الثورة الدائمة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 4:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

الثورة الدائمة

نشر فى : الخميس 24 نوفمبر 2011 - 9:50 ص | آخر تحديث : الخميس 24 نوفمبر 2011 - 9:50 ص

مرت عشرة أشهر تقريبا على قيام الثورة المصرية ولاتزال فى جعبتها أهداف كبرى معلقة لم تجد طريقها للتحقق بعد. إذا تركنا رحيل مبارك وعائلته وجزء من نظامه جانبا، لطالعتنا الصورة السابقة ذاتها بأسماء ووجوه جديدة، النظام المستبد قائم لم يتبدل بعد، والأساليب والطرق القمعية تُمَارَس وكأن شيئا لم يكن. بدأت الثورة بدعوة للتظاهر أطلقها شباب ينتمى أغلبه إلى الطبقة المتوسطة، واستجابت شرائح وفئات مختلفة للدعوة وانضمت للميادين، لكنها فى النهاية سلمت السلطة إلى المجلس العسكرى، الذى شكل حكومة خلت مِن كل مَن هو قادر على الفعل الثورى الحقيقى.

 

تشير بعض النظريات والأطروحات التاريخية إلى استحالة نجاح ثورة تقودها الطبقة البرجوازية فى تحقيق أهداف القسم العريض من الشعب، الذى يتشكل بطبيعة الحال لدينا من طبقات كادحة، ما زالت تلك الأطروحات محل اختبار فهل تثبت صحتها؟

 

●●●

 

رفعت الثورة مطلب العدالة الاجتماعية منذ بدايتها، وهو مطلب كان يستدعى تَدَخُّلا حاسما من الدولة لغلّ يد الرأسمالية العابثة وتصحيح المسار الاقتصادى وصبغه بشىء من ملامح اليسار، مع ذلك فإن الحكومة ظلت تؤكد فى كل مناسبة على تمسكها باقتصاد السوق متجاهلة الأوضاع المتدهورة، ومتخلية عن إعلان أية ضوابط وضمانات للذين سوف يقضى هذا التوجه الاقتصادى عليهم. لم تُبَرِّرُ الدولة توجهها هذا، ولم تشرح سبب انحيازها له خاصة وقد صار هناك جزء غير ضئيل من فقرائها يواصل البحث فى صناديق القمامة عن الطعام. لم تعلن الدولة بوضوح عن الشريحة العليا التى تريد أن تطمئنها بتلك التصريحات، ولم يكن لها فى الحقيقة ــ وهى حكومة انتقالية ــ أن تفرض هذا التوجه الاقتصادى وكأنما سوف تبقى فى الحكم أبدا.

 

فى الوقت ذاته يمكن ملاحظة التذبذب بشأن الرؤية الاقتصادية المستقبلية: تُصَرِّح الحكومة عن عزمها الاستدانة من صندوق النقد الدولى ثم تتراجع بعد إعلان رفض المجلس العسكرى، ثم تعود تصريحاتها إلى سياسة مواربة الباب دون تحديد موقف حاسم من الصندوق، وأخيرا ومنذ أيام قليلة تؤكد تقديم طلب الاستدانة منه وهى عملية غالبا ما تتم تحت شروط مجحفة، وبشكل مرتبك.

 

منذ شهور أُعلِنَت الموازنة العامة لتشتمل على زيادة فى الجزء المخصص لقطاع الشرطة تحديدا دون تغيير يذكر فى القطاعات الأخرى، وهو أمر يفضح الهزيمة المخجلة لكل الجهود التى رمت إلى تحقيق زيادة مرضية فى ميزانيتى الصحة والتعليم، حجرا الزاوية فى أى بناء مجتمعى يراعى مصلحة الغالبية العظمى من مواطنيه، خاصة حينما يتركب مما يجاوز 40% من الفقراء. هكذا يتم تدعيم الجهاز الأمنى القمعى على حساب الخدمات الأساسية التى تقدمها الدولة لمواطنيها.

 

إن قرارات واقتراحات مثل استغلال منشآت الدولة الخدمية المجانية لإدرار دخل مالى (العيادات المجانية)، أو استقطاع جزء من ميزانية العلاج على نفقة الدولة لصالح رفع أجور الأطباء، لا يمكن فهمها إلا فى إطار الجنوح العام نحو انتزاع ما تبقى من حقوق وامتيازات ضئيلة للطبقات الفقيرة التى يفترض أن تحميها الدولة، والسعى الحثيث لخلق حالة من تضارب المصالح بين الطبقات المختلفة وتشتيت الانتباه عن مواطن الخلل الرئيسية فى النظام. إن الصراع الذى تتم تزكيته هنا هو صراع على الفتات، بينما تحظى القلة القليلة المتربعة على القمة الاقتصادية ــ التى لا يطالها الصراع ــ بالنصيب الأعظم من الثروة. 

 

●●●

 

ربما لا يمثل بناء نظام اشتراكى حقيقى الحديث الشعبى الأكثر تداولا فى المجتمع رغم الوضع المتأزم، لكن إنجاز مهام الديمقراطية مطلب لا يفتأ يتكرر، لا يمر يوم واحد دون أن تتكرر كلمة «الديمقراطية» فى برامج التليفزيون وقنواته الحكومية والفضائية، ولا يكاد حوار يبدأ بين اثنين دون أن يتناول الكلمة، ولا تنعقد ندوة أو ورشة عمل دون أن تتصدرها الديمقراطية، أما على أرض الواقع فلم تتمكن الثورة من تحقيق مطالب الديمقراطية الحقيقية، لم يتم إلغاء حالة الطوارئ بل تفعيلها دون استفتاء فى تجاوز صريح للدستور، وقد تم التوسع فى استخدام المحاكم العسكرية بشكل مخيف، ووصل عدد أحكامها التى صدرت بعد قيام الثورة وحتى اليوم إلى ما يزيد على الاثنى عشر ألف حكم.

 

أما وزارة الداخلية ومؤسسة الشرطة فمازالت كلتاهما طليقة اليد تنتهج سياسة البطش، تضرب الرصاص والقنابل وتحتجز وتعذب وتهدد وتتوعد بالانتقام، وقد تغير الخطاب الرسمى للوزارة مؤخرا فترك ادعاءات الإصلاح والتطهير ليظهر أنيابه مرة أخرى وليرتكب فى الأيام القليلة الماضية أفعالا ترقى إلى جرائم الحرب فى ميدان التحرير. لقد اعتبر اللواء العيسوى أن الشهداء الذين سقطوا أمام أقسام الشرطة ليسوا إلا بلطجية، رغم أنه يدرك جيدا أن البلطجة هى الخروج المتعمد على القانون وانتهاكه وكلها أفعال تتم بيد أفراد الشرطة داخل الأقسام وخارجها، أما ما حدث وما سوف يحدث من المواطنين تجاهها فهو رد فعل طبيعى على سنوات من القهر والإذلال، أعقبتها حرب انتقامية غير متكافئة استرجعت فيها الشرطة ميراثها الثقيل من الكراهية. على الجانب الآخر لايزال النظام الحاكم يرفض التخلى عن مواقعه وتسليمها إلى سلطة مدنية مؤقتة تدير شئون البلاد، حتى يتم الإعداد للانتخابات دون تسرع، وهو المطلب الذى تم إعلانه فى بدايات الثورة، وتم تجاهله بشكل واضح.

 

أصدرت الحكومة فى الأشهر الماضية قانون تجريم الاعتصامات والإضرابات، فى الوقت الذى كان العمال يحتجون فيه داخل المصانع والشركات والمؤسسات. رسالة واضحة مفادها أنه لن يتم السماح بتنامى احتجاجات الطبقة العاملة التى بدأت تلوح بإمكانية الضغط الشديد لتحقيق مصالحها وفرض مطالب العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وقد أحيل عشرات العمال إلى المحاكمات العسكرية بمقتضى هذا القانون، ولاتزال الدولة تتنصل من تثبيت العمالة الموسمية وتجبر العمال على القبول بعقود إذعان يحق لها إنهاؤها دون سبب، ودون أن يترتب على ذلك أية حقوق لهم. هناك مِن الكتاب والمثقفين من شارك فى الثورة ودافع عنها، ورغم ذلك لا يكف عن اتهام المطالبين بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية بالأنانية والتمركز حول مطالب «فئوية»: الكلمة التى كادت أن تصبح سبابا، بل وتصل الاتهامات فى بعض الأحوال إلى الوصم المباشر بالعمالة والتأمر.

 

●●●

 

شكوك متعددة تُثار حول ما إذا كنا قد قمنا بثورة فعليا وحول الإنجازات التى حققناها، ومباحثات متنوعة تدور حول ما يتحتم فعله لإنقاذ ما بدأناه من التداعى والخمود. ربما تُثبِتُ الفروض القديمة صحتها رغم مرور عقود طويلة، ويصبح تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية أمرا مستحيلا فى ظل استمرار البرجوازية المصرية فى السلطة، فأغلب الظن أن البرجوازية الصغيرة التى استلمت مقاليد الدولة تحت إشراف العسكر لا تزال تعمل بغرض تهدئة الأوضاع والإبقاء عليها فى نطاق السيطرة، وهى لاتزال أيضا تطمح إلى تحقيق مكاسب، ليس على حساب البرجوازية الكبيرة التى لم تُمَسُّ مصالحها حتى الآن، بل على حساب الطبقة العاملة والطبقات الدنيا، وهو الأمر الذى يجعلها تنكص وترتد خائبة المرة تلو الأخرى دون أن تحصد نتاج الثورة التى حرض عليها شبابها.

 

ربما تكون الطبقة العاملة المصرية قد نضجت بما يكفى للاضطلاع بمهامها وتحقيق ما عجز عنه الآخرون. فى كل الأحوال فإن مواصلة الاحتجاجات فى المصانع والشوارع والميادين والمطالبة بإجراءات أكثر جذرية، ربما تمثل الطريق الأمثل لتحقيق الأهداف التى رفعتها الثورة: الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات