ليه لأ؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
السبت 15 أغسطس 2020 11:50 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ليه لأ؟

نشر فى : الخميس 25 يونيو 2020 - 10:10 م | آخر تحديث : الخميس 25 يونيو 2020 - 10:10 م

مسلسل ليه لأ؟ الذى أشرَفَت على كتابته مريم نعوم وأخرجته مريم أبو عوف وقامت ببطولته أمينة خليل هو من ذلك النوع من الأعمال الدرامية التى تثير الجدل. إنه مسلسل لا يتضمن مفاجآت ولا يبتز المشاعر بالبكائيات ولا يستثمر فى الإثارة، بل هو ينساب فى عادية شديدة.. وربما فيه بعض الرتابة إلى الحد الذى يجعلك تسأل أحيانا هل نحن مطالبون بأن نتابع كل هذه التفاصيل المتكررة وأن نصاحب البطلة وهى تتناول وجبة تلو أخرى فى المطعم الإيطالي؟ لذلك فمن الناحية الشكلية أعتقد أنه كان يمكن اختصار العمل إلى عشر أو اثنتى عشرة حلقة على الأكثر دون أى إخلال بالبناء الدرامى للقصة.
***
أما من حيث المضمون فإن المسلسل يثير فى واقع الأمر أكثر من ليه لأ؟ واحدة، وذلك على الرغم من أن الاهتمامــ أو بالأحرى النقد الذى تناول العمل انصرف بالأساس إلى ليه لأ؟ معينة، وتلك هى التى تخص حق الفتاة الناضجة فى أن تستقل عن أسرتها وتكون لها حياتها الخاصة ومسكنها المنفصل. فإلى جانب هذا السؤال الكبير الذى انشغل به الجميع، كانت هناك أسئلة أخرى من نوع: ليه لأ لا تحب المرأة وتتزوج من هو أصغر منها سنا؟ وليه لأ لا تعمل الفتاة الجامعية فى المهنة التى تحبها حتى وإن كانت غريبة على وسطها الاجتماعي؟ وليه لأ لا يدار النقاش بين الأجيال بشكل مختلف عما كان عليه الحال من نصف قرن أو يزيد؟ فى لحظة معينة بدا لى أن هذا المسلسل قرر أن يجمع كل ليه لأ؟ التى أثارها إحسان عبدالقدوس فى أدبه المشغول بالمرأة حتى النخاع، يجمعها فى عمل واحد من خمس عشرة حلقة، وبوسعى الآن أن أجد لكل سؤال فى المسلسل نظيره فى رواية أو قصة قصيرة لإحسان عبدالقدوس، ففى «أنا حرة« خرجت البطلة من بيت عمتها المحافظة لتقيم مع أبيها المتفتح الذى وثق فيها وترك لها الحبل على الغارب، وفى «حبيبى أصغر مني« عاشت البطلة معاناة الارتباط بحبيبها الذى يصغرها سنا ولم تسلم أبدا من القيل والقال، وفى «يا ابنتى لا تحيرينى معك« لم يترك حوار الأم مع ابنتها شاردة ولا واردة إلا وخاض فيها لنتبين اتساع الفجوة بين جيلين أو بين أفول وبزوغ... إلخ. هل لهذا التناسخ الفكرى بين عبدالقدوس وناعوم من دلالة؟ أتصور أن دلالته الأساسية هى أن المجتمع المصرى رغم كل الخضّات التى مر بها منذ منتصف القرن الماضى وحتى اليومــ هذا المجتمع لم يستطع أن يتقدم خطوة للأمام فى موضوع الحرية الاجتماعية للمرأة، ولا هو وجد إجابة مقبولة لكل أسئلة ليه لأ؟ التى طرحها أدب إحسان عبدالقدوس فلا عجب إذن إن هى تجددت بعده. ولماذا نذهب بعيدا، إن إحسان نفسه الذى وصفه بعض النقاد بأنه «قاسم أمين عصره« لم يحسم موقفه من قضية حرية المرأة، حتى أن روايته الأشهر عن التمرد على العادات والتقاليد «أنا حرة« انتهت بالبطلة إلى حالة من الاستتباع للبطل واعتبرت أن استقلال الوطن هو الأصل والأساس، وذلك بافتراض أن الوطن الحر سياسيا تتحرر فيه المرأة اجتماعيا وكذلك اقتصاديا بشكل تلقائى.
***
لم يتطور المجتمع إذن فيما يخص موقفه من المرأة قيد أنملة، بل حدثت ردة إلى الخلف فهزمت التقاليد كل محاولات التحديث وفرضت العادات سطوتها على الدين نفسه، ومن يطالع التجاذبات ذات الصلة على وسائل التواصل الاجتماعى يصيبه غثيان. لذلك لم أستغرب كثيرا عندما ذهب مسلسل «ليه لأ؟« فى تصوير سطوة العادات والتقاليد إلى الحد الذى جعل الخطيب المحافظ يضع خطيبته بين خيارين: إما أن تسحب فورا دعوة صديقتها المتمردة لحضور حفل الزفاف، أو يمتنع هو عن إتمام عقد الزواج! إلى هذا الحد تشبث صاحبنا بسطوته الذكورية على زوجة المستقبل وتصّور بتهديده لها أنه يحصنها ضد نفاذية الأفكار «الغريبة أو الشاذة« القادمة من بطلة المسلسل، وربما استحضر بينه وبين نفسه تلك الجملة الخالدة فى العديد من الأفلام المصرية التى تقول «ما يفسدش أخلاق البنت غير البنت«. لكن إذا كان هذا الموقف فى المسلسل يعكس انغلاق المجتمع ومحافظته، فإن ثمة موقفا نقيضًا يصوّر استباحة المجتمع للمرأة التى تقرر أن تسبح عكس التيار. الموقف الأخير تجسد بعد أن قبلت البطلة على مضض احتفال الصديقات والأصدقاء برأس السنة فى شقتها، فبما أنها شخصية «حرة« فإنها لن تمانع بالضرورة فى احتساء الآخرين الخمر وسوف تبدو متناقضة مع نفسها إن رفضت أن تشاركهم وتشرب لها كأسين، أما إن هى ثارت على الشخص الذى ارتاحت إليه حين همّ بتقبيلها عنوة فإنها ستُتَهم حينها «بالطفولة«. هذا إذن هو تصور الشريحة «المستنيرة« فى المجتمع للمرأة المستقلة، تصوُر يصفها بأنها امرأة ماجنة منفلتة عابثة ومتاحة للجميع، وهذا التصوُر فى الواقع لا يختلف كثيرا عن التصور المتطرف الذى يشبه المرأة السافرة «بالحلوى المكشوفة« التى يتكاثر عليها الذباب. وفيما بين هذين النقيضين يكون على المرأة المصريةــ وبشكل أوسع على المرأة الشرقيةــ أن تبحث لنفسها عن موطئ قدم وأن تحدد اختياراتها بدقة: أن تكون إرادتها مؤممة لحساب سى السيد أو يكون جسدها مشاعا بين الرجال، المنطقة الوسط مضغوطة بشدة إلى حد ألا تكاد ترى، وسيكون مفاجئا للمجتمع إن أثبتت المرأة أنها مختلفة ومتزنة فى الوقت نفسه، سيكون مفاجئا جدا.
***
إن مسلسل «ليه لأ؟« لن يكون الأخير الذى يثير القضايا المتعلقة بحرية المرأة فالحبل الذى امتد من إحسان عبدالقدوس إلى مريم نعوم سيمتد إلى ما بعد مريم نعوم، وأهمية هذا النوع من المسلسلات تنبع من أنها تحرك المياه الراكدة وتنقل النقاش فى الأعمال الدرامية المصرية من مستوى الجريمة والمخدرات وفقدان الذاكرة إلى مستوى وضع المرأة الباحثة عن ذاتها فى مجتمع يقدّس التنميط والقولبة. وحتى يُحدِث الأدب أثره وتفعل الدراما مفعولها ويتغير المجتمع ويستوى فستظل الإجابة على سؤال: ليه لأ؟ هى: لأ لأننا نعيش فى مجتمعٍ قاس بل شديد القسوة على المرأة.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات