مأزق الدين العام بين مصر واليونان - عمرو عادلى - بوابة الشروق
الجمعة 22 نوفمبر 2019 7:36 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

مأزق الدين العام بين مصر واليونان

نشر فى : الخميس 30 يوليه 2015 - 9:25 ص | آخر تحديث : الخميس 30 يوليه 2015 - 9:25 ص

دخلت اليونان مرحلة الإفلاس فعليا بإعلانها التوقف عن أداء التزاماتها الخارجية ممثلة فى فوائد وأقساط دينها الخارجى العام الذى يقارب ٢٥٠٪ من الناتج الإجمالى المحلى، وتزامنت هذه التطورات فى مطلع الشهر الحالى مع إعداد الموازنة للعام المالى الجديد فى مصر بعجز مستهدف نحو ٩٪ من الناتج، مع استهداف تخفيض الدين العام إلى ٨٥٪ من الناتج المحلى والمقدر منذ عدة سنوات عند ٩٠٪ طبقا لتقديرات رسمية تغلب عليها المحافظة طبقا لمراقبين ومنظمات مالية عالمية. وهو ما حدا بالبعض إلى الحديث عن أوجه ما للشبه بين الأزمة المالية فى اليونان وأزمة الدين العام فى مصر فهل تواجه مصر مخاطر الإفلاس وهل بالفعل يعد الدين العام خارج السيطرة؟

إن إجابة مختصرة هى ببساطة لا. إن مصر ليست فى وضع شبيه باليونان ولو من بعيد، ولكن هذا لا يعنى أن ماليات الدولة فى مصر مستقرة، أو أن الدين العام المصرى لا يؤثر بالسلب على فرص التنمية والنمو الاقتصادى وأنه لا يعد مصدرا للمخاطر.

•••

يمكن القول إن الإفلاس بالمعنى الفنى أى العجز عن مواجهة الالتزامات الواقعة على الدولة ليس هو أكبر مصدر للخطر فى اللحظة الحالية، ويعود هذا لعدة عوامل لعل أهمها هو هيكل الدين العام فى مصر، والذى يغلب عليه الدين المحلى، وهى إجمالى السندات والأذون والقروض المقيمة بالجنيه المصرى، وقد مثل الدين المحلى القسم الغالب من الدين الحكومى منذ منتصف التسعينيات، وفى أعقاب اتفاق نادى باريس الذى ألغى نحو نصف ديون مصر الخارجية وأعاد جدولة الباقى، ومع تحفظ نظام مبارك منذ ذلك الحين فى عدم التوسع فى الاقتراض الخارجى ـ إذ بقى رصيد الدين الخارجى المقيم بالدولار الأمريكى ثابتا كقيمة مطلقة عند ٢٨ إلى ٣٢ مليار دولار بينما كان ينخفض كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى، مع هذه السياسة كان الخيار هو التوسع فى الاقتراض المحلى.

توسعت الدولة فى مصر فى الاستدانة من المؤسسات المصرفية المحلية، واليوم تعتبر الحكومة أكبر مقترض من الجهاز المصرفى إذ تملك البنوك المصرية خاصة كانت أو عامة نحو ٦٠٪ من إجمالى الدين المحلى العام فيما يملك بنك الاستثمار القومى ـ والذى تودع فيه أموال التأمينات الاجتماعية ـ نحو ٤٠٪، وقد ألقى هذا التوسع الكبير والمستمر فى الاستدانة لتمويل العجز فى الموازنة بظله على هيكل الإنفاق العام إذ أخذ بند خدمة الدين العام ـ المحلى فى غالبه ـ يتضخم حتى أصبح اليوم يلتهم نحو ربع الإنفاق العام، وهو ما يعنى أن الدولة عادة ما تحتاج للاستدانة حتى تتمكن من سداد المستحق عليها من سندات وأذون فى موعدها، أى أن الدين العام يخلق دورته الخبيثة والتى تتحول إلى أعباء تلد بدورها المزيد من الأعباء على خزانة الدولة.

كما سبق القول فإن العبء الأكبر يقع على الدولة لخدمة الدين المحلى المقيم بالجنيه المصرى فيما لا تتجاوز خدمة الدين الأجنبى السنوية ما بين ٦ إلى ١٠٪ من إجمالى الصادرات، وهى نسبة بعيدة عن حد الخطر، ولم تواجه مصر صعوبات فى ملاقاة التزاماتها الخارجية بعد ٢٠١١ على الرغم من تضاؤل الاحتياطيات الأجنبية، ولم تذهب المساعدات الضخمة منذ نهاية ٢٠١٢ فى الأساس لإنقاذ الحكومة المصرية من إعلان الإفلاس بقدر ما ذهبت لتمويل الواردات الأساسية من الوقود والغذاء.

•••

إن كون القسم الغالب من الدين العام محليا فى مصر لا يعنى أنه بدون مخاطر أو أنه قابل للاستدامة دون تكلفة كبيرة على الاقتصاد، إنما يعنى ببساطة أن الإفلاس ليس هو الخطر الرئيسى، فبما أن الدين المحلى بالجنيه يمكن دوما للدولة أن تتوسع فى إصدار النقود رغم ما ينجم عن هذا من ارتفاع فى التضخم وبالتالى اختلال فى الأسعار النسبية، ولكنها ستتجنب الإفلاس، وهو وضع يختلف كلية عن كون الدين العام بعملة أجنبية لا تملك الدولة طباعتها كحال اليونان، والتى تحتل وضعا فريدا كونها عضوا فى منطقة اليورو، وما يعنيه هذا من خضوع سياستها النقدية للبنك المركزى الأوروبى بما فيها من إصدار النقود وتحديد سياسات سعر الفائدة والصرف، وهو ما يجعل مشاكل الدين الخارجى فى اليونان مركبة وغير متكررة فى غير أعضاء منطقة اليورو.

غير أن حجم الدين العام وإن كان محليا فى مصر شديد الضخامة، ويمثل ضغطا على الجهاز المصرفى، ويرفع تكلفة الائتمان على القطاعات الإنتاجية فى القطاع الخاص، ويمتص قسما كبيرا من السيولة المتاحة، ولعل التكلفة الأكبر للدين العام فى مصر تتعلق بهيكل الإنفاق العام الذى يذهب لتمويله، والذى تمثل المصروفات الجارية نحو ٨٠٪ منه، ما يعنى أن الحكومة تستخدم المدخرات لتمويل نفقاتها الجارية بدلا من تمويل الاستثمار، وبالتالى فإن هذه المصروفات لا تحقق عائدا، ولا تسهم فى زيادة قدرة الاقتصاد المستقبلية على الإنتاج أو على خلق فرص عمل بل وتزاحم القطاعات الإنتاجية الراغبة فى الاستثمار برفع أسعار الفائدة وبتوفير فرص إقراض أقل مخاطرة للجهاز المصرفى، أى أن الدين العام فى مصر مصدر خطورة، ولكن تكلفته الفعلية هى فرص التنمية الضائعة وسوء توجيه الموارد القليلة المتاحة بعيدا عن الاستثمار.

ويضاف لهذا أن مصر تواجه ـ بالأخص منذ ٢٠١١ ـ أزمة فى توفر النقد الأجنبى مع تراجع السياحة والاستثمارات الأجنبية، وعلى الرغم من أن هيكل الدين الخارجى وحجمه لا يمثل خطرا جديا إلا أن تضاؤل الاحتياطيات وعدم القدرة على إعادة بنائها بدون مساعدات خارجية شديدة الضخامة من بلدان الخليج، يهدد فرص التعافى الاقتصادى لأنه يقلل من توفر الواردات التى تعد فى مجملها مدخلات إنتاج من خامات وسلع وسيطة ورأسمالية.

التعليقات