الغرب.. والانحلال الأخلاقي - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 21 يوليه 2024 7:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الغرب.. والانحلال الأخلاقي

نشر فى : الجمعة 24 فبراير 2023 - 8:40 م | آخر تحديث : الجمعة 24 فبراير 2023 - 8:40 م
درجت المجتمعات الشرقية على اتهام المجتمعات الغربية بما يُطلق عليه الانحلال الأخلاقى، فهل هذه حقيقة واقعة أم أنها مبالغة فى اتهام الغرب؟ الحقيقة تقول إن كل مجتمع إنسانى يستلهم أخلاقياته ومبادئه من طبيعته ومناخه وبيئته وتاريخه، بل يستند إلى تصورات ذلك المجتمع وقناعاته وحقائقه، ويستلهم مُثلها ومبادئها وقيمها، لذلك علينا أن نعترف ونتأكد أن للغرب قيمه وللشرق قيمه وهو ما صنع الفارق بيننا وبينهم، فلو كان الغرب على صورتنا ومثالنا لما كنا نحن وهم غرباء، فالمشكلة ليست فى الاختلاف بل فى إساءة فهم الحضارتين، فالبعض منا يتهم الغرب بالانحطاط الأخلاقى والحقيقة أن هذا الاتهام يسقط تمامًا أمام مجتمعات ابتليت أيضًا بعاهات وأسقام واضطرابات، وعلينا أن نبذل طاقتنا القصوى فى سبيل الشفاء منها.
فى البداية عزيزى القارئ/عزيزتى القارئة، لن أفترض سوء النية فى هذا الاتهام، بل الفهم الخاطئ الذى يمنع صاحبه من إدراك أسباب الاختلاف، وأعتقد أن أخطر ما تنطوى عليه تهمة الانحلال الأخلاقى هو الادعاء بضياع الإنسان الغربى، وتفكك الأسرة الغربية، وانحراف الحرية الفردية الذاتية وانهيار الأخلاق لا سيما تلك المتعلقة، بمقام الجسد والمرأة والجنس، وعلاوة على ذلك نحن غالبًا ما نعيب على الغرب ازدواجية معاييره الإنسانية الديمقراطية، خصوصًا فى نطاق السياسات الخارجية، وهنا لابد لنا ــ والحال هكذا ــ من تدمير وجوه الضلال فى مثل هذه الانتقادات اللاذعة المهينة.
• • •
من أفضل سبل الاستجلاء هو النظر فى طبيعة المجتمع الغربى المعاصر الذى قام على إرث الحضارة الإغريقية اللاتينية والذى يعترف بمقام وأهمية الفرد، على تنوع المقادير، وهو يفرد للمجال العمومى (العام) منزلة الصدارة فى نظام المدينة الإنسانية، معنى ذلك أن المجتمعات الغربية استوحت فى نهضتها الإنسانية الناشطة منذ القرن السادس عشر، مثال المدينة الإغريقية القديمة، التى كانت تولى المناقشة العلمية المفتوحة العناية الفائقة، ومع ذلك، يعرف الجميع أن الغرب اختبر الظلامية والجهلة بل الاحتراب المميت، لاسيما إبان أزمنة تصارع الممالك الغربية، غير أن القرون الوسطى ليست حقبة اقتتال فحسب، بل نضجت فيها أيضًا وأينعت وأثمرت أبهى إبداعات الفكر وجمالات الفن وارتقاءات الروح.
ما يعنينى فى المرتبة الأولى، أمران: الأول مقام الفرد الغربى الذى نضج فاستحصل على أفضل الممكن تاريخيًا من حقوقه الأساسية، والثانى منزلة المدينة الغربية التى تطورت تشريعيًا ومؤسساتيًا وأصبحت الدولة الحاضنة الجامعة الحامية وهكذا لا يمكننا أن نفهم الغرب، أى أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا، ما دمنا نئول تأويلًا خاطئًا فردية الإنسان الغربى الذى يتمسك بذاتيته قبل أى أمر آخر ــ فالذات الفردية هى أصل الأصول فى الوجود الإنسانى والحياة، بل أيضًا فى الاجتماع، لذلك تنبثق منها كل القرارات وإليها تعود كل المرجعيات بل فيها تنضج كل المسارات. غير أن هذه الفردية لا تعنى بالضرورة الانفرادية والانعزالية والتقوقع فى شرائع الأرض كلها، من تشريع يتدبر المسئوليات القانونية الفردية والجماعية تدبرًا عاقلًا حصيفًا متزنًا، كما يتدبرها التشريع الغربى الذى استفاد من خصوصيات الأمم الأخرى واستلهم نظمها بل وأدخلها فى شريعة حقوق الإنسان الكونية، والحقيقة ليس من ينظم العمل الجماعى كما ينظمه أهل الغرب فى مؤسساتهم ومنظماتهم وجمعياتهم ومنتدياتهم ومحافلهم فالغربيون ليسوا بأهل التوحش الانعزالى، بل هم صانعو العمل الجماعى الناجح، بخلاف الكثير من أهل المجتمعات الآسيوية والأفريقية المنتشين بسلطانهم الفردى المطلق. وهنا لابد لنا من الاعتراف بأن مقام الفرد الغربى أتاح للمجتمعات الغربية أن تنهض نهضة ثقافية علمية تقنية اقتصادية جعلتها فى الطليعة. ومع ذلك، يقر أهل الغرب أنفسهم بأن التطرف فى الفردية يُفضى إلى عزلة الإنسان وتفكك الأواصر الطبيعية العائلية والوجدانية العاطفية. فى جميع الأحوال يعتقد إنسان الغرب أن الحرية الفردية الذاتية قيمة أخلاقية عظمى لا يجوز التخلى عنها على الإطلاق. أما مقام الدولة فى المدينة الإنسانية الغربية فقد تطور تطورًا مذهلًا جعل الناس يستجيرون بها فى كل قضاياهم الاجتماعية. ذلك بأن التشريع الغربى الشامل فى الأحوال الشخصية وأخلاقيات الحياة والطب واقتصاديات المعرفة وقضايا المعلوماتية، وما إلى ذلك من حقول إنتاجية حيوية جعل الفرد يشعر بالاطمئنان الوجودى الذى يُرسخه الاستقرار السياسى المبنى على تطور الأنظمة الديمقراطية، بل ويعزز الرخاء الاقتصادى الذى واكب نهضة المجتمعات الغربية المعاصرة، وهكذا نستطيع أن نعفى الإنسان الفرد عن التواكل العائلى أو العشائرى، الذى ما برح سائدًا فى المجتمعات الآسيوية والأفريقية الأخرى.
• • •
مظاهر شتى من الحياة الاجتماعية الناشطة عندنا مقترنة باختلالات الانتظام العربى العام وبضرورات التعويض التضامنى المنقذ من الهلاك. أعلم علم اليقين أن التضامن العائلى اضطرب فى الغرب بسبب تفاقم الحريات الفردية ولكن هذا الاضطراب لا يعنى أن الغرب لا يشعر بضرورة الحضن الأسرى الدافئ، أعرف معرفة اليقين أن الحرية الأخلاقية شبه مطلقة فى المجتمعات الغربية بيد أن التخفيف من الرقابة الأخلاقية لا يدل على انحطاط الأخلاقيات الغربية، وأعتقد فى هذا السياق أن معايير السقوط الأخلاقى والرفعة الأخلاقية ملتبسة تتغير بتغير المرجعيات الثقافية إذا كان الخفر والحشمة والتعفف من سمات الإنسان الشرقى، فإن الشفافية والصراحة وجرأة التعبير واستثمار فضائل التعرية النقدية الذاتية الوجدانية الفكرية حتى الجسدية أيضًا، من ميزات الإنسان الغربى وخصائصه التى تضمن له النجاح والتألق الابتكارى.
إذا عرضت المرأة جسدها العارى فى الإعلان الغربى، فهذا لا يعنى أن نساء الغرب مومسات وأن رجال الغرب فاجرون، بل يعنى أن قيمة الحرية الفردية تعلو قيمة الحشمة الجسدية. هل يصعب فهم هذا الاختلاف فى تقييم حقائق الحياة حتى تمسك الألسنة عن الاتهام المتهور؟ ما ذنب الذين يفضلون الشفافية فى المسلك والإفصاح السليم عما بداخل النفس. والتعرية الكيانية الصادقة أمام الملأ؟ أفلا يليق بنا أن نعتمد بعضًا من المعايير الأخلاقية السليمة عوضًا عن التستر بالمبادئ والتظاهر العلنى بالاعتصام الكلامى المحصن بأحكام الأخلاق، فى حين أن الباطن يناقض الظاهر، وأن الخلوة الفردية والجماعية فى المجتمعات المقهورة اجتماعيًا غالبًا ما تنطوى على أشكال شتى من الانحراف الجنسى، فللغرب انحرافاته ولنا انحرافاتنا، والعبرة فى تجاوزها تجاوزًا يخدم قضية الإنسان الجوهرية.
يحزننى أن نسارع إلى تعرية الغرب ونغفل عن تعرية ذواتنا. أفهم الأسباب التى تجعل مجتمعاتنا العربية تنتقد الغرب فى كل شاردة وواردة إذ إنها عانت الأمرين من استبدادها، بيد أن للتاريخ دورة سلطانية عبثية يتداول النفوذ فيها، من يفوز بالاقتدار الأعظم. بالطبع يمكننا أن ننتقد الغرب ونقبح أفعاله الاستعمارية، ولكنه لا يحق لنا أن نتغافل عن سلسلة التضامن الإنسانى العابر للثقافات، وقد أنشأها الغرب تارة من أجل تعزيز استعماره، وتارة أخرى من أجل تعزيز مقام الإنسانية، أذكر فى الأزمنة المعاصرة بضعًا من المؤسسات الإنسانية العالمية التى أظهرت لنا جميعًا قيمة الاقتناع الأخلاقى الذى يزين وعى الإنسان الغربى الحر: الصليب الأحمر الدولى، وأطباء بلا حدود، وإعلاميون بلا حدود، والمؤسسات القانونية الدولية على تنوع مسمياتها، ومنها على سبيل المثال منظمة العفو الدولية، ومنظمة الصحة والعمل والتغذية والتربية، وما شاكل ذلك. قد تتلاعب القوى النافذة بهذه المنظمات، ولكن أصل نشوئها مرتبط بالمقصد الأخلاقى الشريف. ويبدو اليوم أن التلاعب بضمير المنظمات العالمية لم يعد يقتصر على الأنظمة الغربية، بل طفقت الدول الآسيوية والعربية المقتدرة ماليًا تشارك المتلاعبين فى مناوراتهم المفضوحة.
• • •
أعود إلى النعوت التى يوصف بها الإنسان الفرد فى المجتمعات الغربية، والتى من أهمها فردانيته وانعزاله وجفائه الطباعية. ولكن هل نسينا أن عوامل الطبيعة لها تأثير بالغ فى نحت الطباع الإنسانية؟ من الحقائق الإنثربولوجية أن الوجدان يضطرم بأشعة الجنوب الدافئة، ويتجمد بصقيع الشمال القارس، كيف لنا أن نحادث جارنا فى ضباب لندن الذى يمنعنا من رؤية أصابعنا، فى حين ننعم فى القاهرة بدفء الشمس الذى يدفعنا إلى الخروج من المنازل والتعاشر فى الأحياء والشوارع؟! حتى فى قلب القارة الأوروبية يعجب أهل الشمال المتحفظون، الخشنون الملمس، المستأنسون بالوحشة، من مسلك أهل الجنوب البشوشين، الجميلى المعشر اللطيفين المخالطة، اللذيذين المفاكهة أوليس فى ظلمة السماء ما يفاقم تعبس الوجه وتجهم الطلعة وانقباض الروح؟ وفى صفاء الأفق ما يعزز بشاشة الطلعة وإشراقة المحيا وانبساط الصدر وطلاقة اللسان؟ غير أن الأخلاق ليست بالعزوبة الكلامية الجوفاء، بل بالحس التضامنى الإنسانى العميق.
أول رد فعل تفطن إليه الشعوب المقهورة، فى ظلمة واقعها المرير، أن تشد الرحال إلى الغرب حتى تنعم بحرية وجودية كاملة وتتقى شرور السلطان السياسى الباطش فالمظلوم عندنا يستجير بالغرب ليحميه، وأيضا الأصولى منا يلجأ إلى الغرب، والمخلوع عن عرشه السياسى، والمنتفع الطفيلى، ولكن ثمة فئة أخرى من ذوى الطموح العلمى والرغبة فى المغامرة الحضارية تروم أن تختبر الحياة فى الغرب اختبارًا مختلفًا فإذا بها تضرب فى الأرض بحثًا عن بيئات ثقافية مختلفة تهبها إحساسًا كيانيًا آخر وتذوقًا وجوديًا فريدًا يستثير فى النفس الإنسانية طاقات دفينة من العزم والاستمتاع والإبداع.
وحده مثل التلاقى الحضارى الرفيع هذا يجعلنا نكتشف القيم الأخلاقية التى يذخر بها وعى الآخرين. ومن ثم ينبغى لنا أن نحرص على استثمار أفضل ما فى الغرب من قيم أخلاقية سامية حتى تعزز فينا ما يبدو لنا من ضعف وانحلال وتقهقر. إذا سألنا الإنسان الغربى عن طبيعة إسهامنا الأخلاقى كشفنا له عن كنوز الحضارة التى نحيا منها، لكن من غير أن نقبح عليه معتقداته وتصوراته وأفعاله، وقد ضللنا ضلالًا مبينًا فى إدراك جوهرها.
• • •
خلاصة القول، أن الغرب لا يحتاج إلى من ينتقده، لكى يخرج من سباته فقبل أن نقبل عليه بالتقريع، علينا أن نستنطق حضارته لتخرج أسرارها الدفينة وخلفياتها المحجوبة حتى يقوى على إصلاح ذاتيته فالحضارة التى تنتقد ذاتها لا خوف على أخلاقها.
إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات