فرية إسقاط النظام الإيرانى - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الإثنين 23 مارس 2026 9:11 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

فرية إسقاط النظام الإيرانى

نشر فى : الإثنين 23 مارس 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الإثنين 23 مارس 2026 - 7:15 م

من بين حزمة الأهداف التى بررا بها حربهما الثانية ضد طهران، ساق ترامب ونتنياهو فرية إسقاط النظام الإيرانى. وفى تطور نوعى غير مسبوق، تخطى الأمريكيون والإسرائيليون قواعد الاشتباك المتعارف عليها، وتجاوزوا الخطوط الحمر التقليدية للنزاعات المسلحة بالإقليم؛ باستهدافهما كوادر وقيادات نخبة الحكم الإيرانية. فتوخيًا منها تكريس الفراغ القيادى فى رأس السلطة، اغتالت إسرائيل أبرز الكوادر السياسية والأمنية الإيرانية التى تتفنن فى تجريد الاحتجاجات والتظاهرات المناوئة للنظام من فعاليتها. وفى مسعى منه لتشجيع الإيرانيين على إطاحة نظامهم، واصل الجيش الإسرائيلى استهداف مواقع القيادة والسيطرة، والبنى التحتية التابعة للباسيج والحرس الثورى، علاوة على منشآت الطاقة. وبينما أكد ترامب عزمه مواصلة الحرب حتى «إتمام المهمة»، استشعر مراقبون فى ذلك إصرارًا على إزاحة النظام.

 


مبتغيًا استنساخ النموذج الفنزويلى فى تغيير رأس النظام عبر «انقلاب داخلى»، راهن ترامب على الصراع بين المحافظين والإصلاحيين، حيث ألمح غير مرة إلى امتلاكه بدائل من داخل النخبة الإيرانية الحاكمة. غير أن الرئيس الأمريكى فوجئ بالتقديرات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية التى تؤكد مزاعم مجتبى خامنئى بشأن صمود النظام وصلابته إزاء الانقلابات والثورات، برغم القصف المكثف والمتواصل للمراكز العسكرية والأمنية والاقتصادية الحيوية، كما الاغتيال الممنهج للقيادات والمسئولين، والتى رجحت استمرار ذلك الصمود طالما لم تفلح الضربات الموجعة فى الحيلولة دون تشتيت الهرم التسلسلى لآلته العسكرية، أو تقويض أذرعه الأمنية، أو تفكيك بنيته القيادية ذات الطبيعة الشبكية واللامركزية.
لم يستنكف مسئولون أمنيون إسرائيليون عن الاعتراف بالافتقار إلى خطة واقعية لتغيير النظام الإيرانى، مشيرين إلى أن التوقعات بأن تؤدى الضربات الجوية أو استراتيجية «قطع رءوس القيادات» إلى انتفاضة شعبية عارمة تسقط النظام كانت مبنية على «تفكير رغائبى» أكثر منها على تقدير استخبارى يستند إلى تقارير دقيقة. بدوره، استبعد نتنياهو سقوط النظام الإيرانى قريبًا، مشيرًا إلى أن تحقيق تلك الغاية بات منوطًا بالإيرانيين أنفسهم، ومشددًا على أن إسقاط النظام لم يعد من ضمن أهداف الحرب. وبعدما ألمح إلى أن نزول الإيرانيين إلى الشوارع للإطاحة بالنظام سيعرضهم لبطش أجهزته القمعية، أكد أن الهدف الأكثر واقعية لم يعد إسقاط النظام، بل تقليص قدرته على الإضرار بإسرائيل على المديين القصير والمتوسط، وذلك من خلال تقويض القدرات العسكرية لإيران، وتدمير منظومات الصواريخ والمسيرات، والبنى التحتية لإنتاج السلاح، وإضعاف حزب الله، وترسيخ ردع طويل الأمد. ثم عاد نتنياهو ليؤكد أن بلاده تعمل على تهيئة الظروف التى تمكن الشعب الإيرانى من نيل حريته عبر زعزعة النظام وكسر عظامه توطئة لإسقاطه بالتدريج ومن خلال الصبر والعزيمة.
ما كل مساعى إسقاط الأنظمة بالقوة تؤتى أكلها، كما ليس بالضرورة أن يكون النظام البديل أفضل من سابقه. وفى الشرق الأوسط غالبًا ما تنتج مساعى إسقاط الأنظمة بالقوة عواقب وخيمة غير مقصودة، أبرزها ترسيخ الأنظمة التى يُراد إضعافها؛ فقد يسهم سقوط ضحايا مدنيين أو إثارة ردود فعل قومية فى تعزيز الدعم الشعبى للحكومات المستهدفة، ما يشى بإمكانية انتقال نظام الحكم فى إيران من الثيوقراطية إلى الديكتاتورية العسكرية المؤدلجة عبر إحكام الحرس الثورى قبضته على مقاليد السلطة فى البلاد، مقابل انحسار دور المرشد والحوزة الدينية والنخب السياسية. حيث يتمتع الحرس باستقلال مالى وعملياتى يمنح قادته القدرة على مواصلة حرب طويلة الأمد حتى لو انهارت مؤسسات الدولة المدنية تمامًا. وخلافًا لوالده الذى برع فى إدارة التوازن بين أجنحة النظام الثلاثة: العسكرية والدينية والسياسية، يبدو مجتبى خاضعًا لوصاية الحرس الثورى إلى حد يقطع الطريق على أية محاولة إصلاحية من داخل النظام، ولو من باب المناورة.
يستبعد خبراء أن تفضى الاستراتيجية الإسرائيلية المعنية بقطع رؤوس قيادات النظام الإيرانى إلى تقويضه، إذ يعتمد قدرًا من اللامركزية العملياتية يسمح للقيادات الوسطى بمواصلة العمل سريعًا، ما يعنى أن الاستهدافات قد تربك الرأس لكنها لا تعطل الأطراف. ويذهب آخرون إلى إمكانية أن تفضى إلى نتائج عكسية تتمثل فى تقويض التواصل الدبلوماسى مع العالم وإعاقة أية مفاوضات محتملة بين واشنطن والمرشد الجديد لوقف الحرب عبر الدفع ببدلاء أكثر تشددًا. فعلى سبيل المثال، كان لاريجانى، بحكم رئاسته المجلس الأعلى للأمن القومى، يتمتع بقدرة فريدة على التوفيق بين أجنحة السلطة الثلاثة، فضلًا عن إحداث توازنات داخل النظام تمهد بدورها لإقناعها بإبرام تفاهمات مع الخارج. وعلى الرغم من كونه سياسيًا محافظًا مخضرمًا، فقد عُرف ببراغماتيته النسبية داخل نظام يهيمن عليه المتشددون بشكل متزايد؛ لذلك يُعد مقتله تسريعًا من وتيرة عسكرة النظام ومبررًا لإطالة أمد الحرب. واليوم أصبحت القيادة فى إيران أكثر اعتمادًا على ما يسمى «جيل حرب العراق»، الأكثر ميلًا للتشدد والعسكرة، ما يعنى انتقال مركز الثقل داخل النظام من البراغماتية المحافظة نحو مزيد من التشدد العقائدى.
ما إن دعا نتنياهو الإيرانيين إلى الانتفاض ضد النظام حتى حذر قائد الشرطة الإيرانية المواطنين، مؤكدًا فى بيان متلفز أن «أى شخص يخرج إلى الشوارع بناء على طلب العدو لن يُعتبر متظاهرًا سلميًا، وإنما عدوًا، وسيتم التعامل معه على هذا الأساس»، مشددًا على أن جميع القوات على أهبة الاستعداد وأصابعها على الزناد. وفى السياق، حذّرت بعثة تقصى الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة، المنبثقة عن مجلس حقوق الإنسان الأممى، فى نوفمبر 2022، من أن الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على طهران قد تؤدى إلى تفاقم القمع المؤسسى داخل الأخيرة. وأكدت فى تقرير لها أن المدنيين الإيرانيين باتوا عالقين بين وطأة الضربات الخارجية وتنامى القمع الداخلى، لافتة إلى تدهور أوضاع حقوق الإنسان فى إيران بشكل حاد منذ بدء تلك الضربات فى 28 فبراير الماضى.
تحت وطأة الإصرار الأمريكى على إذلال إيران عبر مطالبتها بالاستسلام غير المشروط، قد يسعى النظام إلى ممارسة «التقية» مرحليًا التماسًا للبقاء وتوسلًا لوقف الحرب وتعليق العقوبات، لا سيما أن محسن رضائى، داعية الحرب الذى عينه مجتبى خامنئى فى منصب كبير مستشاريه العسكريين، كان هو نفسه من نصح الخمينى بتجرع كأس السم لوقف إطلاق النار مع العراق عام 1988، بعدما ألمّ الإنهاك بالإيرانيين. وما إن يتجاوز النظام تلك المحنة حتى يعاود السعى إلى امتلاك أسلحة نووية إذا ما ظل محتفظًا بمخزونه من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، حيث يرى مسئولون إيرانيون أن الفتوى الدينية الرسمية التى أصدرها خامنئى عام 2003 لتحريم إنتاج واستخدام السلاح النووى لم تعد ملزمة بعد وفاته. وبعدما فقدت البلاد قدراتها العسكرية الردعية التقليدية، ربما يصر المرشد الجديد على إنتاج الأسلحة النووية وترميم البنية العسكرية الصاروخية والمسيراتية أملًا فى إدراك الردع المستدام، وهو ما أكدت عليه مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية أثناء جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ الأسبوع الماضى.
فى وسع كل من ترامب ونتنياهو ادعاء الانتصار العسكرى، بيد أن إدراك الأخير قد لا يستتبع بالضرورة بلوغ الأهداف السياسية للحرب، لا سيما إسقاط النظام الإيرانى؛ حيث تتطلب تلك المهمة تدخلًا عسكريًا بريًا ترافقه ديناميات داخلية من قبيل احتجاجات شعبية هادرة تواكبها انشقاقات وتصدعات فى هيكل المنظومة الأمنية، خاصة الحرس الثورى، بما يضع النظام أمام تحدٍّ وجودى يولد بدوره انهيارًا تدريجيًا فى بنيته الأمنية والسياسية. غير أن الأنظمة العقائدية، كما هو الحال بالنسبة للنظام الإيرانى، حين تتعرض لتهديد وجودى خارجى قد تتصلب دون أن تنهار، أو تجنح لمزيد من التشدد والتماسك الدفاعى لا إلى التفكك السريع. وبينما تظل معضلة إيجاد بديل مناسب تشكل تحديًا جمًا بهذا الخصوص، يبرز التداخل المربك ما بين إسقاط نظام وتفكيك الدولة؛ فبجريرة الترابط العضوى بين الأنظمة الحاكمة والدول فى العالم الثالث غالبًا ما تفضى مساعى إسقاط الأنظمة عبر ضغوط عسكرية خارجية إلى انهيار الدولة وانزلاقها فى براثن الفوضى.
انطلاقًا مما ذكر آنفًا، يمكن الزعم بأن واشنطن وتل أبيب ليستا معنيتين بإسقاط النظام الإيرانى بقدر ما يشغلهما بلوغ مآرب استراتيجية أعمق أثرًا وأبعد مدى؛ إذ تنشد الأولى هيمنة على مصادر الطاقة الإيرانية مع كبح جماح التقارب الاستراتيجى المتعاظم بين طهران وكل من بكين وموسكو، فيما تبتغى الأخرى الإجهاز على قدرات إيران العسكرية تقويضًا لبنيتها الصناعية الدفاعية وتبديدًا لإمكاناتها الاقتصادية. ومن ثم قد لا يتورع شريكا الحرب عليها عن الاكتفاء بترويض نظامها الحالى وتطويع سياساته بما يخولهما إدراك تلك المآرب.

التعليقات