الإثنين 17 يونيو 2019 6:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل أنت راض عن قائمة المنتخب الوطني لكأس أمم أفريقيا؟

الستر.. فريضة أخرى غائبة!

نشر فى : الأحد 24 فبراير 2019 - 9:45 م | آخر تحديث : الأحد 24 فبراير 2019 - 9:45 م

تناولنا فى مقالنا السابق ظاهرة انتشار الإرهاب والقتل فى ربوع العالمين العربى والإسلامى، بل وتفشيهما فى كل أرجاء الدنيا باسم الدين، وذلك نتيجة انعدام ثقافة القراءة، وانتقاء تفسيرات شاذة لبعض مفسرين سيطرت عليهم النظرة الأُحادية مع عدم التطور الفكرى الذى يدفع الإنسان إلى مستويات متقدمة تنقله من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، كما أوضحنا أن القراءة هى فريضة غائبة فى المجتمعات العربية والإسلامية، ويشهد تاريخنا على أننا أمة تعتمد على «الاستماع» وليس على «الكتابة» و«التوثيق»، فالتوثيق هو سمة الأمم المتحضرة، وفى هذا يقول سبحانه وتعالى: «يَا أَيُهَا الَذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْما بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» (الحجرات 6).
وتدعو الآية السابقة إلى «التبيين» أى «التدقيق» و«التوثيق»، والتوثيق يكون بالشهادة، والشهادة تكون «بالكتابة»، أو«بالرؤيا» و«بالسمع»، أى باستخدام العين والأذن معا، وعلى الشاهد شروط كثيرة يجب أن تتوافر فيه، أهمها أن يكون معروفا بالصدق دائما، وأن يكون مستقيما فى حياته... إلخ.
ثم إن أهم أنواع الشهادات ذكرت فى حالة الزنا، فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم أن الحد لا يقام بأقل من أربعة شهود، رجال عدول على معاينة الفعل، «كالمرود فى المكحلة»، والأصل فى ذلك قول الله عز وجل: «وَاللاتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَ أَرْبَعَة مِنْكُمْ» (النساء 15)، وقوله: «وَالَذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَة أَبَدا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» (النور4).
ومن المعلوم شرعا أن الإنسان مأمور بالستر على نفسه، وعلى غيره، ولهذا غُلظت العقوبة على الشاهد أو الشهود الذين لم يكتمل عددهم أربعة، ولم تكن شهاداتهم متطابقة، واعتبروا «قاذفين»، فإن فى اشتراط الأربعة يتحقق معنى الستر، ولذا كانت عقوبة (ثمانون جلدة) للقاذف مساوية تقريبا للزانى غير المحصن (مائة جلدة)، لأن القاذف لا ضرورة به إلى القذف، فيكون ذلك ردعا له عن معاودة فعلته، ودفعا للمضرة عن المقذوف، ولأن الشهود قاموا بالشهادة من غير أن تجب عليهم، وتركوا ما أُمروا به من الستر، غلظ الله العقوبة، وذلك سترا من الله على عباده! وفى هذا يقول سبحانه: «يَا أَيُهَا الَذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرا مِنَ الظَنِ إِنَ بَعْضَ الظَنِ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضا أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَقُوا اللَهَ إِنَ اللَهَ تَوَابٌ رَحِيمٌ» (الحجرات 12).
كما يمكننا أن نستنتج مما سبق أن فعل الزنا ليس عليه عقوبة فى الدنيا، وإنما عقوبته فى الآخرة، هكذا يقول الله سبحانه: «وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنا إِنَهُ كَانَ فَاحِشَة وَسَآءَ سَبِيلا»، وإنما العقوبة ــ من رجم وجلد ــ هى على المجاهرة بالفاحشة، ذلك أنه عندما يرى الجريمة أربعة شهود، وتكون توصيفاتهم الأربعة متطابقة، فإن ذلك يعنى أن الحدث كان على الملأ، وفى هذا إشاعة للفاحشة، ويقول تعالى فى هذا: «إِنَ الَذِينَ يُحِبُونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِى الَذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدُنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (النور 19).
***
ودليلنا فى ذلك، الصحابية المتزوجة التى وقعت فى الخطيئة، فحاسبت نفسها، وذهبت إلى الرسول عليه السلام وقالت: «أخطأت يا رسول الله فطهرنى»، فأعرض عنها، فجاءت من شقه الآخر فقالت: «يا رسول الله أخطأت فطهرنى»، فأعرض عنها، لعلها ترجع فتتوب بينها وبين الله، فخرجت ولكنها عاودته فى اليوم التالى فى مجلسه، وقالت له: «يا رسول الله»، فأعرض عنها، فصاحت من حر فؤادها وقالت: «يا رسول الله.. والله إنى لحبلى من الخطيئة، فالتفت إليها ثم قال: «إما لا فاذهبى حتى تلدى»، فلما ولدت ذهبت إلى الرسول، وقالت: «هذا قد ولدته يا رسول الله»، فقال لها: «اذهبى فأرضعيه حتى تفطميه»، فغابت سنتين كاملتين، ولما فطمته أتت إلى الرسول وقالت: «هذا يا نبى الله قد فطمته وقد أكل الطعام فطهرني»!
ولعل أهم ما نلاحظه أن النبى عليه السلام لم يسألها عن الشخص الذى زنت معه سترا عليه، كما أنه قد أعطى للصحابية أكثر من فرصة امتدت لأكثر من عامين حتى ترجع عن طلبها، ولكن تصميمها أحرج النبى فكان لزاما عليه تطبيق الحد!
ومن قبله قال المسيح عليه السلام عندما جاءته جماعة متعصبة من الكتبة قبضوا على امرأة متلبسة بخطيئة، فأحضروها إلى المسيح ليروا حكمه عليها، فقال المسيح لهم: «من منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر»، وعندما خرجوا وبقى يسوع قال لها: «أما أدانك أحد»، فقالت: «لا يا سيد»، فقال لها: «ولا أنا أدينك، اذهبى بسلام ولا تخطئى أيضا»، ومن هاتين الواقعتين نستنبط أن النبيين الكريمين تعاملا مع المرأتين بمنتهى التسامح، وحاولا الستر عليهما.
إن أفضل ما تتميز به مجتمعاتنا الشرقية هو الحفاظ على الأعراض، والستر على الناس، لأن الإنسان بطبيعته خطَّاء، والخوض فى الأعراض هو الخطيئة بعينها، فهذا ما أمرنا به الله، ومن بعده النبى عندما قال وهو يطوف بالكعبة: «ما أطيبَك وأطيبَ ريحَك، ما أعظمَك وما أعظمَ حرمتَك، والذى نفسى بيده لحرمةُ المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك: مالِه ودمِه، وأن نظنَ به إلا خيرا».
***
أما ما نسمع عنه اليوم من فضائح تمس أعراض الناس هو ليس مخالفا للشرائع السماوية فقط، ولكنه مُتعارض مع القوانين الوضعية، لقد أصبح مجتمعنا مجتمع السيديهات والفيديوهات والتسجيلات الصوتية! نراها ونسمعها على الملأ فى كثير من المنابر الإعلامية التى يجب عليها أن تنشر الفضيلة بدلا من الفضائح.
إن هذه السيديهات وما شابهها لا يمكن أن تكون توثيقا شرعيا أو قانونيا، لأنها من السهولة أن تزور بما يسمى «الفوتوشوب»، وما يحدث فيها من تغيرات فى الصوت والصورة، فهذا هو بالضبط ما يحقق جريمة «القذف» فى أعراض الناس، فهذه الوسائل التى تسجل الأحداث المخالفة للقانون يجب أن يأمر بها «النائب العام»، ولا يقوم بها إلا جهات رسمية، ومسئولة، فتحقق الغرض المطلوب للحفاظ على أمن الدولة من التجسس والإرهاب وما شابه، أما إطلاق الأمر دون قيد أو ربط، فهذا هو الاغتيال المعنوى الذى لا يقل جريمة عن الاغتيال الجسدي!
فى الأيام الأخيرة، سمعنا ورأينا اغتيالات جسدية قام بها إرهابيون ضد أبطالنا الذين يقومون بحماية الوطن ضد أعداء الخارج فى شمال سيناء، ثم تلتها حادثة الإرهابى الذى قتل وأصاب رجال الشرطة ــ حماة الوطن فى الداخل ــ فى حى الدرب الأحمر، كما سمعنا كثيرا من الاغتيالات المعنوية ضد مشاهير فى السياسة وفى الفن وفى الرياضة، هذا الكم الهائل من الفضائح والاغتيالات يؤثر بالتأكيد على سلامة الصحة النفسية للمجتمع الذى يجب أن يوجه كل طاقاته للعمل، وللإنتاج المفيد.
فهل فضيلة «الستر» أصبحت هى الأخرى فريضة غائبة عن مجتمعنا مثل القراءة؟، وهل سيفقد مجتمعنا المحافظ كل فترة فضيلة جديدة؟ اللهم احمِ الوطن من كل من أراد به سوءا، ونسأله الهداية للجميع، وأن يحفظ الشعب المصرى الأصيل، المعروف دوما بحفاظه على التقاليد، والقيم الأخلاقية النبيلة، من أعدائه فى الداخل الذين هم أخطر من أعدائه فى الخارج.
أستاذ الأدب واللغويات بقسم اللغة الفرنسية بجامعة الملك سعود بالرياض

أكرم السيسى أستاذ الأدب واللغويات بقسم اللغة الفرنسية بجامعة الملك سعود بالرياض
التعليقات