سوف يمضى أمهر الدبلوماسيين أسابيع طويلة فى صياغة ــ وإعادة صياغة ــ مسودة ذلك البيان الذى سيصدر فى نهاية قمة مجموعة العشرين فى لندن الأسبوع المقبل. ولكن ما سبب قلقهم؟
وحتى ندرك عدم جدوى ذلك، علينا مراجعة البيان الأول الذى صدر عن قمة مجموعة العشرين فى واشنطن فى نوفمبر الماضى. فقد أعلن القادة رسميا: «نحن نؤكد الأهمية الملحة للامتناع عن الحماية.. وسوف نمتنع عن وضع قيود جديدة أمام الاستثمار أو التجارة فى السلع والخدمات.» و«أعطوا تعليمات» لوزراء التجارة لديهم بإكمال دورة الدوحة للمفاوضات التجارية فى نهاية عام 2008 تأكيدا لتصميمهم على ذلك.
وماذا حدث منذ ذلك الوقت؟ بطبيعة الحال، لم تكتمل دورة الدوحة حتى انتهائها. وأوضحت دراسة البنك الدولى الصادرة الأسبوع الماضى أن 17 دولة من بين الدولة الموقعة على إعلان واشنطن لمجموعة العشرين قد اتخذت بالفعل إجراءات متعلقة بالحماية منذ ذلك الحين.
ويمكن اعتبار بعضا مما تم، حماية خفيفة الأثر ــ مثل زيادة القيود عن الواردات. فقد أعلنت المكسيك الأسبوع الماضى أنها سوف تزيد التعريفة الجمركية على ما قيمته 2.4 مليار دولار أمريكى من سلع الولايات المتحدة ثأرا من القرار الأمريكى بوقف استخدام الشاحنات المكسيكية على الطرق السريعة فى الولايات المتحدة.
ويمثل قرار الكونجرس حول الشاحنات المكسيكية مثالا على الأشكال غير المباشرة للحماية. وقد شكل هذا النوع ثلثى الإجراءات التى رصدها البنك الدولى. ويتضمن ذلك إعانات التصدير الجديدة التى أعلن الاتحاد الأوروبى منحها للصادرات الزراعية؛ وتخفيف الضرائب عن المصدرين الذى تطبقه الصين والهند. كما تضمنت خطة أوباما للنهوض الاقتصادى «شراء أمريكا» للالتزامات أيضا.
ماذا يجعلنا إذا نصدق البيان التالى الصادر عن قمة لندن فى 2 أبريل؟ إذا احتكمنا للسوابق، سوف يبدأ الكذب فى السطر الأول منه. فستكون بداية البيان، «نحن قادة مجموعة العشرين...» فى حين إنه من حيث الواقع، سيكون هناك خمسة وعشرون قائدا مجتمعين فى لندن.
بينما يثير ذلك السخرية من قادة مجموعة العشرين بسبب نفاقهم، إلا أن الأهم من ذلك ما يمكن استخلاصه حول ما سيتم. لماذا يصدر قادة العالم تلك البيانات حول التجارة، ثم يفشلون فى الالتزام بها؟
وتكمن الإجابة فى أنهم يتعرضون لشد وجذب بين الالتزام النظرى بالتجارة الحرة والسياسات العملية.
يدرك جميع القادة الذين سيحضرون مؤتمر لندن تقريبا أن الحماية فكرة سيئة. ولكنهم واقعون تحت ضغط الناخبين الغاضبين الذين سيصوتون لصالح حماية وظائفهم فى بلدانهم، والدفاع عن أنفسهم ضد الأجانب الماكرين.
وحيث تسوء الظروف الاقتصادية، فسوف يشتد الميل إلى البحث عن كبش فداء أجنبى. وتحدث روبرت زوليك رئيس البنك الدولى فى منتدى بروكسل لصندوق مارشال الألمانى فى نهاية الأسبوع الماضى، مشيرا إلى أن «المناقشة المهمة حول التجارة فى الكونجرس الأمريكى كانت فى مواطن عدة منها مضرة بالأسلوب الذى أتت عليه». وأعتز سيلسو أموريم وزير الخارجية البرازيل بأن لولا دا سيلفا رئيس البرازيل رفض مؤخرا توقيع قانون مرتبط بالحماية عرض عليه. ولكنه أفاد بأن الرئيس لولا سيجد صعوبة فى تكرار ذلك السلوك، إذا ما قدم القانون ذاته مرة أخرى هذا العام.
وبمقدور من سيجتمعون فى مجموعة العشرين الشعور بتصاعد الضغط من أجل الحماية. ويقول بعضهم إنهم يخشون أن يكون «صيف الحماية» هو التالى على «ربيع الغضب» الذى أسفر عنه تزايد البطالة. ويحذر السيد زوليك رئيس البنك الدولى من كارثة ستتشكل نتيجة لمثل هذا التطور. ويقول؛ «إننا أبعد ما نكون عن الثلاثينيات، ولكن إذا ما دفعنا فى هذا الاتجاه فسيتسبب فى ذلك التأثير الكبير للحماية».
يشهد العالم بالفعل تقلصا كبيرا فى التجارة. وتقل الصادرات اليابانية والصينية بنسبة تزيد على 20% عاما بعد عام. وتواجه الأماكن التى ازدهرت كبوابات للعولمة مثل سنغافورة بصورة خاصة ركودا شديدا. ومن الأرجح أن يشهد هذا العام الانكماش الأكثر حدة على مستوى العالم منذ ثمانين عام.
ومع ذلك وحتى الآن، فمن يقود العملية المضادة للعولمة هو القطاع الخاص. كما يقلص المستهلكون وكذلك رجال الأعمال إنفاقهم. ولكن إذا ما بدأ قادة العالم السياسيون زيادة القيود على التجارة عمدا، فسوف يعمقون الأزمة الاقتصادية ويزيدون من تدهورها، ويخاطرون بجعل العملية المضادة للعولمة تحولا دائما.
ويدرك معظم القادة السياسيين ذلك ــ فتشعرهم الإجراءات المباشرة لزيادة التعريفات بقليل من الحرج. ولهذا ستتخذ موجة جديدة من الحماية أشكالا غير مباشرة.
ويذيع الآن موضوع «الحماية الخضراء». فيناقش الكونجرس الأمريكى فرض «تعريفات الكربون» على البلدان التى لا تحاكى المساعى الأمريكية لتقليل انبعاث ثانى أكسيد الكربون. وبدا ستيفن تشو وزير الطاقة الجديد مؤيدا لهذه الفكرة.
وتبرر الحماية الجديدة دائما من خلال «الثأر» من سوء نية الأجانب. ولهذا السبب سيترتب على خلافات مجموعة العشرين أو فشل مفاوضات التغيير المناخى آخر هذا العام مخاطر واضحة. فسيؤدى مثل هذا الفشل إلى تبادل الاتهامات، الأمر الذى سيسهل بدوره على قادة العالم تبنيهم للحماية، وفقا لقاعدة اللعب القديمة «لقد كنت البادئ».
وسيصير الأمر مضحكا، إذا ما تضمن البيان الصادر عن قمة لندن التعهدات المألوفة حول تجنب الحماية وإكمال دورة الدوحة. ولكن على الأقل، ربما تكون هناك أهمية لوعد قادة العالم باتباعهم طريق الفضيلة حتى ولو كانوا يدركون أنهم قد يأثمون. سيمثل غياب التعبير عن احترام التجارة الحرة إشارة سيئة ــ وربما يفتح الباب إلى المزيد من الحماية المفرطة. وأحيانا يكون للحديث الأجوف شأنا.
الفايننشيال تايمز