كازوزة وأحلامها التي لا تنتهي - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 1:52 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


كازوزة وأحلامها التي لا تنتهي

نشر فى : الخميس 21 أكتوبر 2021 - 7:30 م | آخر تحديث : الخميس 21 أكتوبر 2021 - 7:30 م
كازوزة هو اسم الدلع الذي كان أبو عزّة فهمي يناديها بها ثم جاءت أمها فطورّته تطويرًا طفيفًا ودعتها زوزا، أما أحلامها التي لا تنتهي فهي تلك التي وضعَتها في مذكراتها الصادرة حديثًا عن الدار المصرية-اللبنانية تحت عنوان "مذكرات عزّة فهمي، أحلام لا تنتهي". تقول عزّة في إحدى صفحات مذكراتها "بحس إن حرفة الحليّ بتجري في دمي، متهيألي لو قطعت شراييني هينزل منها خواتم وأساور"، وتقول في صفحة أخرى "مرة بعد ٤٠ سنة كانوا بياخدوا لي بصمة أصابع، لقيت إيدي اليمين بقت تقريبًا مفيهاش أي بصمات من استعمال الصنفرة والأحماض". أعتبر هاتين الجملتين هما المفتاح لفهم شخصية عزّة، فنحن إزاء امرأة غيّر حبها للحلي تكوينها الجسماني فحلّت الخواتم والأساور في شرايينها محل الدماء، ولم تعد لها بصمات أصابع كباقي خلق الله بسبب الصبغة والأحماض، فأي عشق هذا الذي هو بينها وبين الحليّ؟.
•••
عندما قدّم لي أستاذ جميل مطر مذكرات عزّة فهمي لأعرضها، قلت لنفسي الآن أتيحت لي الفرصة لأتعرّف على هذه المرأة التي تعرفني حق المعرفة من زمن بعيد. تعرفني لأن حليّها التي تحيط معصمي ورقبتي تلازمني في كل مكان: المكتب والبيت والسوبر ماركت وعيادة الطبيب وحتى في السفر. في البداية كنت أضطر لخلع حلّي عزّة كلما سافرت خارج مصر كي لا يوقفني جهاز كشف المعادن في المطار، ثم اكتشفت أن الجهاز لا يصفّر إذا كانت المعادن حقيقية، وحلّي عزّة مثلها حقيقية. أعترف أنني أحيانًا تمردت عليها وذهبت لبعض مقلّديها وهم بالمئات داخل خان الخليلي وخارجه، ثم تراجعتُ.. تراجعتُ لأنني في كل مرة ارتديت فيها إسورة تقليد كنت أفتقد إحساسي بوجود عزّة.
•••
لم أرتح كثيرًا لأن لغة المذكّرات هي العامية، فأنا أميل إلى الدمج بين الفصحى في السرد والعامية في الحوار، لكن هذه مذكرات شخصية ومن حق صاحبها أن يختار الطريقة التي يعبّر بها عن نفسه، كما أن الناقد سيد محمود الذي كان ضمن فريق قراءة المذكرّات قال لي بلهجة حاسمة "إن المذكّرات ما كانتش تتكتب إلا كده". بعض المفردات كانت مربكة في البداية كما في كتابة الضمير "هو" على النحو التالي "هوا"، لكن بالتقدّم في صفحات المذكّرات اعتدت على "هوا" و"بحس" و"بهوى".. إلخ. وبالإضافة إلى ما ذكره دكتور محمد أبو الغار في مقدمة المذكّرات عن إنها ثالث كتاب مهم يُكتب بالعامية بعد كتابّي "طالب بعثة" للدكتور لويس عوض وكتاب "قنطرة الذي كفر" للدكتور مصطفى مشرّفة، تذكّرت أن يوسف القعيد كانت له رواية شهيرة بالعامية بعنوان "لبن العصفور"، وأن نادية كامل كتَبت روايتها "المولودة" أيضًا بالعامية، كما كانت الرسائل التي أرسلها توفيق الحكيم لأرملة ابنه هيدي سلماوي كذلك بالعامية ونُشرت هذه الرسائل تحت عنوان "رسائل خاصة جدًا"، وكان أستاذ جميل مطر أيضًا هو من طلب مني عرضها في أول عدد من مجلة الكتب وجهات نظر في فبراير١٩٩٩.
•••
نترك الآن لغة المذكّرات إلى مضمونها، ما هذا الجمال أيتها "البني آدماية" كما تقولين عن نفسك يا ست عزّة؟ نظلم ما كتبتيه كثيرًا عندما نتعامل معه على أنه مجرد سيرة ذاتية لأشهر صانعة حلّي في الوطن العربي كله، فما كتبتيه هو مرجع مهم لتطور التاريخ الاجتماعي السياسي لمصر منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى اليوم. فلو أخذنا لقطة أولى لسوهاج مسقط رأس عزّة ومقّر عمل والدها وكيلًا لفرع شركة "بيل" البريطانية للأقطان، فسنعرف كيف كان صعيد مصر في أربعينيات القرن الماضي من حيث: أحوال الفلاحين، والتعليم، وزراعة القطن، والآثار، والملابس والذهب، والعبيد، والهجانة، وصندوق الدنيا، والكلاب الأرمنت، والعادات المدهشة من أول صيد الثعابين مطلع كل صيف وحتى تنظيف أمعاء الجميع بالحقنة الشرجية. ولو أخذنا لقطة أخرى لحي حلوان الذي نزحت إليه أسرة عزّة من سوهاج بعد أن توفّي والدها وهي في الثالثة عشرة من عمرها، فسنجد فيها حكيًا ممتعًا عن الطبيعة الكوزموبوليتانية لهذا الحي الذي تعايش فيه معتنقو الديانات السماوية الثلاث وكثير من الجنسيات والأقوام، عن السينمات والنوادي الرياضية التابعة للشركات، والعيون الكبريتية، والمباني ذات الدور الواحد، والحدائق التي تفوح منها رائحة التمر حنة والجوافة الحلواني، عن المدرسة والدير والمجتمع الذي يعرف الكل فيه الكل، وعن العائلات الكبيرة التي كانت تقيم في حلوان بصفة دائمة أو كانت تذهب إليه لقضاء فصل الشتاء. أما لو أخذنا لقطة لحي خان الخليلي الذي قضت فيه عزّة عشرين عامًا من عمرها صبيّة للصنايعية تسمع منهم وتلاحظ وتدوّن بعد أن وقعَت في غرام صناعة الحليّ، فإننا سنلهث وراء هذا الكم الجبّار من المعلومات الذي تقدمه لنا بعشق لا مزيد عليه عن أدوات هذه الصناعة، وخلفياتها التاريخية، وأسعار خاماتها، ودمغتها، والأنواع المختلفة من الكردان والحلقان، والمفردات التي يستخدمها الصنايعية ولا يفهمها الزبائن، وسنغرق معها في بحور من الخرز الزجاجي الملوّن. سنمشي بصحبتها في الزواريب الضيقة وسنتعرّف على تواريخ الأسبلة والمساجد والورش وسنعرف أي هذه الورش يصنع ماذا. وهذا التاريخ الاجتماعي السياسي سنجده على امتداد المذكّرات مضفورًا برسومات للحلّي، وطوابع البريد، والمخطوطات، وإعلانات الصابون واللبن المبستر ومعجون الأسنان من فترة الخمسينيات والستينيات والكثير الكثير من الصور العائلية. وسنجد أيضًا في الهوامش شرحًا وافيًا لكل معلومة نصادفها. وفي الثنايا ستتناثر أبيات شعر واستشهادات من برديات وأناجيل ومذكرات لبعض المشاهير وكذلك مقاطع من المسلسلات والأفلام.
•••
اجتمعت لعزّة فهمي أسباب كثيرة جدًا كانت كفيلة بأن تجعلها "ماركة" لأرقى تصميمات الحليّ من الفضة والذهب، لكن بصمة والدها على حياتها كانت واضحة جدًا. هذا الموظف المستنير الذي أعطى ابنته شغف المعرفة وحب القراءة واحترام الاختلاف والقدرة على بناء العلاقات مع البسطاء، بدا لي معه أن عزّة كما لو كانت تعرف أنه سيموت شابًا فإذا هي تعيش معه كل لحظة من حياته القصيرة أكثر من مرة واحدة. أو كما لو أنها درّبت ذاكرتها على التقاط صور لكل ذكرياتها معه حتى إذا جاءتها فرصة كتابة مذكراتها أقامت لنا معرضًا كبيرًا جدًا للصور/الذكريات. هذا الجذر المتنوع أيضًا لشجرة العائلة جعل عزّة تعيش بين عالمَين، في أحدهما جدتها لأبيها وهي سودانية، وفي الآخر جدتها لأمها وهي تركية، وفعلت الچينات فعلها فتسللت إليها من عائلة الضّو-عائلة جدتها لأبيها- المهارة الفائقة في صناعة الحليّ. التنقل من مكان لآخر، والاحتكاك ببيئات مختلفة، والأسرة الممتدة، وشبكة العلاقات مع العشرات ممن حملوا لقب أنكل وطنط وبعضهم من نجوم الثقافة والطب والسياسة، كل ذلك ساهم بالتأكيد في تكوين شخصية هذه "البني آدماية" التي نقرأ لها. لكن هي أيضًا كانت تمتلك القدرة على اكتشاف ما تريد وما لا تريد، وهذا ساهَم في وضعها على الطريق الصحيح. درست عزّة الديكور في كلية الفنون الجميلة، لكن حبها وشغفها كانا في مكان آخر، وكانت زيارة الهنا تلك التي أخذتها للجناح الألماني بمعرض القاهرة السنوي للكتاب، ففيه انبهرت بغلاف كتاب عليه قرط فضّي يتوسّطه حمار، فشّدتها إليه شدّا جاذبية قلبية لا تُقاوَم. ثم أنها تحسن توقيت قراراتها، فعلى الرغم من انبهارها بالتاريخ الفرعوني منذ جولات طفولتها مع أبيها وإخوتها، إلا أنها لم تتخذ القرار بتصميم مجموعة الحليّ الفرعونية إلا بعد ثلاثين عامًا من بدايتها، وتحديدًا في اللحظة التي وثقت فيها من قدرتها على استلهام روح الفن الفرعوني الرفيع.
•••
لقد اقتحمَت عزّة فهمي عالم الحليّ الذي كان حتى ظهرَت هي عالَمًا ذكوريًا بامتياز، لكنها علّمت نفسها وصنعَت اسمها وذهبَت خطوة أبعد بنقل الصنعة للأجيال الشابة، وأظن هذه المذكّرات تمثّل اقتحامًا آخر موضعه علم الاجتماع السياسي باستخدام عدسة الذات وأجود أنواع الفضّة.
نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات