«هذه ليست جنازة.. هذه قيامة».. قصيدة شعرية للسينما تخطف الأنفاس - خالد محمود - بوابة الشروق
الجمعة 14 مايو 2021 8:51 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


«هذه ليست جنازة.. هذه قيامة».. قصيدة شعرية للسينما تخطف الأنفاس

نشر فى : الأحد 28 مارس 2021 - 1:10 ص | آخر تحديث : الأحد 28 مارس 2021 - 1:10 ص

فيلم ليسوتو يغزل قصة مقاومة لا هوادة فيها فى مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية

عندما تكون المقاومة من أجل الإنسانية هدف السينما وهمها، لا يستطيع أحد يصمد أمام صرختها، ولا أن يقاوم صورتها التى تخترق الوجدان وتهز المشاعر، وتحفز الفكر وتهز الواقع رأسا على عقب.
ويجىء فيلم افتتاح مهرجان الاقصر للسينما الإفريقية «هذه ليست جنازة.. هذه قيامة» من دولة ليسوتو للمخرج ليمو هانج جريمايا موسيسى ليشكل بحق قصة مقاومة وصمود لا هوادة فيها، فهو يتناول موضوعا إنسانيا حول قصة أرملة فى الثمانين من عمرها تسمى «مانتوا» تجسدها مارى توالا التى ظهرت فى فيلم السيرة الذاتية لنيلسون مانديلا من إخراج إدريس البا، تقاتل فى مواجهة سد يقضى على قريتها فى ليسوتو الصغيرة، إنها حكاية روح متمردة لامرأة عجوز تعارض خطط الحكومة لإغراق قريتها، مما يفسح المجال لبناء السد.
المخرج ليموهانج لا يشعر بأى عاطفة وواقعية بشأن المسيرة الحتمية للرأسمالية والبناء، ينسج هذا الفيلم فى أفكار حول النزوح والهوية الجماعية والتاريخ، فى دراما أسطورية فرغم المأساة التى يعيشها مجتمعه، ورغم الفيلم لا يدور حول الفقر، لكنه موجود فى كل لقطة، فبطلتنا مانتوا قتل ابنها، الذى يعد آخر قريب لها فى حادثة تعدين فى جنوب إفريقيا المجاورة، وذلك بعد أن فقدت ابنتها وحفيدتها فى السنوات السابقة.يتولد لديها شعور بالاستعداد للموت وتتمناه، وبالفعل تتخذ مانتوا الترتيبات اللازمة لدفنها فى مقبرة القرية عندما تسمع عن مشروع السد، وتتعرض قريتها للتهديد حيث يجب إعادة توطين القرويين قسرا فى المدينة، تقرر مانتوا بث روح إرادة جديدة للعيش وتشعل روحا أخرى داخل مجتمعها، لم يتبق لها شىء، لتعيش من أجله، وهذا ما يمنحها قوة حقيقية، لا تهتم بإهانة القس أو اذا اعتقد الناس أنها ساحرة، إنها عازمة على ألا تدفن مع عائلتها، هذا فيلم صارم لا هوادة فيه، إنه أشبه بسلسلة من الصور المجمعة معا، كل منها مؤطر بدقة، مثل اللوحة فى قلب كل ذلك، توالا غالبا ما تكون صامتة، تعبيرها ثابت فى التصميم، لا حاجة للكلمات، وتقدم هنا أداء حميميا ولكنه ملحمى، أداء يشبه الفيلم، الذى يعد أول عمل من ليسوتو يدخل فى سباق الاوسكار لأفضل فيلم دولى، للأسف لم تعش توالا للمشاركة فى النجاح الذى حققه العمل فى المهرجانات والمحافل السينمائية الدولية، توفيت فى يوليو من العام الماضى.
المخرج الواعد فى إفريقيا، ليمو هانج وضع ليسوتو بقوة على الخريطة السينمائية، بفيلم رائع بداية من التصوير السينمائى الجميل، وكتابة السيناريو الأصلى والإخراج والرؤية البصرية والسمعية وتلك كانت المفاجأة الرائعة كذلك، حيث استطاع أن يطرح أسلوبه السينمائى المتميز وهو يقدم قصة بارعة عن الحزن والانتماء والتحدى والهوية والعزيمة.
فى بلد ليس به ما يشبه ثقافة السينما، لذلك فإن تحقيق فيلم بهذا الشكل هو إنجاز مثير للإعجاب، بل وقصيدة شعرية للسينما تخطف الأنفاس.
بين المفاجآت العديدة فى العمل الطويل الثالث للمخرج، هى تحول نطاق الفيلم فى منتصف الحكاية، باعتباره استكشافًا آخر لحزن امرأة واحدة ليفتح على صورة أوسع لمجتمع غارق فى نفس المشاكل ومع إمكانية المقاومة والتجديد التى ألمح لها عنوان الفيلم وأشار أنها مليئة بالموت تمامًا لدرجة أنه من الصعب تسميتها هذه ليست جنازة إلا أنها تأمل فى القيامة، قيامة تتشابك مع الواقعية السحرية ولكن مع تلك الحالة القاتمة، تبرز ميزة المخرج غير العادية التى تشعرك بالحيوية والقوة.
وتتولد هذه الصفات جزئيا بحساسية بصرية جريئة ومزيج من الاوتار الموسيقية الإفريقية التى صاحبت الصورة وقدمها الملحن وفنان الصوت المقيم فى برلين يو مياشيتا، وكان الشىء الاكثر روعة هى الممثلة الرئيسية الجنوب إفريقية مارى توالا ملونج والتى كانت واحدة من المحترفين القلائل فى فريق عمل يتألف إلى حد كبير من سكان ها دينيزولو، المجتمع الجبلى حيث تم تصوير الفيلم.
فى الفيلم يتم تعزيز الصفات الشبيهة بالحلم من خلال السرد الزائد إلى حد ما، ومن خلال لحظات التجريد العديدة، أسس المخرج شخصية مانتوا المأساوية فى الظروف السياسية والتاريخية والبيئية التى يدركها جيدًا. عانت عائلته من نوع النزوح الموضح هنا، نتيجة مشروع مياه المرتفعات الذى دمر القرى والغابات فى ليسوتو من أجل تحويل مياه المملكة الصغيرة إلى جنوب إفريقيا.
الغضب والإحباط من الوعود الكاذبة لمروّجى «التقدم» واضحان بينما يبيع زعيم القرية خطة الحكومة لجيرانه الذين سيُرحلون قريبًا. قال لهم: «اليوم نطرق باب العالم الحديث»، مضيفًا: «أؤكد لكم أن الأمر يستحق كل هذا العناء».
فى نهاية المطاف، يتعين على الزعيم والكاهن المسيحى المحلى، الذى لعبه محاولا نديبيلى وتسيكو موناهينج، الاعتراف بعدم التزام السلطة وهياكلها بتعهداتها التى التى استمرت لفترة طويلة بعد الزوال الرسمى للاستعمار الإفريقى. لتغرق الدراما السينمائية فى ملحمة من الحزن والغضب والتحدى.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات