في قهوة الفتوة - نبيل الهادي - بوابة الشروق
الثلاثاء 16 أغسطس 2022 3:41 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

في قهوة الفتوة

نشر فى : الثلاثاء 28 يونيو 2022 - 7:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 يونيو 2022 - 7:55 م

عندما دعتنى زميلتى العزيزة للاشتراك فى التدريس فى البرنامج المشترك بين جامعتنا وإحدى الجامعات الألمانية طورت اقتراحا للمادة التى سأقوم بتدريسها يقوم على التركيز على المناطق المجاورة للمناطق التاريخية، حيث كنت مهتما بتلك المناطق وأتساءل عما يحدث بها وكيف يمكن أن تتطور وكيف يمكن أن تستفيد من علاقتها القريبة من تلك المناطق التاريخية، وكان المثال الذى اخترته وقتها هى منطقة الحسينية الواقعة مباشرة شمال باب الفتوح. وعندما بدأت فى القراءة والبحث عن منطقة الحسينية عرفت أنها ربما أقدم منطقة غير رسمية فى القاهرة إذ يزيد عمرها على الثمانمائة عام، كما كانت خارج أسوار القاهرة أو حدودها الرسمية والدفاعية. اشتهر العديد من سكانها بامتهان الجزارة، وقرأت عنهم ــ خاصة فى كتاب أندريه ريمون ــ تصديهم للفرنسيين عند دخولهم القاهرة نظرا لقربهم الشديد من مسجد الظاهر بيبرس الذى اتخدته الحملة الفرنسية مقرا لإطلاق مدافعهم وهجومهم الشرس على القاهرة.
كانت أولى تجاربنا مع المنطقة فى بداية ربيع عام 2015، كنا نزورها عدة مرات بسبب طبيعة عملنا، ومن خلال بحث صغير قمت به اكتشفت قهوة بسيطة وصغيرة وقرأت عنها فى أوراق الباحثين الفرنسيين الذين كانوا يعدون خططا لتطوير منطقة مقابر باب النصر الملاصقة والتى لم ينتج عنها سوى الطريق الواصل بين شارع المنصورية وشارع الجيش. فى تلك القهوة الصغيرة التى يتناوب على إدارتها عم محمد وإخوته تقابلت مع طلبتى لأول مرة ثم كررنا المقابلة التى يعقبها التجوال فى منطقة الحسينية واستكشاف جوانبها المختلفة. قمنا أيضا ببناء نموذج مجسم كبير فى الجامعة للمنطقة حتى نستطيع استحضارها لاستكمال الدراسة حتى ونحن بعيدون عنها. وعقدنا مناقشات ومحاضرات عدة فى ذلك المقهى الفريد.
• • •
قرأت أن الفتوة ينصر الضعيف على القوى الغاشم مستخدما قوته وأحيانا نبوته، وذلك فى غياب السلطة الرسمية التى تستعيد لهم الحقوق. على الأقل هذا ما فهمته من روايات نجيب محفوظ خاصة الثلاثية، وأيضا من خلال فيلم فتوات الحسينية الذى شارك فى كتابة السيناريو الخاص به. ويرجع البعض ظهور الفتوات بوضوح لمنتصف القرن الثامن عشر عندما ضعفت قبضة العثمانيين على مصر وأصبح الأهالى عرضة لهجمات قطاع الطرق والسراقين. وكنت عندما أحاول شرح ذلك لزملائى وطلبتى كنت أقول لهم إن الفتوة نوع من نظام إنفاذ القانون غير الرسمى.
كانت القهوة قريبة من الحافة الجنوبية لمنطقة الحسينية التى ربما كان أحد أسباب ما رأيناه من تدهور وبطالة منتشرة فى تلك المنطقة راجعا لعزلتها النسبية عن المدينة كما أظهر ذلك أحد البحوث، وربما أيضا راجع لملاصقتها منطقة المقابر وما يحدث بها من أنشطة مسيئة. عندما انتهينا من الفصل الدراسى وعرضت الطالبات والطلبة أعمالهم شعرت بأنه مازال ينقصنا الكثير، ولذلك قمت بعد وقت قليل بتطوير مقترح يعتمد على الإمكانات المحلية والموارد ويقترح الاستفادة من مجموعة من الابتكارات كطريقة للتحول للتنمية المستدامة وعرضته فى أحد المؤتمرات خارج مصر. وبالرغم من أن ذلك كان خطوة للأمام لكنى أعتقد أنه لم يكن كافيا. كان من الواضح أنه حتى لحل المشكلات والتحديات التى تواجه مدينة الحسينية يجب علينا التعامل مع القاهرة التاريخية المركبة للغاية وأيضا مدينة القاهرة ككل، وهو ما وجدته يفوق قدراتنا من حيث التعقيد وإمكانية الوصول للمعلومات وقررنا الانتقال لمناطق أخرى للدراسة ربما يمكننا التعامل معها.
فكرت هذا العام فى قهوة الحسينية كمكان لكى يعرض فيه طلبتى ما وصلوا إليه فى عملهم لإنقاذ قلعة برج رشيد وأهلها، فربما كانت هذه فرصة لطلبتى ــ وأغلبهم من غير المصريين ــ وزملائى أيضا للتعرف على بعض من جوانب الحياة الحقيقية فى القاهرة التاريخية. للأسف تغيب زميلى القادم من شرق الولايات المتحدة لاكتشاف مرضه بكورونا واضطراره لعزل نفسه. ولكن زميلى القادم من شمال ألمانيا حضر فاصطحبته صباحا وركبنا المترو معا حتى محطة الجيش ومنها عبر شارع الحسينية باتجاه بوابة الفتوح. أخبرته بأن هذا هو الطريق الذى كانت تسلكه الجيوش المنتصرة عند عودتها للقاهرة وتكون الجماهير بانتظارها، واقترحت عليه تخيل نفسه واحدا من هذا الموكب المنتصر ولم تفشل هذه الحكاية الحقيقية فى إسعاد أى من زملائى عبر السنين. رحب بنا صاحب القهوة وهو رجل كريم للغاية ولم يطلب منا مقابلا لاستخدامنا لشاشة التليفزيون الخاصة بالقهوة لعرض أعمال الطالبات. فى الواقع لم يطلب سوى مقابل الشاى بالنعناع وبعض زجاجات المياه وهو ما زاد حبى واحترامى له ولكنى لم أندهش فهذا ما يمكن أن تتوقعه من حفيد مَن انتصر لحق الضعفاء.
قبل بدء العروض شرحت سريعا أننا ركزنا هذا العام على محاولة فهم التدهور الذى عانى منه الموئل الطبيعى لمنطقة مصب النهر خلال المائتى عام الماضيتين، ومقارنته بالسيناريوهات المتوقعة للتغير المناخى فى المستقبل القريب. كنا أيضا نتساءل عن كيف يمكن للتحول لمكان مستدام أن يهتدى بالعمليات الرئيسية المستمرة فى الطبيعة؛ وهى الإنتاج والاستهلاك والتحلل. وكنا نحاول تطبيق ذلك من خلال دراسة أربع منظومات رئيسية أولها الماء وثانيها الطعام وثالثها الطاقة ورابعها التنقل. ولم نتناول الركن الخامس وهو إشراك المجتمع باستخدام التقنيات الرقمية لأنها كانت تتطلب طلابا ذوى خلفية مناسبة.
• • •
ندرس ونستكشف ونتعلم عن برج رشيد منذ سنوات ونحاول أن نقترح حلولا واقعية لمجتمع برج رشيد كله بمن فيه من الضعفاء والفقراء، كما نحاول مساعدة الطبيعة التى تدهورت فى المائة والخمسين عاما الماضية من خلال تدخلات متراكمة لم تكن واعية بحساسية المكان وما عليه وبه من كائنات، وهو ما يزيد بشدة من وقع تأثير التغيرات المناخية الكبرى المتوقعة والتى ساهم بنصيب كبير فيها العالم المتقدم من خلال استخدامه المكثف للوقود الأحفورى. نحاول استكشاف الطرق التى يمكن من خلالها استخدام الموارد المحلية للمساعدة فى استعادة المجتمع والطبيعة والصحة والعافية، ونتمنى بكل جدية أن نستطيع البدء فى تحقيق ذلك ونأمل أن ذلك لن يكون مفيدا لمصب النهر ومجتمعه فى برج رشيد فقط ولكن ربما أيضا لمجتمع الحسينية أيضا.

التعليقات