قدم لاعب تسعد أمة - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
السبت 4 يوليه 2026 11:03 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

قدم لاعب تسعد أمة

نشر فى : السبت 4 يوليه 2026 - 7:50 م | آخر تحديث : السبت 4 يوليه 2026 - 7:58 م

كيف يمكن لركلة أو ضربة كرة من قدم أو رأس لاعب أن تسعد أمة كاملة وترفع روحها المعنوية لعنان السماء، وتصيب أمة أخرى بالكآبة والإحباط والحزن وكأنها هزيمة عسكرية؟!
هذا هو السؤال الذى راودنى منذ أن نجح حسام عبد المجيد فى تسديد ضربة الجزاء الأخيرة فى مرمى فريق أستراليا فى الساعة الثانية عشرة إلا عشر دقائق من مساء الجمعة فى ملعب دالاس بالولايات المتحدة الأمريكية، لتحقق مصر رقما تاريخيا غير مسبوق بالصعود إلى دور الـ ١٦ فى نهائيات كأس العالم لأول مرة.
السؤال الذى بدأت به ليس جديدا. وطرحه العديد من الكتاب والمفكرين والناس العاديين. وأتذكر أن أكثر من مفكر مثل توفيق الحكيم وزكى نجيب محمود طرحا هذا السؤال، لكن بصورة عكسية تهكمية.
حينما سجل علاء نبيل فى مرمى فريق الجزائر الشقيق فى 17 فبراير 1984 هدف صعود مصر إلى نهائيات دورة الألعاب الأوليمبية فى لوس أنجلوس. وحينما سجل حسام حسن فى الجزائر أيضا فى 17 نوفمبر 1989 هدف صعود مصر لنهائيات كأس العالم فى إيطاليا ١٩٩٠، حينما حدث ذلك كان السؤال الذى يتكرر وقتها: كيف تكون قدم لاعب أهم من رأس مفكر، تعليقا على الاهتمام الشعبى والرسمى واسع النطاق بكرة القدم مقارنة بالمفكرين والأدباء والخبراء والمنتجين الذين يقدمون الأفكار والإبداع والسلع والاختراعات؟!!
مثل هذا السؤال الاستنكارى لم يعد مطروحا بالمرة الآن. لم يعد أحد ينظر لكرة القدم باعتبارها «لعب عيال» أو تضييع وقت، أو أنها مفسدة للشباب على حساب مستقبلهم العلمى. وصرنا نرى إقبالا منقطع النظير فى كل دول العالم على إلحاق الأولاد صغار السن بأكاديميات كرة القدم علّ أحدهم يصبح ميسى أو رونالدو أو محمد صلاح، أو حتى مجرد لاعب مشهور، فوظيفة اللاعب صارت فى مخيلة الأطفال وأولياء الأمور مجلبة للشهرة والثراء والتأثير.
حينما انتهت المباراة وفازت مصر على أستراليا انفجر كل المصريين فى كل مكان ومعهم عدد كبير من الأشقاء العرب، بل وبعض الأجانب فى حفلة فرح غير تقليدية.
لا أكتب كلاما معلبا، فقد تجولت فى شوارع الجيزة والقاهرة بعد المباراة ورأيت بعينى الجميع يفرح ويحتفل. لا فارق بين أحد وآخر، الأغنياء جدا الذين يركبون أغلى السيارات، ورجل وأسرته المكونة من ثلاثة أفراد يركبون الموتوسيكل، وآخرون يركبون الميكروباصات أو أتوبيسات النقل العام. والجميع يلوحون بالأعلام المصرية، والمؤكد أن باعة الأعلام فى الشوارع سعداء الحظ بهذا الفوز.
الفرح لم يكن قاصرا على المصريين فى الداخل. ما فعله المصريون فى الولايات المتحدة كان عبقريا، ومشهد المصريين فى شوارع دالاس قبل وبعد المباراة مشابه لما حدث فى سياتل قبل أيام حينما فزنا على نيوزيلندا، وصعدنا للمرة الأولى للأدوار الإقصائية.
المصريون فى دالاس سجلوا ملحمة جديدة تؤكد الفكرة الجوهرية التى أكتب عنها كثيرا، وهى أن هذه النوعية من المصريين فى كل مكان بالداخل والخارج هى أثمن وأهم وأغلى ثروة نمتلكها، المصريون بالخارج لا يكتفون بتحويل العملات الصعبة للداخل فقط، ولكنهم أفضل سفراء لنا.
الفوز الأخير أعاد تذكيرنا بقيمة مصر، ومن لا يصدق ذلك عليه متابعة فيديوهات لأشقاء عرب وغير عرب يتحدثون بانبهار شديد عن الشخصية المصرية المتفردة التى تجعل الجميع يحبها ويقدرها بل ويعشقها فى كثير من الأحيان.
المصريون ليلة الجمعة الماضية عاشوا ليلة لا تنسى، والفضل الأول للمدير الفنى حسام حسن ومساعديه، بغض النظر عن الانتقادات السلبية الكثيرة لطريقة تفكيره وسلوكياته وبعضها صحيح جدا، لكن فى النهاية هو من حقق الانتصار ويستحق أن نحييه ونقدر له هذا الإنجاز التاريخى، ومعه بالطبع اللاعبون الرجالة من أول هيثم حسن نهاية بمحمد صلاح.
كرة القدم لم تعد «لعب العيال»، بل صارت عنوانا للقوة الناعمة لكل دولة، والبوتقة التى تنصهر فيها الروح الوطنية الجامعة لكل شعب.
تأملوا مشهد لاعبى المنتخب ومعهم كل المشجعين فى الاستاد وهم يعزفون النشيد الوطنى المصرى قبل بداية مباراة أستراليا وأعرف أسرا وقفت داخل بيوتها احتراما لعزف السلام الوطنى.
ما حدث فجر أمس أمر استثنائى لا يتعلق بالكرة وفنياتها فقط، بل بعناوين أخرى مهمة، منها العلاقة بين مصر وفلسطين وتصريحات حسام حسن الممتازة، ومنها المشاعر العربية الصادقة بحق مصر.
فوز المنتخب أسعد الملايين وأبكى وأحزن وأغضب أطرافا راهنت على إشاعة الفرقة والانقسام بين الشعوب العربية. وهذا حديث لاحق إن شاء الله.
مبروك لمصر وللمصريين
شكرا للمنتخب وجهازه الفنى، شرفتمونا ورفعتم رءوسنا.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي