خمسون ألف خطوة باتجاه المستقبل - نبيل الهادي - بوابة الشروق
الأربعاء 21 أكتوبر 2020 4:41 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

خمسون ألف خطوة باتجاه المستقبل

نشر فى : الأحد 29 مارس 2020 - 9:55 م | آخر تحديث : الإثنين 30 مارس 2020 - 10:34 ص

لا نستطيع قراءة التاريخ بمعزل عن محاولة فهم الطبيعة.. ونهر النيل هو بالنسبة لنا هو التجسيد الأكبر لتلك الطبيعة السرمدية. وكما يخبرنا العظيم رشدى سعيد فى كتابه عن النهر، فقد مر بالعديد من التحولات الكبرى والمركبة التى أوصلتنا لما نراه ونعرفه اليوم. نحن أيضا لا نستطيع فهم وقراءة هذا التاريخ بدون محاولة فهم الوجود البشرى والأجيال التى تناوبت على مكان ما وما حوله لآلاف السنين، وإنشائهم وتطويرهم للكثير مما مكنهم أحيانا التظاهر بالقدرة على التحكم فى قوى الطبيعة وتسخيرها لغاياتهم.
ولأن الماء كان له دور جوهرى فى وجود الحياة وازدهارها، فإن التدخلات التى طالته كانت دائما ذات أهمية خاصة، بالذات تلك التى تتعلق برى الزراعات والتى مكنته من زيادة الحصاد بصورة كبيرة ومتتالية. ويظهر ذلك بصفة خاصة فى بناء السدود والقناطر والتقنيات المتطورة التى استخدمت فى بنائها والأثر الكبير الذى تركته تلك الأبنية على الحياة والحضارة البشرية وجوانبها المتعددة.. ونرى ذلك بوضوح فى نواحى مصر المتنوعة سواء منها العليا أو السفلى أو حتى فيما يبعد عن ذلك.
ولهذا بدأنا منذ عدة سنوات فى محاولة للتفكير فى الأماكن التى عاش فيها المصريات والمصريين عبر آلاف السنين الماضية وفى علاقة هؤلاء البشر بالطبيعة، ليس فقط فى محاولة لمعرفة وقراءة التاريخ بصورة أفضل وأكثر قربا من خلال زيارات ميدانية وقراءات ونقاشات، ولكن أيضا لمحاولة التفكير فى علاقة ذلك التاريخ من العلاقة المتحدية للطبيعة بواقعنا وربما مستقبلنا.
***
منذ بداية زياراتنا رأينا كيف تنقل النيل عبر الخمسة آلاف سنة الماضية بصورة كبيرة للغاية من الغرب للشرق فى منطقة منف أو ميت رهينة حاليا بالصورة التى لا تشعر الزائر بتلك الصلة الجوهرية فى علاقة المدينة والنهر والتى لولاها لما وجدت المدينة أصلا. هل نحن والزائرون الآخرون غير مهتمين إلا بهذه التماثيل الرائعة أو تلك البقايا العديدة ولكننا لا نهتم بأى قدر بكيفية وجدود تلك الأعمال وفى أى إطار حضارى وفى أى علاقة بالطبيعة؟
نتساءل أيضا عن مقياس النيل الذى توقف العمل فيه وملأه بالماء مع توقف الفيضان وهل فعلا لم يعد لمقياس النيل أهمية؟ وهل سحب هذا المقياس ما يؤثر على إدراكنا بمدى جوهرية النهر فى حياتنا؟ كما رأينا فى جولاتنا العديد من صور التحدى للنهر والطبيعة سواء من خلال مقترحات تفترض أنها توفر مسارات جديدة للمواطنين بمحاذاة النهر ولكنها تخترق النهر وربما لا تتعامل بالحرص الواجب مع تلك الأماكن الحساسة والهامة بيئيا التى لا نرعاها حق رعايتها والتى كانت تسمى وربما لا تزال فى أماكن قليلة بـ«طرح النهر». كما رأينا بأعيننا كيف أن المكلف بحماية النهر والسهر على شواطئه ربما يجب عليه أن يبرز ذلك من خلال أفعال تظهر للجميع ذلك لا ما يثبت عكسها.
***
فى تتبعنا للنيل والقنوات والترع التى تجلب مياهه للمدينة عبر تاريخ القاهرة تثور أسئلة كثيرة وينتج جزء كبير من تلك الأسئلة من خلال نقاشات وحوارات فى جولات بالقدم امتدت من ميت رهينة فى الجنوب وحتى جزيرة الوراق فى الشمال، مشيت فيه مع طالباتى وطلابى ما قدرته بحوالى أكثر من خمسين ألف خطوة وكنا نمشى فى بعض الجولات ما اقترب أو زاد قليلا على العشرة كيلومترات وهو ما كان منهكا للبعض، ولكنى كنت أراه دائما ملهما للأفكار وباعثا على إنشاء علاقة أكثر وثوقا وقربا بالمدينة وطبيعتها سواء تلك التى مازالت موجودة أو آثارها وأطيافها التى قرأنا عنها وحاولنا التعرف على ظروف وجودها فى وقتها وكيف فقدناها بأسباب متعددة مع مرور الزمن. وكان اتجاه حركتنا غالبا من الجنوب إلى الشمال على الأقل فى ثمانية أسابيع من أصل تسعة وكأن حركة التاريخ العامة تأخذنا لتلك البقعة الشمالية القصوى. وكان توقفنا فوق الكبرى الذى يعبر النيل أعلى جزيرة الوراق وتساءلت هل يوجد شيء هنا له علاقة ما بالمستقبل؟ هل النزاع الحاصل على أرض الجزيرة له علاقة بمستقبل المدينة وربما بما هو أكبر من ذلك؟
فى العام الماضى عندما توقفنا فى نفس المكان تقريبا كنا نناقش تحذير المؤرخ الفرنسى اندريه ريمون فى عام 1993 من أن تتحول القاهرة إلى مدينة عادية بعد أن يتم طمس التنوع المذهل الذى هو نتاج تراكم تاريخى فريد، ولكننا نناقش هذا العام ما يتعلق بمستقبل المدينة وما يجلبه من تحديات وجودية. فالمدينة ذلك الكيان الذى يتصل ويرتبط فيه ماضيه المتعدد بحاضره المعقد غير المرتب والذى قد يبدو كارثيا من زوايا معينة، رأينا أنه أيضا نتاج ليس ببساطة لتجاوره مع الطبيعة ونهر النيل ولكن لتدخله المكثف فى تلك الطبيعة حتى بدا لنا فى أحيان عدة أنه غافل عن نتائجه المستقبلية التى قد لا تكون لصالحنا. رأينا الطبيعة بجمالها الأخاذ خاصة فى منطقة قد تكون أقرب ما يكون للنيل وشواطئه خاصة فى الناحية الشمالية الغربية من جزيرة الوراق والشاطئ المقابل له الذى تتخذها بعض الطيور البرية سكنا لها. يخفى هذا الجمال قوة لا نستطيع إلا أن نحاول فهمها وتقديرها والتعامل معها بصورة تستعيد بها هذه الطبيعة بعضا من مكوناتها المعرضة للخطر الداهم كما نستعيد نحن أيضا مصدر ومورد حياتنا ومستقبلنا.. فأى مستقبل نختار؟

"صورة لشاطئ النيل المقابل لجزيرة الوراق وجزء من جزيرة الوراق- تصوير نبيل الهادي ديسمبر 2019"

التعليقات