سفينة بلا ربّان - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الأربعاء 19 يناير 2022 6:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


سفينة بلا ربّان

نشر فى : الأحد 27 أبريل 2014 - 6:55 ص | آخر تحديث : الأحد 27 أبريل 2014 - 6:55 ص

أما السفينة فهى مجمل التفاعلات السياسية التى يخبرها مجتمع من المجتمعات، سواء كان هذا المجتمع وطنيا أو دوليا.. كان أعضاؤه مواطنين فى دولة من الدول أو كانوا هذه الدول ذاتها. ليس الإمر أن أحدا لا يرغب فى أن يكون ربانا أو يدعى أنه ربَان، بل هو أنه لا ملاح يستطيع أن يتحكم فى السفينة أو أن يقودها مطمئنا إلى مرفأ محدد مسبقا. فى مجمل التفاعلات السياسية، بعبارة أخرى فى السياسة، خطة الإبحار تقريبية ومفتوحة على احتمالات عديدة.

الأزمة فى أوكرانيا فيها بينة بليغة على ذلك. أصحاب نظرية المؤامرة والقدرة الهائلة للتحالف الأطلسى على التخطيط والتنفيذ تحقيقا لهيمنته على النظام الدولى كان يمكن أن تكون لهم رواية متماسكة حتى شهر مارس الماضى. فى بداية التسعينيات من القرن الماضى، حدث اتفاق غير مكتوب، مما يسمى باتفاق الجنتلمان، بين رئيس الولايات المتحدة والأمين العام للحزب الشيوعى فى الاتحاد السوفييتى فى ذلك الوقت، جورج بوش الأب وميخائيل جورباتشوف، وافق فيه الأخير على عدم الاعتراض على إعادة توحيد ألمانيا، بعد أن كان جدار برلين قد سقط، فى مقابل تعهد الأول بعدم توسع حلف شمال الأطلسى فى وسط وشرق أوروبا وضمه إلى عضويته البلدان التى كانت أعضاء فى حلف وارسو وحليفة للاتحاد السوفييتى، وقلبه روسيا الاتحادية، أثناء الحرب الباردة. الولايات المتحدة لم تحترم تعهد من كان رئيسها فى بداية التسعينيات وتوسع الحلف الأطلسى ليضم كل أعضاء ما كان حلف وارسو، باستثناء الاتحاد السوفييتى الذى انهار، بل إن الحلف ضم دولا وريثة ليوغسلافيا غير المنحازة، مثل سلوفينيا وكرواتيا، ودولا كانت من مكونات الاتحاد السوفيتى، مثل دول البلطيق استونيا، وليوتوانيا، ولاتفيا. وأحكم حلفاء الولايات المتحدة فى غرب أوروبا إدراج بلدان وسط وشرقى أوروبا فى التحالف الغربى بضم كل هذه الدول إلى الاتحاد الأوروبى. لم يكتف التحالف الأطلسى بذلك بل شرع فى إقامة درع مضادة للصواريخ الباليستى فى وسط أوروبا، زعم أنه لاتقاء شر إيران وكوريا الشمالية، وأدركت روسيا أنه لإبطال مفعول صواريخها.

•••

منذ شهر نوفمبر 2013، نشأت جولة ثانية من ممارسة الضغوط على روسيا، عبر طريق السياسة الداخلية الأوكرانية، أدت فى فبراير 2014 إلى خلع الرئيس فيكتور يانوكوفيتش الذى كان قد اختار اتفاقا اقتصاديا مع روسيا بديلا عن اتفاق آخر مع الاتحاد الأوروبى. سقط الرئيس المنتخب، ونشأت بعده ترتيبات وحكومة مؤقتة مناوئة لروسيا سرعان ما صدر عن أحد أطرافها تصريح يهدد فيه بإعادة النظر فى اتفاقية تأجير ميناء سباستوبول لروسيا وهى الميناء الواقعة فى شبه جزيرة القرم على البحر الأسود. عندئذ أعلنت الأغلبية الساحقة من السكان فى شبه الجزيرة، وهى روسية العرق واللغة، عن إجراء استفتاء للانفصال عن أوكرانيا يعقبه طلب بالانضمام إلى الاتحاد الروسى. ما إن جرى الاستفتاء فى شهر مارس وطلبت شبه الجزيرة الانضمام إلى روسيا حتى قبل الطلب وضمت روسيا شبه جزيرة القرم إليها، أو استعادتها من أوكرانيا التى كانت قد أهديت إليها فى الخمسينيات من القرن العشرين. ارتعدت فرائص بلدان البلطيق ووسط وشرق أوروبا تخوفا من تجدد الأطماع التاريخية «للدب» الروسى. ولكن التحالف الأطلسى لم يفعل شيئا ملموس الأثر للحيلولة دون ضم القرم إلى روسيا مكتفيا بفرض عقوبات غير مؤثرة عليها، وبتحليق طائراته فوق بلدان البلطيق وبالإعلان عن نشر عشرة آلاف جندى فى بولندا لطمأنة هذه البلدان.

ليس المقصود هنا الاستهتار بمطالب الأوكرانيين الذين احتجوا على حكم يانوكوفيتش ولا هو تأييد السياسة الروسية والإقرار بشرعيتها. المقصود هو بيان أن ما كان يمكن أن يبدو تآمرا محكما حتى شهر فبراير انكشف تهافته وافتقاده للعقل وحسابات القوة الواقعية وتقدير الممكن من المستحيل تحقيقه.

•••

السؤال يثور عما إذا كان التحالف الأطلسى قد رغب فعلا منذ منتصف التسعينيات، عن وعى وإدراك وتفكر، فى تضييق الخناق على روسيا. إن كان الرد بالسلب فإن هذا يعنى أن الأحداث قد جرفت التحالف وأن السفينة قد جنحت بالربان وقادته إلى بحار عالية لم يكن راغبا فى الإبحار فيها، وليست هذه من مواصفات التآمر. أما إذا كان الرد بالإيجاب فالأمر يصبح عجيبا بل مخزيا لأن تصرف التحالف الأطلسى كشف عن سوء تقدير يصعب تصور أن ترتكبه قوة مخططة ومتحكمة فى المصائر فضلا على ما يمكن أن يوصف بأنه تهرب من تحمل تبعة سوء التقدير ومن مساندة أوكرانيا فى مواجهة الإرادة الروسية، وهو تهرب ينتقص من الثقة فى التحالف الأطلسى ويقوض بالتالى من قوته. إن الهدف الأول للسياسة الخارجية لروسيا القيصرية، ومن بعدها للاتحاد السوفييتى، والذى يتعلمه الطالب المبتدئ فى دراسة العلاقات الدولية، هو ضمان الوصول إلى المياه الدافئة فى البحر المتوسط، وسبيلها الوحيد إلى ذلك هو الخروج من البحر الأسود والمرور فى خليج البوسفور. إن لم تضمن روسيا لنفسها ذلك فإن مخرجها الوحيد هو عن طريق بحر البلطيق فى الشمال وهو بحر تصعب الملاحة فيه فى الشتاء فضلا على بعده عن المياه الدافئة. هل يمكن أن يكون ذلك قد غاب عن التحالف الأطلسى؟

الأرجح هو أن مجمل التفاعلات السياسية قد جنح بالتحالف الأطلسى. منذ منتصف التسعينيات، وفى مواجهة رؤية الرئيس بوش الأب التى كان مؤداها تلاشى دور الحلف الأطلسى، ظهرت فى الولايات المتحدة إرادات رغبت فى تأكيد هيمنتها على النظام الدولى متوسلة فى ذلك فى المقام الأول بالتحالف الأطلسى فوسعت عضويته بل ومدّت مجال تحركه إلى مناطق فى الشرق الأوسط وأفغانستان مثلا لم تكن ضمن ولايته الإقليمية منذ نشأته فى سنة 1949. غير أنه عندما اندلعت أزمة شبه جزيرة القرم فى مارس 2014 لم يضع الرئيس باراك أوباما وقتا فى تأكيد ثم تكرار أن لا مجال للحديث عن استخدام القوة العسكرية لحل الأزمة، أى أنه استبعد اللجوء إلى السبب الأساسى لوجود الحلف الأطلسى! صحيح أن أوكرانيا ليست عضوا فى الحلف وهى بالتالى لا تستفيد من ترتيبات الدفاع المشترك بين أعضائه ولكن موقف التحالف أثار التساؤلات فى شرقى ووسط أوروبا وفى البلطيق عن التزام الأطراف الأصلية للتحالف بضمان أمنها. وليس مما يبدد هذه التساؤلات مواقف أطراف فى الاتحاد الأوروبى من فرض العقوبات على روسيا التى تزود بلدان الاتحاد بخمسة وثلاثين فى المائة من احتياجاتها من الغاز الطبيعى. على سبيل المثال، الدوائر الاقتصادية فى ألمانيا تعارض فرض أى عقوبات على روسيا، وفرنسا حريصة على صفقاتها ومنها بناؤها لسفن حربية لمصلحة روسيا، وسوق الأوراق المالية فى لندن تراعى الاستثمارات الروسية. ولما امتدت الأزمة إلى شرقى أوكرانيا ذى الأغلبية الروسية من السكان التى طالبت، بمساندة من موسكو، التحول بأوكرانيا إلى نظام حكم اتحادى، رشح أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى حثا السلطات الجديدة فى كييف على التفاهم مع روسيا بشأن الحكم الاتحادى من خلال عملية الإصلاح الدستورى التى أعلنت عنها هذه السلطات. على أقل تقدير، فيما تؤول إليه الأزمة الأوكرانية وقف لجنوح التحالف الأطلسى ولامتداده فى وسط وشرقى أوروبا بل وكشف لحدود الاتفاق بين الفاعلين المؤثرين فى اتخاذ القرار فيه. ليست هذه من مواصفات التآمر، ولا حتى من خصائص السياسات بعيدة النظر والفعالة.

•••

ليست الدول، وليس الناس، من المفعول بهم فقط، بل إن لهم إرادات وهم فاعلون كذلك. للدول سياسات وللناس خطط، معلنة أو ضمنية، تتضافر أحيانا وتتعارض أحيانا أخرى، وتتفاعل دائما؛ وهى فى تفاعلها تتعرض لمؤثرات عديدة ومتباينة الاتجاهات من البيئة المحيطة. التفاعلات السياسية أعقد من أن توجهها إرادات تآمرية. السياسة عملية مفتوحة خاسر كل من يرغب فى التسلط عليها، وخاسر معه مجتمعه، دوليا كان أو وطنيا.

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات