هشام سلام والذين معه - سيد محمود - بوابة الشروق
الأربعاء 29 أبريل 2026 8:33 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

هشام سلام والذين معه

نشر فى : الثلاثاء 31 مارس 2026 - 7:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 31 مارس 2026 - 7:50 م

لا ينبغى أن تشغلنا الحرب الدائرة فى الشرق الأوسط عن الاحتفال بالإنجاز العلمى الكبير الذى سجلته جامعة المنصورة الأسبوع الماضى؛ فقد نجح فريق مركز الجامعة للحفريات الفقارية «سلام لاب»، وهو أول مركز من نوعه فى الشرق الأوسط، فى نشر دراسة للدكتورة شروق الأشقر، إحدى عضوات الفريق، بمجلة «ساينس» العالمية.


وقيمة البحث أنه أول بحث علمى يُنجز ويُنشر بالكامل من داخل مؤسسة مصرية.


تناول البحث - كما قرأنا وتابعنا - نوعًا جديدًا من أسلاف القردة العليا يحمل اسم «مصريبثيكس موجراينسيس»، إذ عاش قبل نحو 18 مليون سنة خلال العصر الميوسينى المبكر، وقد عُثر على حفرياته فى الصحراء الغربية. ويُعد هذا أول دليل مؤكد على وجود أسلاف القردة العليا فى شمال إفريقيا، بما يؤكد أن المنطقة كانت موطنًا رئيسًا لتطورها، وليس مجرد ممر جغرافى.
وحرص الفريق البحثى على أن تعكس التسمية الهوية المصرية؛ إذ يجمع اسم «مصريبثيكس» بين «مصر» والكلمة اليونانية «بيثيكوس» التى تعنى «قرد»، بينما يشير «موجراينسيس» إلى وادى المغرة، الذى كان موقعًا للاكتشاف، والذى سبقته اكتشافات كثيرة ملهمة، أبرزها ما حدث فى فبراير من العام الماضى، إذ نجح أعضاء الفريق، وبتعاون دولى، فى اكتشاف جمجمة شبه مكتملة لنوع جديد من الحيوانات المفترسة القديمة من فصيلة الهاينودونتا، التى كانت تستوطن شمال إفريقيا قبل 30 مليون عام، ونُشرت نتائج هذه الدراسة فى مجلة الحفريات الفقارية الدولية.


ولأننى أنتمى إلى القسم الأدبى، وليس إلى القسم العلمى مثل الدكتور هشام وأعضاء فريقه المذهل، فقد توقفت أمام تاريخ ميلاده، ولم تساعدنى ويكيبيديا على معرفته بالدقة الكاملة، لكن على الأرجح أن سلام وُلد بين عامى 1975 و1976؛ لأنه حصل على بكالوريوس العلوم عام 1997، قبل أن يحصل على الدكتوراه عام 2010. وهذا يعنى عمليًا أنه عاش طفولته خلال سنوات الثمانينيات من القرن الماضى، وما أدراك ما الثمانينيات!


وهو على أعتاب السنة السادسة من عمره، شاهد على شاشة التلفزيون، من داخل صالة منزل عائلته فى الشرقية، مشاهد الجريمة البشعة التى نفذها متشددون إسلاميون، وانتهت باغتيال الرئيس أنور السادات، والأكيد أنه لم يفهم دوافع قتل «الرئيس المؤمن» أو أسبابه.
وشأن أبناء أسر الطبقة الوسطى فى مصر، أنفق سلام، وهو على عتبات المراهقة، ساعات كثيرة شاهد فيها حلقات من مسلسل «هو وهى» لسعاد حسنى وأحمد زكي، كما تابع فوازير فطوطة وشريهان، ثم فوازير يحيى الفخرانى مع هالة فؤاد وصابرين.


ولسوء حظه، لم يلحق بفوازير نيللى، لكنه شاهد أفلامها التلفزيونية ربما كان يبكى مثلى وهو يشاهد مشاهد النهاية فى أفلام مثل «ضد الحكومة» أو «الهروب»؛ أو«كتيبة الإعدام» عندما تنزل تيترات النهاية بصوت عمار الشريعى.


لم يكن أمام هشام سلام وأمامى، سوى خيارات قليلة للمشاهدة، على رأسها حلقات الشيخ الشعراوى، التى كان يتابعها انتظارًا لمباريات الكرة التى يحبها، وقت أن كانت تُبث عصر كل جمعة. وربما كان طاهر أبو زيد لاعبه المفضل، مع حمادة عبداللطيف لاعب الزمالك.


ولا شك عندى أن سلام قرأ، مثلنا جميعًا، بعضًا من ألغاز سلسلة «الشياطين 13» وكتب «المكتبة الخضراء»، قبل أن ينتقل إلى أنيس منصور ومصطفى محمود، الذى تحول إلى مثل أعلى بعد أن أدمن حلقات برنامجه الشهير «العلم والإيمان»، بالصورة التى جعلته يفضل القسم العلمى على القسم الأدبى.


ومن المتوقع أن تكون عائلته قد ضغطت عليه كثيرًا لكى ينحاز لهذا التفضيل؛ فقد اعتدنا أن كل عائلة تتمنى أن يصبح الابن طبيبًا أو مهندسًا أو ضابطًا، ومن النادر جدًا أن تحلم عائلة بابن يعمل بالمحاماة أو المحاسبة أو التدريس، رغم ما يجلبه ذلك من أموال؛ إذ إن أولياء الأمور يخشون دائمًا من الاستجابة للدعوات التى يرفعها الأهالى فى مواجهة المدرسين «المفترين» الذين لا يشرحون إلا فى «السناتر»، ويتركون الطلاب لفوضى الفصول.


فى الأحوال العادية، لم يكن لأحد أن يتوقع تفوق سلام الذى تخرج من جامعة حكومية تقع فى الأقاليم ولم يلحق بقطار الجامعات الخاصة التى يدفع طلابها مئات الألوف لكنه عاند وقاوح ونال الدكتوراه من جامعة أكسفورد وهذه هى المعجزة لأن المسار الطبيعى لمن نشأ فى سنوات الثمانينيات الراكدة أن ينتهى سقف طموحه عند حدود جامعته الحكومية. لكن معجزة هشام سلام وأعضاء فريقه مرتبطة بقدرتهم على تجاوز هذا السقف، ومد أبصارهم لما هو أبعد كثيرًا.


فى العادة تصبح العودة من الخارج مأساة وتمثل نهاية المطاف، لكن سلام، كما كتبت جريدة «الشرق الأوسط» فى تقريرها، جعلها بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة فى علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسسات الكبرى عالميًا وبعد عقد ونص من العمل لا يمر عام دون اكتشاف أو بحث جديد.


ولكى ندرك حجم المعجزة، علينا أن نتأمل الأجواء التى نشأ وعمل فيها هؤلاء الشباب؛ فهم أبناء السنوات الحالكة، نشأوا فى مناخ يعادى العلم والمتعلمين، ولم يعرفوا سوى تراجع الأمل وانكساره بعد هزيمة الأحلام والوعود التى تدفقت خلال ثورة يناير بحثًا عن الغد الأفضل. كما أنهم أبناء الفضاء العام الذى يحفل بكل صور التشدد الدينى، ومن المدهش حقًا أن هذه القوى نفسها خاضت معركتها الكبرى قبل مئة عام مع دعاة نظرية التطور التى يعمل على أساسها هشام سلام وأعضاء فريقه الذى جعل من البحث العلمى همًّا، ومن الإنجاز مشروعًا جماعيًا، وواجه جيوش البيروقراطية والاستهلاك والفساد وضعف الميزانيات المخصصة للبحث العلمى، ومع ذلك انتصر وبث فى قلوبنا الأمل من جديد وعلى رأى الأغنية: «يا مصر بتعمليها إزاى؟».