الأمن القومى فى زمن داعش - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الخميس 9 يوليه 2020 8:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الأمن القومى فى زمن داعش

نشر فى : الإثنين 23 فبراير 2015 - 11:25 ص | آخر تحديث : الإثنين 23 فبراير 2015 - 11:25 ص

كيف تتعامل الدول مع تهديدات لأمنها الوطنى تأتى من خارج حدودها فى ظل غياب نظم فعالة للأمن الإقليمى أو الدولى؟ لا يمثل غيابا مثل هذا النظم مشكلة لما يسمى بالدول الكبرى، والتى دأبت على انتهاك قواعد القانون الدولى عندما تتعرض مصالحها، كما تسميها هى، للخطر. سلوك كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى دليل على ذلك أثناء فترة الحرب الباردة. الاحتلال الأمريكى لفيتنام والتدخل السوفييتى فى كل من المجر وتشيكوسلوفاكيا مجرد أمثلة. وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة لم تتوقف الولايات المتحدة عن التصرف بعنجهية وكذب ضاربة عرض الحائط بكل ادعاءاتها عن احترام القانون الدولى، وكان المثل الأبرز على ذلك احتلالها للعراق بدعوى تورط حكومته فى تشجيع جماعات إرهابية، وليس هناك شك فيما يبدو عن مساعدات يقدمها الاتحاد الروسى للمتمردين فى أوكرانيا تصل إلى حد تواجد عسكريين روس بينهم وفقا لما تدعيه مصادر غربية، وذلك بعد احتلاله لشبه جزيرة القرم. ولكن غياب هذا الإطار الإقليمى أو الدولى للأمن الجماعى هو الذى شجع دولا صغرى على التدخل العسكرى لتغيير حكومات فى دول مجاورة رأت أنها تهدد أمنها مثلما فعلت فيتنام فى كمبوديا باقتلاع حكم الخمير الحمر فى سنة 1979 أو تدخل تنزانيا عسكريا للقضاء على حكم عيدى أمين فى أوغندا سنة 1978. ولم يلق هذا التدخل استنكارا فى المجتمع الدولى وقتئذ لأن الحكومتين اللتين جرى خلعهما كانتا حكومتين" منبوذتين" فى هذا المجتمع، وذلك بسبب ممارساتهما البشعة ضد مواطينيهما.

•••

تواجه الدول العربية بما فيها مصر موقفا مشابها. تمثل الجماعات المسلحة خارج حدودها تهديدا لأمنها فى الوقت الحاضر، وتهديدا متزايدا فى المستقبل. نشاط تنظيم القاعدة ممتد فى كل من المشرق والمغرب العربيين على حد سواء، وهو موجود بالفعل داخل أراضى كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا، وأصبح ينطلق من هذه الدول لتهديد أمن دول مجاورة. وتنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية موجود كذلك داخل نفس الدول، ويعلن عزمه على إقامة خلافة إسلامية لا تقتصر على هذه الدول وإنما تمتد إلى جنوب تركيا والأردن وشمال السعودية. فماذا تفعل الدول العربية الأخرى التى يأتى هذا التهديد من خارج حدودها؟

واجهت مصر هذا الخطر الأسبوع الماضى عندما اغتالت عناصر من تنظيم داعش واحدا وعشرين من المواطنين المصريين، وتباهت بهذا الفعل الجبان والخسيس فى شريط فيديو نشرته على العالم كله. يفترض فى مثل هذه الحالات أن تتكفل الدولة التى جرت مثل هذه الجريمة الشنعاء داخل حدودها بأن تقوم بالقبض على من قاموا بهذا العدوان على حقى الحرية والحياة لعمال مهاجرين مسالمين وتقديمهم للعدالة. ولكن ماذا تفعل دولة هؤلاء المواطنين عندما لا تكون هناك سلطة فعالة فى الدولة التى جرت هذه الجريمة فى إقليمها؟. لقد قامت القوات الجوية المصرية بالانتقام من هذا التنظيم بشن غارات على معسكراته ومخازن أسلحته، ولم تهتم الحكومة المصرية فى البداية بتقديم أساس قانونى لعملها والذى تم بكل تأكيد استجابة لرغبة مشروعة من الرأى العام المصرى فى ضرورة أن يدفع مقترنو هذا العمل ثمن جرمهم، ووفقا لما يراه الرأى العام استهانة بمصر وبدورها فى المحيط العربى. ولكن انتبه المتحدثون باسم الحكومة المصرية إلى ضرورة تقديم أساس قانونى لهذا العمل، ومن ثم جاء على لسانهم أن هذا العمل تم استجابة لدعوة من الحكومة الليبية، وقال آخرون أنه ممارسة لحق الدفاع عن النفس، والذى يشمل الدفاع عن المواطنين المصريين خارج الحدود، أو حتى استباق هجوم محتمل من جانب عناصر داعش داخل مصر بالتسلل من الحدود المشتركة بين البلدين.

ولكن تحمل دولة مثل مصر مسئولية توفير أمنها بالتدخل العسكرى لمواجهة تهديدات تأتى من خارج حدودها لا يخلو من المخاطر. أولى هذه المخاطر أنه يفتح لها جبهة أخرى تنشغل بها فوق جبهات أخرى تهدد أمنها داخل حدودها لم تنجح تماما فى استئصالها فى سيناء، كما أنها تمتد إلى المدن المصرية فى الدلتا والصعيد لتضاعف من خطر ما تقوم به جماعات أخرى تستهدف بالشحنات المتفجرة الشرطة والمرافق العامة ووسائل المواصلات، وهو انشغال إضافى لابد وأنه يمكن أن ينهك أجهزة الأمن ويأخذ من وقت وجهد المسئولين والمجتمع ما كان من الضرورى توجيهه للتحدى الأخطر وهو الفقر والبطالة وإصلاح جهاز الدولة ذاته. بل إنه مما لا يجب استبعاده إطلاقا هو مردود هذا العمل العسكرى على مئات الآلاف من المصريين العاملين فى ليبيا، والذين يصبحون هدفا سهلا لتنظيم داعش فى ليبيا وللتنظيمات والقبائل المتعاطفة معه إما لأنها تشترك معه فى نفس الرؤية المتعصبة لتعاليم الإسلام أو انتقاما لأفرادها المنطوين تحت رايته والذين يمكن أن يكون قد طالتهم غارات سلاح الطيران المصرى. وحتى لو لم تحدث اعتداءات على نطاق واسع على المصريين العاملين فى ليبيا فإن توقع حدوث مثل هذه الاعتداءات قد يدفع آلافا منهم للعودة إلى وطن يعانى الأمرين فى توفير فرص العمل والدخل الكريم للعاطلين عن العمل الذين يقترب عددهم من ثلاثة ملايين وستمائة ألف شخص والفقراء الذين يبلغون ثلاثة وعشرين مليونا، وذلك وفق الإحصائيات الرسمية. سوف يكون مصير هؤلاء هو ببساطة تضاعف أعداد العاطلين والفقراء.

•••

ولاشك أن هذه الاعتبارات لم تكن غائبة عن الحكومة المصرية، والتى أدركت أيضا أنه لا يمكن الركون إلى تفعيل نظام الأمن الإقليمى المتمثل فى اتفاقية الدفاع المشترك فى إطار جامعة الدول العربية. فهناك دول عربية تتحفظ على مبدأ التدخل العسكرى فى ليبيا، ليس بالضرورة مثل قطر التى تتخذ موقفا مساندا لبعض الميليشيات المسلحة التى تحارب الحكومة الليبية المعترف بها دوليا، ولكن لأنها مثل تونس والجزائر تخشى امتداد هذا الصراع المسلح داخل أراضيها، ولهذه الأسباب لجأت مصر إلى المنظمة الدولية طلبا للمساعدة بالموافقة على تشكيل تحالف دولى يأخذ على عاتقه مسئولية إقرار النظام فى ليبيا، والذى أصبح غيابه تهديدا مؤكدا للأمن والسلام الإقليميين.

ولاشك أن هذا كان توجها محمودا من الدبلوماسية المصرية، ولكن إذا كان لهذا المسعى ما يبرره من الناحية القانونية، إلا أنه يصطدم بواقع السياسة الدولية وبحسابات الدول الكبرى التى لابد من موافقتها حتى يصدر مثل هذا التفويض من المنظمة الدولية، وتحديدا من جهازها المسئول عن حماية السلم والأمن الدوليين وهو مجلس الأمن الذى تتحكم فيه هذه الدول. وقد كانت أكثر الدول معارضة لهذا التوجه هما كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، بل ونجحتا فى اجتذاب دول أخرى كانت مصر تعول على تأييدها لمقترحها، وهى فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. وهنا يثور السؤال ألم يكن من الواجب التشاور مع هذه الدول مسبقا قبل الإعلان عن الموقف المصرى حتى لا يكون رد هذه الدول هو بمثابة انتكاسة للدبلوماسية المصرية تفوق ما دفعته نتيجة تصريحات غير بصيرة من جانب ممثلها فى جامعة الدول العربية؟

لهذه الدول الكبرى حساباتها، والتى تدفعها إلى اتخاذ مواقف متناقضة فتنكر على الآخرين ما تفعله هى ذاتها فى المشرق العربى بقيادة تحالف يقوم بنفس المهمة. ولكن هل تعول الحكومة المصرية على تغيير مواقف هذه الدول؟. قد يكون عقاب الحكومة المصرية على رفضها تلبية بعض المطالب الأمريكية بوقف انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية للنشطاء السياسيين واحدا من الاعتبارات التى تدفع الولايات المتحدة لاتخاذ هذا الموقف. ولكن سببه الأساسى أن الوضع فى ليبيا على الرغم من خطورته بالنسبة لمصر لا يمثل تهديدا مباشرا لمصالح هذه الدول، ولا يقلقها كثيرا أن يستمر على هذا النحو انتظارا لتسوية مستحيلة للخلافات بين سلطتى طبرق وطرابلس تتشكل بعدها حكومة وحدة وطنية تأمل هذه الدول أنها سوف تحارب تنظيم داعش. كما أن هذه الدول لا تريد أن تتورط فى خضم الصراعات الدائرة فى ليبيا، والذى لابد وأن تكون له آثاره على أمن مواطنيها فى ليبيا أو غيرها، فى تكرار لما يحدث على يد داعش فى سوريا.

•••

فى ظل غياب نظام للأمن الإقليمى أو الدولى يمكن أن يحقق الاستقرار والأمن للمواطنين الليبيين ولجيران ليبيا، ليس هناك بديل آخر يجنب مصر التهديدات لأمن مواطنيها المهاجرين ولأمنها سوى أن تواصل دعمها العسكرى للحكومة الليبية ولجيشها، وأن تواصل إقناع القوى الكبرى فى مجلس الأمن وفى إقليم البحر الأبيض بأن هذا هو البديل الواقعى والأقل كلفة بدلا من السعى وراء سراب إقامة حكومة وحدة وطنية فى ليبيا ترفضها الميليشيات المسلحة التى تقاوم حكومتها، سواء كان ممثلو هذه الميليشيات يشاركون فى المحادثات التى تتولاها الأمم المتحدة أو هم خارجها تماما مثل تنظيم داعش، مصدر أشد التهديدات الخارجية للأمن المصرى فى الوقت الحاضر.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، ومدير شركاء التنمية

اقتباس:

ليس هناك بديل آخر يجنب مصر التهديدات لأمن مواطنيها المهاجرين ولأمنها سوى أن تواصل دعمها العسكرى للحكومة الليبية ولجيشها.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات