع نبتِها واحتلالِها إذلالٌ، وقمَّةُ الإذلالِ أن يصحبَه صَمتٌ. غَنَّى الشيخ إمام منذ عقود: "يقول ابن العرب والجرح نازف، صديد الذُل، ودموع السبايا"؛ فجاءت كلماتُ رفيقِ دربِه؛ أحمد فؤاد نجم، أصدقَ تعبيرٍ عن حال الخنوع، وما انحدرت إليه أُمَمٌ؛ حظت ذات يوم بالاستقلال والكرامة.

***
في السياسة والحرب مُتَّسع لمناورة الخصم، وفي الخضوع له والتباهي بأمجاد الماضي؛ نكوص عن مواجهة بؤس الحاضر، وقعود عن رد المهانة والذل. يقول المتنبي:
لا بقومي شَرُفتُ بل شَرُفُوا بي وبنفسي فَخَرْتُ لا بجدودي
عش عزيزًا أو مت وأنت كريمُ بين طعن القنا وخفق البنود

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات