اكرمنا يا رب وعدّلها - كريم البكري - بوابة الشروق
الأربعاء 1 يوليه 2026 3:30 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

اكرمنا يا رب وعدّلها

نشر فى : الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 11:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 1 يوليه 2026 - 2:11 ص

غارق في همومه يبحث عن طوق نجاة فلا يجد سوى موجة جديدة تدفعه أبعد، يفتش بعينيه اللتين أرهقتهما قلّة النوم عن مخرج من أزماته؛ فإذا بالمخارج تضيق، وإذا بما ظنّه بابًا للنجاة يفتح على وجعٍ آخر، خطواته ثقيلة، تمضي به في دروب لم يخترها، وروحه مرهقة؛ كأن عنكبوت اليأس نسج حولها خيوطه، فكبّلها وأطفأ ما تبقى فيها من ضوء؛ وظهره مُتعَب من أحمال خفية لا يراها الناس؛ لكنها تحنيه يومًا بعد يوم، لم يبق له إلا أن يرفع رأسه إلى السماء، سائلًا الفرج، متعلقا بالأمل، ومصليا من أعماقه: "اكرمنا يا رب وعدّلها".

جال هذا المشهد بخاطري كأنه صورة عشتها، أو لمحت ملامحها في وجوه آخرين عبروا أمامي مثقلين بما لا يُقال، كثيرون أنهكتهم الحياة، وضاقت بهم حسابات البشر، ووقفوا أمام أزماتهم كمن استنفد كل الحيل، فلم يجدوا بابًا أرحب من باب الرب، ولا سندًا أصدق من التوكّل عليه، تركوا الأمر لربّ البشر، ورددوا بقلوب تعرف معنى الانكسار ومعنى الرجاء: "اكرمنا يا رب وعدّلها".

"اكرمنا يا رب وعدّلها"؛ صلاة إنسانية شديدة البساطة، مفتوحة النداء، قريبة من اللسان والقلب، تحمل بين طياتها تعب الناس كله ورجاءهم كله؛ دعاء لا يحتاج إلى بلاغة مصطنعة كي يصل، ولا إلى شرح طويل كي يُفهم؛ فكلنا نعرف معناه، كل من ضاقت به الدنيا يعرف قيمته، وكل من انكسرت حساباته أمام قسوة الحياة ردده طامعًا في كرم الله؛ خير من يكرم، وخير من يعدّلها.

"اكرمنا يا رب وعدّلها" أغنية من كلمات الشاعر جمال بخيت، وألحان وغناء أحمد الحجار، رحمه الله، وهي واحدة من لآلئ شريط "حنين" الصادر عام 1987، في زمن كان الناس يقولون "شريط" قبل أن تستقر كلمة "ألبوم" في التداول؛ حمل العمل بصمة جمال بخيت في أغانيه الثماني، وتولى أحمد الحجار تلحينها جميعًا، وفي خلفية هذه الحالة، ظهرت أسماء موزعين أصحاب أثر وبصمة في الموسيقى المصرية، بينهم طارق مدكور، وحميد الشاعري، وعماد الشاروني.

أكم من مرة سمعت  "اكرمنا يا رب وعدّلها" فامتلأت عيناي بالدموع، كأن الأغنية تُسمع بالأذن وتمر على القلب تعزف على أوتار الحزن داخله؛ كانت دموعي تنهمر وفي داخلها رجاء: "أن يكرمنا الله، ويعدّل ما اختلّ"، في كل شطر من الأغنية كنت أشعر بعمق المعنى، وإنسانية الدعاء، وقيمة الكرم حين يأتي من الله؛ كرم يرمم القلب قبل الحال، ويمنح الإنسان قدرة جديدة على احتمال الطريق.


اكرمنا يا رب وعدلها، خليها تنور قناديلها

اللقمة المرة نبدلها، والرزق يواعد مراكبنا

وإيدينا تساعد حبايبنا، والحلوة تعطر مناديلها

 

براعة جمال بخيت هنا تبدأ من قدرته على التقاط كلمة يومية عابرة نرددها جميعًا مثل "الله يكرمك"؛ واستطاع من هذه العبارة الشعبية المألوفة أن يصنع دعاءً عامًا واسعًا، يخص الفرد والجماعة معًا: "اكرمنا يا رب وعدّلها".

كذلك كلمة "وعدّلها" تكشف جانبًا مهمًا من عبقرية التعبير.. كلمة مصرية شديدة الخصوصية، بسيطة في لفظها واسعة في معناها، نقولها حين نطلب أن يستقيم ما مال، وأن يُصلح ما انكسر، وأن ينفتح ما أُغلق، وأن يلتئم ما تصدّع، ويجتمع ما تشتت. "عدّلها" كلمة ذات مغزى يتجاوز المشكلة الواحدة ويتطلع لإعادة ترتيب الحياة كلها من منظور فشلت فيه عينه حلول الأرض وترك الأمر للسماء. "عدّلها" هي الرجاء الآلهي أن يهدأ القلب، ويخف الحمل، ويعود الغائب، ويقترب البعيد، وتجد الروح طريقها بعد طول تيه؛ "عدّلها" صلاة تسأل الله أن يضع كل شيء في موضعه الصحيح، يرد إلى الأيام اتزانها، ويعيد إلى النفس طمأنينتها، وإلى الطريق نوره.

وفي مشروع جمال بخيت الشِعري؛ عمق يتكئ على بساطة اللفظ وعذوبته، لا يستعرض عضلاته بألفاظ معقدة؛ ما يؤهله للتسلل إلى القلب لأن لغته مأخوذة من الناس ومن يومهم وتعبهم؛ لذلك جاءت عبارة "اللقمة المُرّة" طبيعية في هذا السياق؛ فهي لقمة يعرفها الجميع، على اختلاف الطبقات والأعمار والبلدان؛ لقمة "أكل العيش" التي نقول عنها "أكل العيش مُر"؛ عندما يتحول السعي اليومي إلى امتحان للكرامة والصبر والإيمان؛ ومن هنا يسأل جمال بخيت ربّه أن يبدّل هذه اللقمة المُرّة بلقمة أرحم  تطعم الجسد من جوع، وتؤمّن القلب من خوف؛ وتمنح المرء إحساسًا بأن الكرم الإلهي قادر دائمًا على تعديل ما عجزت عنه حسابات الدنيا.

 

اكرمنا يا رب احنا عبيدك ولا نعبد غير

إحنا اللي بنعمة توحيدك كلمنا الطير

ورفعنا الحب على النزوة

وهزمنا عدوك في الغزوة

وصلاة العيد بنمدلها

 

كلمات جمال بخيت، بكل ما فيها من بهاء وبساطة، وجدت في لحن وصوت أحمد الحجار بيتها الطبيعي، كان اللحن يعرف كيف يفتح للكلمات طريقها إلى القلب، وجاء الصوت كامتداد طبيعي لمعنى الدعاء. في أداء أحمد الحجار شيء من سكينة التلاوة، وخشوع التراتيل، ودفء الإنشاد، وقدسية الصلاة  حين تخرج من قلب يعرف معنى اللوذ بالله؛  كان يغني وكأن في صوته سر لا أحد يعلمه سوى الله.. أعلم تلك الحالة جيدا؛ عندما تعجز الألسنة عن ترجمة ما تحمله الأنفس؛ فتترك الأمر للسميع العليم علّام ما تخفيه النوايا.

لذلك تبدو "اكرمنا يا رب وعدّلها" صلاة إنسانية واسعة، يرددها كل من أنهكه التعب، وأرهقه السعي، وبقي في صدره يقين بأن باب الله أوسع من ضيق الدنيا.

أثناء كتابتي لهذه السطور، شعرت بامتنان شديد للشاعر جمال بخيت، ووجدتني أهاتفه رغم عدم وجود سابق معرفة بيننا؛ كان الاتصال في حقيقته اتصال تلميذ بمدرسة الصحافة بأستاذ في عالم الكلمة، واتصال قارئ أحب نصًا فذهب يشكر شاعره على ما تركه في روحه من أثر.

وما أن قلت له "اكرمنا يارب وعدّلها" إلا وشعرت بتفجر طاقة حنين في قلبه بطلها أحمد الحجار، أو "الملاك الطيب" كما وصفه، ليقول لي الشاعر جمال بخيت: "أول ما يخطر في بالي لما اسمع اسم الأغنية هو الملاك الطيب أحمد الحجار، مطرب بروح شفافة، قيمة فنية وإنسانية كبيرة؛ الكلام اتكتب علشانه، وربنا جعلني سبب إني أشاركه في عمل زي ده".

وروى لي الشاعر موقفًا ساخرًا جمعه بالحجار، حين كان الصديقان يتجولان في شوارع وسط البلد، وتوقفا أمام فاترينة أحد محال الموبيليا. كان "جمال" بخيت وقتها شابًا مقبلًا على الزواج، فشدّه الأثاث بما يحمله من حلم بيت قريب، ولم يجد أحمد الحجار، صديقه الأعزب، مانعًا من مشاركته الفُرجة؛ لكن الأسعار الباهظة باغتت الصديقين بصدمة، قبل أن يطلقها "الحجار" بروحه المرحة: "إلحقنا يا رب وعدّلها"؛ ضحكا معًا الصديقان، وتركا للمولى عز وجل همومهما وخططهما وأحلامهما الصغيرة، ثم استكملا تجوالهما في شوارع وسط البلد.

قال جمال بخيت قبل أن أختم مكالمتي معه: "هي أغنية لكل دين ولكل عصر ولكل البشر، في كل حين وكل وقت.. الله هو الملجأ، هو الملاذ دائما وأبدا، هو صاحب الفضل والعطاء والرضا".. وكرر سلامه على صديقه الراحل: "الله يرحمك يا أحمد".

أغلقت الهاتف منتشيا؛ مرددا الدعاء لـ أحمد الحجار، ووجدتني عن دون قصد أقول: "اكرمنا يا رب وعدّلها".

 

اجعلها بردا وسلاما على كل أمين

وافتحها فتحا ميسورا على كل حزين

والظالم قوينا نحاربه، والصالح ركبنا قواربه

وجزيرة الحق نعدي لها

اكرمنا يا رب.. اكرمنا يا رب.. اكرمنا يا رب وعدلها

 

خرجت الأغنية من كونها عمل فني إلى جزء أصيل في وجداني، ورغم ملاءمتها لكل وقت وزمن؛ إلا أننا الآن في أحوج حال لها؛ وسط عالم غريب، متطور الأحداث، عنيف الأثر، دموي البصمة، مؤلم الوقع.. وسط كل ذلك لا أملك شيء سوى أن أقول "اكرمنا يا رب وعدلها".

حروب وصراعات وخرائط تتغير وناس تبات على خبر وتصحى على كارثة.. اكرمنا يا رب وعدّلها.

أزمات اقتصادية طاحنة، ومعدل تضخم مرتفع، وأسعار تصعد كأنها في سباق أولمبي، ومرتبات تحاول اللحاق بها.. اكرمنا يا رب وعدّلها.

أقساط والتزامات وفواتير، وورقة وقلم يثبتان أن الحسابات الدنيوية تحتاج إلى تدخل سماوي عاجل.. اكرمنا يا رب وعدّلها.

مناخ محبط، وضغط يومي، وأناس يمشون في الشارع كأنهم يحملون حقائب ثقيلة غير مرئية فوق أكتافهم.. اكرمنا يا رب وعدّلها.

أحلام مؤجلة، وخطط معلقة، وبيوت تنتظر الفرج، وقلوب تتظاهر بالقوة وهي في الحقيقة تبحث عن قنديل صغير ينير لها الطريق.. اكرمنا يا رب وعدّلها.

وعلى طريقة جمال بخيت وأحمد الحجار، نضحك قليلًا من فرط التعب، ونرفع الأمر كله إلى الله، ونقولها كأنها خلاصة الحكمة الشعبية، وسر النجاة، واعتراف الإنسان بعجزه الجميل أمام قدرة ربه: اكرمنا يا رب وعدّلها.

 

 

كريم البكري كاتب صحفي
التعليقات