للصهيونية وجوه كثيرة! - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
السبت 18 مايو 2024 6:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

للصهيونية وجوه كثيرة!

نشر فى : السبت 23 مارس 2024 - 8:35 م | آخر تحديث : السبت 23 مارس 2024 - 8:35 م
بعد وفاة تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية، انتقلت الأخيرة من مرحلة الاقتصار على الأبعاد السياسية، إلى التنوع لتغطية موضوعات أخرى ثقافية وعملية ودينية. بالطبع لم تكن النسخة السياسية من الصهيونية هى الوحيدة المطروحة على طاولة المفاوضات خلال المؤتمرات الصهيونية التى عقدت تحت قيادة هرتزل، فكما أوضحت مسبقا كانت بعض الأطروحات الثقافية والدينية تجد مكانا للنقاش والجدال، لكن شخصية هرتزل شديدة البرجماتية وربما بعضا من التسلط هى التى جعلت من الوجه السياسى المحرك الرئيسى للصهيونية خلال حياة هرتزل، لكن بعد وفاته عام ١٩٠٤، فقد أخذت الأوجه الأخرى فى طرح نفسها على المؤسسين الصهاينة وقد استمر ذلك حتى إعلان قيام دولة إسرائيل فى ١٩٤٨.
بين وفاة هرتزل وقيام الحرب العالمية الأولى انعقد المؤتمر الصهيونى خمس مرات، ١٩٠٥ فى بازل بسويسرا، ١٩٠٧ بلاهاى بهولندا، ١٩٠٩ فى هامبورج بألمانيا، ١٩١١ بازل بسويسرا، ثم فى فيينا بالنمسا عام ١٩١٣، قبل أن يتوقف لمدة ثمانى سنوات لينعقد المؤتمر الصهيونى الثانى عشر بـ «كارلو فيفارى» بتشيكوسلوفاكيا فى عام ١٩٢١.
فى تلك المؤتمرات التى عقدت قبل توقف الحرب العالمية الأولى ثارت ثلاث نقاط رئيسية مثلت إشكاليات على أجندة النقاش الصهيونى. تمثلت الإشكالية الأولى فى اشتداد الصراع بين فريق الصهيونية العملية، وفريق الصهيونية السياسية، بينما تمثلت الإشكالية الثانية فى كيفية التعامل مع الشباب اليهودى فى شرق أوروبا والتى كانت الأفكار الشيوعية تسيطر عليه بشكل أكبر من الأفكار الصهيونية، بينما كانت الإشكالية الثالثة تتمثل فى كيفية التعامل مع اليهود المهاجرين إلى فلسطين وخصوصا من أوروبا الشرقية وهم المقموعون والمتخلفون فى بلادهم الأصلية ويُخشى كثيرا على المشروع التحديثى/ العلمانى الصهيونى من أن يتراجع لو سيطر هؤلاء اليهود المتدينون على المستوطنات الجديدة فى فلسطين.
• • •
فيما يتعلق بالإشكالية الأولى، ففى حين كانت أفكار هرتزل وفريقه تتمركز حول محاولة إنشاء وطن قومى لليهود بأى شكل وفى أى مكان، والتركيز على كيفية الحصول على الدعم السياسى اللازم، فإن الصهيونية العملية قد ترى أنه وبدون إحداث تقدم على الأرض فى فلسطين من حيث بناء المستوطنات وتوفير العمالة فلن يكون للجدال حول مشروع الدولة الصهيونية أى أهمية! لم يكن يعنى ذلك أن هرتزل لم يكن عمليا، فكما أوضحت فى المقالات السابقة فقد كان مستعدا لإنشاء الوطن اليهودى فى أى مكان حتى لو لم يكن فى فلسطين، لكن المقصود أن النقاشات داخل المؤتمر الصهيونى والحركة الصهيونية تحت قيادته قد تركزت بالأساس على القضايا السياسية والتنظيمية، مثل نقاش أهمية صياغة دستور للدولة اليهودية، وإنشاء علاقات خارجية لها قائمة على استراتيجيات بعينها مع القوى العظمى، لكن فريق الصهيونية العملية كان يرى أن كل ذلك لن يكون ذا فائدة تذكر طالما أن الدولة نفسها لم تُبنَ على الأرض.
إذن، فالخلاف ببساطة أن الصهيونية العملية كانت ترى أن البناء على الأرض يتم أولا ثم يكون النقاش حول الإطار السياسى والقانونى للدولة، بينما كانت ترى الصهيونية السياسية أنه بدون إطار سياسى، فلا يمكن بناء الدولة على الأرض!
على أى حال، بعد وفاة هرتزل فإن حاييم وايزمان ــ أحد قادة الحركة الصهيونية والذى سيصبح لاحقا أول رئيس لدولة إسرائيل ــ تمكن من تقليل الصراع بين الفريقين عن طريق تبنى ما عرف باسم الصهيونية المُركبة أى التى تعتمد على الجانب السياسى والعملى جنبا إلى جنب وبنفس الأولوية!
• • •
أما فيما يتعلق بالإشكالية الثانية، فقد كانت بالفعل تؤرق الحركة الصهيونية بشدة، ذلك أن روسيا مع بداية القرن العشرين كانت بدأت تتأثر بالحركة الشيوعية، وكانت الأفكار الشيوعية تتزايد ومعها تتزايد الحركات الشيوعية السرية للدرجة التى شهدت اندلاع الثورة الروسية الأولى فى ١٩٠٥ والتى كان لها تأثير كبير على الشباب اليهود الذى أرادوا التماهى معها وشكلت نواة للثورة البلشفية التى اندلعت بعد ذلك بـ١٢ عاما وغيرت الوجه السياسى والثقافى لروسيا لمدة تزيد على سبعة عقود لاحقة. ومن هنا كان ظهور ما يعرف باسم الصهيونية العمالية، وهى تعبر عن انحياز داخل الحركة الصهيونية للأفكار الاشتراكية القائمة على العمال كقوة إنتاج وإدارة ضخمة.
كانت الأسس الفلسفية للصهيونية العمالية قد وضعها نحمان سيكيرين وبير بورخوف وهما من الصهاينة الأوائل الذين التحقوا بدعوة هرتزل، كما قاما بإنشاء الحزب العمالى الصهيونى والذى عرف باسم «عمال صهيون». وكان لهما أثر كبير فى هندسة المستوطنات الصهيونية الأولى فى فلسطين لتؤسس على مبادئ اشتراكية واضحة.
لكن تدين الصهيونية العمالية بشكل أكبر لآرون دافيد جوريون، وهو الذى ذهب بنفسه إلى فلسطين وقام بالإشراف على تنفيذ المبادئ الشيوعية على الأرض فى فلسطين ليؤسس حزبا عماليا آخر عرف باسم «العمال الشباب» أو «العمال الصغار» وقد كان له دور كبير فى التأثير على الموجة الثانية من الهجرة اليهودية إلى فلسطين بالأفكار الاشتراكية التى استطاعت أن تستوعب شباب اليهود المهاجر من روسيا، والمتأثر بأفكار الثورة الروسية الأولى، كما كان صاحب أول أفكار المنظمات العسكرية فى فلسطين، عندما دعا وساهم فى إنشاء منظمة «هاشمور» وهى من أوائل الميليشيات العسكرية فى فلسطين التى يؤسسها اليهود.
تعتبر الصهيونية العمالية واحدة من أهم الأعمدة التى قامت عليها الدولة العبرية فيما بعد، فمعظم زعماء إسرائيل الأوائل كانوا من هذا الجيل الذى تربى على الأفكار العمالية والشيوعية وفى مقدمتهم بن جوريون الذى سيصبح فيما بعد أول رئيس وزراء لإسرائيل!
• • •
ثالث الإشكاليات التى واجهت الحركة الصهيونية، فتمثلت فى الكيفية التى سيتم الحفاظ بها على روح المشروع الصهيونى الحداثى/ العلمانى فى مواجهة المتدينين اليهود المهاجرين من شرق أوروبا والتى نظر لهم آباء الحركة الصهيونية على أنهم رجعيون وقد يؤثرون على روح المشروع الصهيونى، ومن هنا جاء تأسيس الصهيونية الثقافية، وهى الحركة التى شهدت الاعتناء بالجانب الثقافى والفكرى للحركة الصهيونية فى ظل الهوة الثقافية التى فصلت بين يهود شرق أوروبا ويهود غربها!
كان من أهم المنظرين للصهيونية الثقافية آشير زفى هيرش والمعروف بالعبرية بـ«آحاد هعام» وهو ما يمكن أن نترجمه بالعربية إلى (واحد من الناس)، أو (واحد من العامة). كان لآحاد هعام سطوة كبيرة على البناء الثقافى للحركة الصهيونية، فقد حذر من أن طغيان البعد السياسى والتنظيمى للحركة الصهيونية قد يؤدى إلى إهمال بعدها الثقافى والذى رآه بمثابة روح الصهيونية وروح الدولة الجديدة. ومن هنا دعت الصهيونية الثقافية إلى إحياء التراث اليهودى واللغة العبرية والأدب والترجمة بين أبناء المهاجرين الجدد. كما اعتنت بشدة بالتعليم وكانت من أوائل المؤسسات التعليمية التى تم تأسيسها فى فلسطين هى الجامعة العبرية بالقدس والتى جاءت بقرار من المؤتمر الصهيونى الحادى عشر والذى أقيم بمدينة فيينا عام ١٩١٣. كذلك فقد كانت للصهيونية الثقافية تأثيرها على المؤتمرات الصهيونية نفسها، فشهد المؤتمر العاشر والذى أقيم فى سويسرا عام ١٩١١ أول جلسة تعقد باللغة العبرية!
• • •
قامت الحرب العالمية الأولى فتوقفت المؤتمرات الصهيونية عن الانعقاد، وإن كان لم يتوقف العمل الصهيونى الذى استمر فى دفع الهجرات اليهودية إلى فلسطين والأهم الضغط على بريطانيا للحصول على أول وعد دولى بإقامة وطن لليهود فى فلسطين، وهو الوعد الذى عرف باسم «بلفور» وصدر عام ١٩١٧.
ملحوظة: بالإضافة إلى المراجع المذكورة سابقا، اعتمدت هذه المقالة على كتاب «إسرائيل: دراسة دولة» والصادر عن مكتبة الكونجرس الأمريكية عام ١٩٩٠ محررا بواسطة هيلين شابين ميتز.
أحمد عبدربه مدير برنامج التعاون الدبلوماسي الأمريكي الياباني، وأستاذ مساعد العلاقات الدولية بجامعة دنفر.