النفسية.. مع د. محمد طه | دور المنقذ - محمد طه - بوابة الشروق
الخميس 29 أكتوبر 2020 7:40 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

النفسية.. مع د. محمد طه | دور المنقذ

نشر فى : السبت 26 سبتمبر 2020 - 7:25 م | آخر تحديث : الأحد 27 سبتمبر 2020 - 9:45 ص

فى هذا الباب الأسبوعى الذى يظهر كل يوم احد، يتواصل د. محمد طه أستاذ م. الطب النفسى، معكم، للإجابة على أسئلتكم واستفساراتكم فى كل ما يخص أحوال النفس، والطب النفسى، والعلاقات الإنسانية.

راسلونا على: http://m.me/mohamedtaha.net

●● كل الرسائل تخضع للسرية والخصوصية التامة، والإجابات عليها تكون بطلب المُرسل وبدون ذكر أية معلومات شخصية.

أنا يا سيدى الفاضل أفنيت عقدا كاملا فى محاولة لإثبات أنى امرأة خارقة، حملت دورا لم يكن لى جسديا ولا نفسيا، وأدوارا كانت لغيرى ولم تكن قد عُينت لى، فقط حتى لا زظهر بمظهر الضحية وحتى لا أشعر من حولى بذلك ولو قليلا.
أخذت على عاتقى الكثير من الأمور، أوجدت الكثير من الحلول، وتكبدت فى ذلك صحتى الجسدية والنفسية، أفنيت شبابا كاملا فى الوحدة والضغط وحيدة، كان الكل ينبهر من المدى الذى أستطيع الوصول إليه، وارتفع بذلك سقف طموحاتهم وآمالهم عنى، وارتفع معه ثقل دورى.
أوجدت الحلول من العدم وتوسطت جميع الأطراف على حساب نفسى، وأدى ذلك إلى إغلاق بعض تلك الحلول أبوابها فى وجهى، واستحالة بعضها الآخر على مر السنين، ونتيجة لذلك المد المرتفع بدأ جسدى الذى أخذ على عاتقه كل تلك الأشياء بالانهيار صحيا وانهارت معه قدرتى المعجزة فى أن أوجد أى حل لو كان بسيطا، أن أحارب لأجله أو أنى فقدت الشغف لذلك.
لم يعد لذلك أهمية الآن، فقد سقطت لأرض الواقع، وانتبهت جيدا أن تلك الأحلام والقدرات الخارقة كانت مؤقتة وسُخرت لأوهام لم تجنِ أى من ثمارها الآن، كانت حربا بلا جدوى، ولكنها لم تهم، الأهم أنه عندما سقطت، سقطت معى كل الحلول المتاحة، لذا شعرت بالعجز فى أعمق مكان بداخلى، وبرغم أنى لا تراودنى نفسى لطلب المساعدة فقد طلبتها، ولكن فى كل مرة أطلبها ينتهى الأمر كما قلت فى كتاباتك تماما، لا يوجد أى حل.
أنا عالقة فى نفس الحلقة أو الدوامة مرة بعد مرة مهما كسرتها. لذا هم لا يستطيعون مساعدتى.. أولئك من أشكو لهم. أنا لا أريد العطف.. وإنما أريد الحل، لن أكذب فالإنسان يحب أن يعلم أن الآخرين يشعرون به وبألمه، ولكن اعطنى فأسا ودعنى أجنى مالى بدلا من أن تشفق علىَّ.
لم أشأ أبدا لعب دور الضحية، ولست أهرب خوفا من المسئولية أو الواقع، إنما ارتطمت به بشدة، وأصبح من الصعب جدا على مجاراته بمفردى. وهنا أدرك من حولى أنى كنت الضحية.
ذلك ما أردت قوله فقط، أتمنى أن تصل كلماتى رغم انشغالك، ولكنى كنت بحاجة لإخراج ما شغل عقلى. دمت بخير.


سيدتى العزيزة..
كل واحد فينا بيكون جواه ــ غالبا ــ سيناريو راسمه لحياته، بناء على اللى وصله أثناء التربية واللى اتعرض له فى سنين عمره الأولى وبعض الاستعداد الوراثى، وعوامل أخرى.. سيناريو يعنى أدوار وأشخاص وأحداث.. وبيكون ليه فى السيناريو ده دور محدد.. إما دور الضحية، أو دور الجانى، أو دور المنقذ. بيسموا ده ساعات مثلث الدراما الحياتية. وكل واحد بيدور فى رحلة حياته وعلاقاته على أشخاص تنطبق عليهم مواصفات باقى الأدوار.. يعنى لو كان الدور اللى مختاره لنفسه دور الضحية، فبيدور (غالبا بشكل غير واعٍ) على حد يجيد لعب دور الجانى.. ولو كان ناوى يلعب دور الجانى، فبيشوف حد يلعب ينفع يكون (ضحية)، وفى الحالين لازم يكون فيه حد (منقذ). وانت يا سيدتى ــ وبكل أسف ــ كنتِ هذا المنقذ.
خلينى أوضحلك أكتر..
الشخص اللى بيضحى بنفسه فى سبيل الطرف التانى، وبيعمل كل حاجة يقدر أو ما يقدرش عليها علشان يسعده ويرضيه من غير أى مقابل ولو كلمة حلوة أو حتى نظرة شكر.. الشخص اللى بيقدم الطرف التانى على نفسه فى كل حاجة طول الوقت.. الشخص اللى بيدى باستمرار ومش مستنى ياخد.. الشخص اللى بيدوب كل ليلة وكل يوم علشان غيره يتهنى ويرتاح وينام قرير العين؟
ده اسمه دور الضحية..
والشخص اللى بيدى أوامر كتير، ومتوقع من طرف العلاقة الآخر إنه يكون مطيع ويسمع الكلام وما يقولش لأ.. الشخص اللى شايف إنه من حقه يعمل أى حاجة فى أى وقت بغض النظر عن تأثير ده على غيره.. الشخص اللى بيستنى من الآخرين العطاء والبذل والسماح بدون حدود وبدون ردود.. الشخص اللى مش بيرضى بسهولة.. الشخص اللى غضبه صعب وقاسى، واللى محتاج اعتذار ورا اعتذار علشان يرضى.. وإثبات ورا إثبات علشان يصدق..
ده اسمه دور الجانى..
أما الشخص اللطيف الطيب الحِنين اللى بيساعد الآخرين بكل سخاء.. يقدملهم الحلول.. ويجاوبلهم على الأسئلة.. ياخد بإيديهم.. ويرميلهم أطواق النجاة.. الشخص المحبوب.. المرغوب.. المنتظر.. المخلص.. اللى بيسمع للكل.. ويفهم الجميع.. ويحول دون وقوع الأذى.. يطبطب على ده، ويمسح دموع ده، ويربت على كتف ده.. الشخص الهادى العاقل الرزين.. الشخص الناصح.. القريب.. الحكيم..
هو ده (المُنقذ).
مشكلة المنقذ فى الحكاية دى إنه دايما بينسى نفسه.. بيغرق فى هموم الآخرين.. بيتسرق من نفسه لحساب غيره.. أو بتعبير أدق.. بيسرق نفسه لحساب غيره.. بيسرق من نفسه عمره ومجهوده وطاقته وراحته وأحيانا فلوسه ومدخراته.
مشكلته كمان إنه بيجى فى آخر الرحلة ويلاقى نفسه وحيد.. حزين.. خالى الوفاض.. بعد ما يكون فرق نفسه على الناس.. ده خد إيده.. وده خد عقله.. وده خد قلبه.
أنا مش باتكلم عن اللى بيساعد غيره فى موقف أو أزمة أو ضائقة من أى نوع.. بالعكس.. ده عظيم وجميل ومطلوب ومرغوب فيه.. لكنى باتكلم عن الشخص اللى ده نمط حياته، واللى بيعمله على حساب نفسه، واللى بيتمادى فى البذل والخدمة والمساعدة والعطاء لغاية ما يدوب هو من ناحية، ويخلى اللى حواليه يعتمدوا عليه من ناحية أخرى.
المنقذ بيفتح الباب على مصراعيه للناس أنها تستغله.. وبيديهم الإشارة الخضرا أنهم يتعدوا حدودهم معاه، ويتجاوزوا كل الخطوط الحمراء.. وكأنهم بيقولوا له: «مش انت قررت تشيل.. طيب شيل بقى»..
المنقذ بيتحول فى آخر المطاف لضحية من حوله.. بعد ما يكون قد جنى على نفسه.
سيدتى:
إنتى شوفتى إنتى بتطلبى المساعدة إزاى: «أنا لا أريد العطف»، «...بدلا من أن تشفق على».. إنتى مش بتدى نفسك حق الضعف.. ولا حق العجز.. ولا حق «قلة الحيلة» أحيانا..
إحنا بشر.. إنتى بشر.. مش آلهة ولا أنصاف آلهة، زى كل (منقذ) ما بيكون متصور فى أعمق أعماقه.. انتى من حقك تضعفى وتحسى بالتعاطف ممن حولك.. من حقك تحسى أحيانا بالعجز وتشوفى نظرات الحب من الناس.. من حقك تكونى أحيانا قليلة الحيلة وتستنى من غيرك المساعدة..
هو ده مفتاحك يا سيدتى.. صدقى إنك بشر.. ضعيف.. يخطئ.. ويضعف.. ويفشل.. ويعجز أحيانا.. واقبلى كل ده.. وتعاملى مع نفسك ببعض الرحمة اللى تعاملتى بيها مع الآخرين طول حياتك.. جاء دورك الآن لتنقذى نفسك.. من فضلك ماتنقذيش حد تانى دلوقت.. كفاااااية.
أنصحك بعد هذه الرؤية اللى ممكن تكون صادمة أو مؤلمة انك تتوجهى لطبيب أو معالج نفسى مختص، يساعدك فى رحلتك القادمة، علشان تشوفى أكتر.. وتتغيرى أسرع.
ومن فضلك.. اسمحيله يساعدك..
اسمحى لنفسك تتساعدى..

محمد طه أستاذ مساعد الطب النفسي بكلية طب المنيا
التعليقات