هل نقول وداعًا للدولة الوطنية؟ - سامح فوزي - بوابة الشروق
الأحد 28 نوفمبر 2021 11:21 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

هل نقول وداعًا للدولة الوطنية؟

نشر فى : الجمعة 26 فبراير 2010 - 10:25 م | آخر تحديث : الجمعة 26 فبراير 2010 - 10:25 م

 عقد الأسبوع الماضى بالكويت «مؤتمر المواطنة الأول»، بحضور عدد من الباحثين العرب، من المشرق، والمغرب والخليج.

بدأت فكرة المؤتمر بمبادرة من أكاديميين أبرزهم فارس الوقيان، وعبدالحميد الصراف، ومحمد الوهيب، وآخرون. فى البداية كان مخططا أن يعقد المؤتمر تحت رعاية مديرية الشباب، ثم ما لبث أن تأجل بشكل مفاجئ، فحمل أصحاب الفكرة عبء تنظيم المؤتمر بشكل منفرد، ولاسيما بعد أن امتنعت عن مساندتهم الحكومة ورجال الأعمال وطبقة التجار، بل وواجهوا انتقادات عنيفة من جانب بعض الأقلام.

لكنهم استمروا، واستطاعوا إنجاز مؤتمر جيد على مدار يومين الأول منه خصص للتجارب والخبرات العربية، والثانى للتجربة الكويتية. أحاديث كثيرة دارت حول المواطنة طيلة اليومين، ولكن الملمح الأساسى لها جميعا ــ إن صح القول ــ هو الخوف من زحف الولاءات الأدنى الضيقة على حساب الدولة الوطنية الحديثة التى تقوم على مبدأ المواطنة.

(1)

قبيل سفرى للمؤتمر اصطحبت ابني إلى الملاهى قبل أن يداهمه الفصل الدراسى الثانى. المكان كان مزدحما، يعج بالأطفال، ولكن المشهد كان مقلقا، على الرغم من كثافة حيوية الأطفال، وصيحاتهم العالية. رجال ملتحون يرتدون جلابيب قصيرة، ونساء منتقبات يسير خلفهن طابور من الأطفال يحملون أسماء إسلامية صرف على شاكلة «بلال»، «مصطفى»، «عمر».

وشباب وشابات مسيحيون، مظهرهم كاشف لهويتهم الدينية، يحيط بهم أطفال لهم أسماء مسيحية خالصة «بيشوى»، «مارينا»، «يوستينا». لم أجد رحلة تجمع أطفالا متنوعين فى هويتهم الدينية. رحلات إسلامية، تحركها إما مساجد أو جمعيات إسلامية، وأخرى مسيحية، تسيرها الكنائس. الأطفال منقسمون تبعا للهوية الدينية فى أماكن اللهو واللعب.

تذكرت عندما كنت طفلا كيف كانت المدرسة تجمع أطفالا مسيحيين ومسلمين، وكيف أن الرحلات الترفيهية القليلة التى كانت تنظمها لم تكن تفرق بين طفل وآخر. ماذا جرى فى المجتمع؟ تركز إسلامى هنا، وتركز قبطى هناك. ومساحة التلاقى بين الجانبين فى تقلص وانكماش، والخوف المتبادل فى ازدياد. الجميع ارتد لهويته الضيقة الأولى يبحث عن متنفس له فى مجتمع لم يعد يوفر فرص تلاقى صحى بين المختلفين فى المعتقد الدينى. والسؤال هو لماذا يجد الفرد راحته فى كنف التكوينات الأولية ما قبل الدولة الحديثة؟

(2)

سافرت إلى مؤتمر المواطنة فى الكويت محملا بهذه الشجون فإذا بى أرى شجونا مماثلة لدى عرب آخرين. شهد المؤتمر مداخلات ثرية، ونقاشات جادة. الأمر الذى استرعى انتباهى هو أن «الخوف من العودة إلى ما قبل الدولة» يؤرق المشاركين، رغم اختلاف جنسياتهم العربية، وخلفياتهم الدينية والمذهبية. فى دراسة أخيرة حول «الاتجاهات التعصبية فى مجتمع الطلبة الكويتيين»، ذكر أن ما يقرب من 70% من الطلاب يرون أن التعصب القبلى والطائفى موجود، ووصل إلى الجامعة. وهناك ممارسات أكاديمية تفرض التعصب الذى بات يعبر عن نفسه فى الهتافات الجارحة والتعبيرات الرمزية والنقاشات الحادة ما بين الطلاب الكويتيين. وقد تمنى نحو 85% منهم أن يزول هذا التعصب، وتتلاشى آثاره البغيضة.

وأوصت الدراسة بأهمية أن تولى المؤسسات الأكاديمية أهمية إلى هذه المسألة المهمة.

وعلى الرغم من أن الكويت من المجتمعات التى تشهد حيوية ثقافية مقارنة بدول الخليج الأخرى، فإن تصاعد الطائفية والقبلية يؤرق المهتمين بالشأن العام فيها، يظهر ذلك فى بعض الأحداث التى جرت فى الأعوام الماضية مثل المعارضة السلفية الشديدة لوجود الداعية الإسلامى الشيعى باقر الفالى، على الرغم من أنه مارس الدعوة فى الكويت لفترة طويلة، وهناك عدد معتبر من الشيعة الكويتيين.

(3)

لم يكن غريبا أن يعبر المثقفون المشاركون عن قلقهم من تصاعد الطائفية بمختلف أشكالها على حساب المواطنة المتساوية للجميع فى إطار الدولة الوطنية الموحدة. مبعث القلق هو اجتياح الولاءات الأدنى للمجتمع على حساب الولاء الأسمى للدولة القومية.

من الأمثلة على ذلك التقوقع حول الذات الدينية، أو المذهبية أو القبلية أو العشائرية، واعتبارها أساس تخصيص القيم فى المجتمع. ومن جراء السياسات الرديئة التى اتبعت فى مجال التعددية هناك دول عربية تفككت مثل الصومال، وأخرى فى طريقها إلى التفكك مثل «السودان» و«العراق» وربما «اليمن»، وثالثة تعانى من اضطراب العلاقات ــ بدرجات متفاوتة ــ بين الجماعات الدينية أو العرقية المكونة للجسد الاجتماعي للمجتمع، ويكاد يكون ذلك حال غالبية الدول العربية بدرجات متفاوتة. والكل فى ذلك متواطئ.

النخب الحاكمة يهمها تمديد أمد بقائها فى السلطة، ولو على حساب تجانس المجتمع ذاته. يقدم عراق صدام حسين، وصومال سياد برى نموذجين فريدين فى تمزيق المجتمع قصدا وعمدا بهدف البقاء فى السلطة من خلال موالاة جزء من المجتمع يُمنح كل المزايا على حساب غالبية ساحقة تعانى من الحرمان.

لا توجد دولة عربية واحدة خالية من التمييز على أساس دينى أو مذهبى أو عرقى بحيث تحول التمييز إلى أحد أدوات الإدارة السياسية للمجتمعات. ساعد على ذلك إفراط الدولة العربية فى توظيف «الدين» أو «المذهب» فى إنتاج شرعية جماهيرية تواجه بها عجزها عن الإنجاز مما أدى إلى تسييس التكوينات الدينية والمذهبية، وفتح شهيتها السياسية، ودفعها لتقديم نفسها لاعبا أساسيا فى ظل ضعف الدولة، وترهلها.

ومن ناحية ثانية.. التيار الإسلامي الذى حلم يوما بالأممية الإسلامية، وسعى إلى تأجيج الشعور الدينى، وأحيانا المذهبى آلت الأوضاع إلى به إلى حالة من الاهتزاز الداخلى العنيف، وعدم قدرة على ضبط موجات التطرف فى داخله. هنا تكمن المشكلة.

إن المواطن الذى حلم لعقود مع التيار الإسلامى بالأممية الإسلامية، والخلافة الإسلامية، بات يعيش مغتربا فى مجتمع «أدنى» من مستوى الدولة، يرزح تحت سلطان جماعات دينية ومذهبية وقبلية وعشائرية. وهكذا بعد أن تمرد التيار الإسلامى على الدولة، وشجع الجمهور على عدم الإيمان بها، اليوم عليه أن يلم شتات الأفراد بعد أن مزقتهم القبلية والشوفينية الدينية والتعصب المذهبى.

أما الجماعات الدينية والمذهبية والعرقية فوجدت نفسها بين شقى الرحى. دولة من ناحية تدير سياساتها على أساس التمييز الدينى أو المذهبى أو العرقى، وتيار إسلامى كاسح فى المنطقة من ناحية أخرى، يمارس تمييزا ضد المختلفين معه سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. ولم يعد أمام هذه الجماعات سوى أن تجتذب رعاياها، وتحيط بأتباعها، تختطف ولاءاتهم، وتقدم لهم شبكات أمان اجتماعى، وتخلق كيانات صغرى بعد أن ضاقت الدولة عن استيعابهم.

(4)

المواطن هو الضحية الأولى والأخيرة، فقد صار رعية لدولة ريعية، أو قمعية، أو استبدادية أو كل ذلك من جانب، وجماعات دينية ومذهبية وعرقية خانقة، قاسية، لا تتسامح مع الاختلاف من جانب آخر. تاه المواطن فى حالة التشوش واللا معنى التى يعيشها. هناك تنازع مستمر على ولائه وانتمائه ومواطنته بين دولة جريحة باطشة ضعيفة الإنجاز، وجماعات دينية ومذهبية وقبلية استبعادية لديه السطوة والمال.

من جراء ذلك تحولت الدولة إلى حلبة صراع بين التكوينات التقليدية أكثر من كونها وعاء حاضنا لكل المتنوعين ثقافيا من أبنائها المواطنين. ظاهرة تبعث على القلق. لا أمل فى الخروج من براثنها إلا باستعادة الحياة المدنية من أحزاب ونقابات وجمعيات وأندية، واستخلاص المجال العام بعيدا عن سلطة الدولة الرقابية الخانقة، والنزعة الاستئثارية الاستبعادية للتكوينات التقليدية، التى تبشر بثقافة وممارسات دون مستوى الدولة القومية، والرهان الحقيقى الآن على المواطن الواعى بحقوقه وواجباته، المؤمن بأن المستقبل بالنسبة له يعنى دولة وطنية حديثة.

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات