قبل إعلان وفاة الجامعات الحكومية - محمد علاء عبد المنعم - بوابة الشروق
السبت 4 يوليه 2026 11:04 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

قبل إعلان وفاة الجامعات الحكومية

نشر فى : السبت 4 يوليه 2026 - 7:45 م | آخر تحديث : السبت 4 يوليه 2026 - 7:45 م

 كتبت فى هذه المساحة سابقًا أن سياسات الحكومة المصرية فيها ما يثير الشكوك بخصوص النوايا تجاه الجامعات الحكومية، وما إذا كانت النية قد بُيِّتت لتقليص حجمها ودورها فى ساحات التعليم العالى والبحث العلمى. قلت وقتها إن عددًا من المؤشرات يثير مخاوف بشأن تراجع، وربما تهميش، أدوار الجامعات الحكومية البحثية والتعليمية والمجتمعية، فى مقابل توسع وزيادة الاهتمام الرسمى بإنشاء الجامعات الخاصة والأهلية، التى صارت تمثل أملًا جديدًا فى إصلاح التعليم العالى فى مصر، وتحقيق الريادة المرجوة فى مجالات مثل الذكاء الاصطناعى والمياه والطاقة الجديدة.
يمضى التوسع فى إنشاء جامعات خاصة وأهلية بوتيرة حثيثة، لم يسبقها، مع الأسف، دراسة وافية لتجارب الجامعات الخاصة منذ تسعينيات القرن العشرين، وكثير منها لم يحقق نتائج تُذكر، خاصة فى مجالات البحث العلمى وخدمة المجتمع، ناهيك عما نراه فى وسائل الإعلام، وتتداوله الأحاديث فى الأوساط الأكاديمية، بخصوص ضعف أو غياب معايير النزاهة الأكاديمية فى عدد منها، وسيادة التنافس على الأرباح، حتى بين أفراد الأسر المالكة، بينما تغيب معايير التميز الأكاديمى.
أطرح فى هذه المساحة شواهد لتراجع الاهتمام الحكومى بالجامعات الحكومية، وخطورة هذه الشواهد، إن صحت، عسى أن أجد من يرد على هذه المخاوف أو يشتبك معها فى نقاش بنَّاء.

* • •

أولًا: شواهد تراجع الاهتمام الحكومى

1- الجامعات الحكومية وحدها تراجع تخصصاتها
عقدت جامعة القاهرة فى مايو الماضى ملتقى حول مواءمة التخصصات الجامعية لاحتياجات سوق العمل المستقبلى، وذلك بهدف ربط قبول الطلاب فى الكليات المختلفة باحتياجات سوق العمل، وهو توجه إيجابى من شأنه المساهمة فى تحقيق عائد إيجابى من الاستثمار فى التعليم العالى.
صرح بعدها وزير التعليم العالى والبحث العلمى بأننا نراجع جميع البرامج فى الجامعات المصرية، وليس الجامعات الحكومية وحدها.
إلا أن المشاهدات تعكس واقعا مغايرا، حيث تُنشأ جامعات خاصة وأهلية تشمل كليات وتخصصات بعيدة عما يمكن اعتباره من احتياجات سوق العمل المصرية، أو حتى الخارجية، مثل كليات طب الأسنان والحقوق، التى يوجد لدينا فائض من خريجيها، بينما يتشكك البعض فى أن لدى بعض الجامعات الجديدة ما يكفى من إمكانيات مادية وبشرية لضمان مستوى تعليمى جيد فى هذه التخصصات.

2- الإهمال الجسيم
أقول الإهمال الجسيم، وليس العمدى، فلا حاجة للخوض فى النوايا.
لقد صار الإهمال فى الجامعات الحكومية منذرًا بعواقب وخيمة.
مستشفى قصر العينى، على سبيل المثال، لم يعد يعانى فقط من ضعف الإمكانيات كما اعتدنا، بل صار مهددًا بالانهيار الفعلى، لا المجازى، بعد أن صارت بعض مبانيه آيلة للسقوط منذ قرابة خمس سنوات.
الغريب أن استمرار هذا الوضع يأتى فى زمن نهضة عمرانية تقودها الحكومة، ولا تُترجم هذه النهضة إلى محاولة لإعادة بناء وتأهيل مستشفى طب الأسنان بقصر العينى، التابع لجامعة القاهرة، حمايةً للأرواح والأدوار المنوطة بهذا المبنى العريق، فالمبنى متروك على حاله، بما يوحى للناظر غير المتخصص أن مصيره الانهيار فى أية لحظة.
أثار هذا الحال مخاوف الزملاء من أساتذة طب الفم والأسنان بجامعة القاهرة على مصير كليتهم وأرضها إذا انهار المبنى، لا قدر الله.
الإهمال نفسه أراه فى المدينة الطلابية بجامعة القاهرة.
أقوم بتدريس محاضرات الفرقة الأولى بكلية الاقتصاد فى المدينة الجامعية، بعد أن ضاقت قاعات الكلية بطلابها وأساتذتها. ورغم مشقة الرحلة من مبنى الكلية وصولًا إلى كوبرى عبور المشاة (الذى لا يوجد به مصعد أو سلالم كهربائية)، ثم العبور إلى الجانب الآخر من شارع أحمد زويل، حيث توجد المدينة، إلا أن التدريس فى كلية الاقتصاد لا يزال محببًا إلى قلبي.
لذا أحزننى أن أرى قطعانًا من الكلاب الضالة وقد استقرت فى المدينة الجامعية، حتى صارت مهددة للطلاب الساكنين بها، وأحزننى أن أتذكر أن هذه المدينة قد عاش فيها بعض أعلام الفكر والعلم والعمل العام فى مصر، ومنهم وزير الخارجية الحالى الدكتور بدر عبد العاطى.

3- الاستحواذ على بعض ممتلكات الجامعات والمراكز البحثية لغير أغراض التعليم والبحث العلمى
أعتقد، ويعتقد كثيرون غيرى، أنه لا منفعة عامة فى مصر أهم من البحوث العلمية المرتبطة بالغذاء والماء والطاقة.
لذا فزع كثيرون عندما صدر قرار نزع ملكية أراضٍ تابعة لمركز البحوث الزراعية، التابع لوزارة الزراعة، لاستغلالها فى أغراض استثمارية.
ويبقى مصير أرض نادى أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة، الواقع على شاطئ النيل بالمنيل، غير واضح، بعد صدور قرار إخلاء النادى وتخصيص قطعة أرض بديلة لإعادة إنشائه.

4- الخنق المالى والإدارى
ربما يكون هذا أخطر ما يواجه الجامعات الحكومية المصرية.
فلا بحث علميا دون تحرر من القيود المالية والإدارية، ولا يمكن توقع إنتاج علمى على مستوى قدرات الجامعات الحكومية وأساتذتها دون توفير التمويل اللازم، وإتاحة مساحة من حرية الحركة تسمح للأساتذة والباحثين بعقد المؤتمرات والمشاركات البحثية والحصول على تمويل بحثى دون قيود نابعة من ضغوط مالية تجبر أستاذ الجامعة على التنقل من جامعة إلى أخرى بحثًا عن مستوى حياة لائق، أو ضغوط إدارية تضيف أعباءً غير مفهومة إلى البحث العلمى.
أتذكر أننى اقترحت استضافة أحد أساتذتى بالولايات المتحدة عبر «زووم» ليحدثنا عن الجدل الذى أثاره قيام الرئيس ترامب بتقليص الحكومة الفيدرالية، ونقل عدد من صلاحياتها إلى حكومات الولايات. ظننت وقتها أن مثل هذا الملتقى سيكون مفيدًا للطلاب والأساتذة المهتمين بالشأن الأمريكى.
وما إن علمت بالأوراق المطلوبة حتى اعتذرت لزملائى بالقسم عن عقد الفعالية، وأرسلت اعتذارى بالبريد الإلكترونى إلى أستاذى بالولايات المتحدة.

* • •

ثانيًا: خطورة ذبول الجامعات الحكومية

ترتبط الجامعات الحكومية فى ذهن كثير من المصريين بأفكار العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والترقى الاجتماعى.
ومع تقدير التبعات السلبية للتوسع غير المخطط، أحيانًا، فى التعليم الجامعى، وتدنى مستويات عدد من الكليات، يظل التعليم الجامعى إحدى بوابات الترقى الاجتماعى القليلة التى صمدت أمام موجات المحسوبية والطبقية والضغوط الاقتصادية التى يعانى منها كثير من شرائح المجتمع المصرى.
ولا تقتصر أهمية الجامعات الحكومية على الأبعاد الاجتماعية وحدها.
من الناحية البحثية، فإن غالبية التصنيفات الدولية تضع الجامعات الحكومية على رأس الجامعات المصرية الحاصلة على تصنيفات دولية متقدمة بين جامعات العالم.
ولا يمكن إنكار الدور الذى يمكن أن تلعبه الجامعات الخاصة والأهلية فى البحث العلمى، بشرط أن تعمل فى إطار رؤية شاملة بقيادة ومتابعة حكومية، حتى لا يقتصر دورها على رفع حمل الإنفاق على التعليم العالى عن كاهل الحكومة.
ومن هنا تبرز أهمية التوسع فى تمويل الحكومة للأبحاث العلمية، ويكون بعض هذا التمويل قائمًا على التنافس بين الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة، بحيث تحصل الجهة الأجدر على التمويل.
هذا التمويل الحكومى التنافسى، إلى جانب ضرورة زيادة الإنفاق على التعليم والبحث العلمى فى الجامعات الحكومية، هى أمور لا غنى عنها للتقدم العلمى وحماية الأمن القومى المصرى، وعلينا أن نتذكر أن القطاع الخاص سيمول الأبحاث التى يمكن تحويلها إلى منتجات قادرة على المنافسة فى الأسواق، ولكن الأبحاث الأساسية (Basic Research)، التى تُبنى عليها الأبحاث التطبيقية لاحقًا فى مجالات مثل ميكانيكا الكم والجينوم البشرى، لا يمكن أن تتم بدون تمويل وتنظيم ودعم حكومى.

* • •

يرتبط تراجع البحث العلمى والنقاش الأكاديمى بتدنى النقاش العام، وحتى أداء الحكومة وخطابها.
يكفى أن نشاهد برامج تليفزيونية حوارية حتى نرى ونسمع قدرًا غير قليل من «الهبد» فى الخطاب الرسمى وغير الرسمى، وقد دخل مصطلح «الهبد» إلى اللغة الدارجة فى إشارة إلى تناول موضوعات دون بيانات أو دراسة وفهم متعمق لأبعادها، وغمر هذا «الهبد» واقعنا، من نظام الطيبات وجهاز الكفتة، إلى تقديم الحكومة لقانون الإيجار القديم دون بيانات كافية، كما أشار رئيس مجلس النواب وقتها، إلى سجالات الكلاب الضالة، التى تبنت خلالها وزارة الزراعة حلولًا كان يكفى طرحها على ChatGPT لمعرفة أنها بلا جدوى، مثل التعقيم وإعادة الإطلاق.

* • •

عند شرح تاريخ الإدارة العامة لطلابى، أبدأ بتوضيح أن دراستنا ستُبنى على التجربة الأمريكية، لأن إسهامات الباحثين المصريين والعرب فى صياغة نظرية للإدارة العامة تعد محدودة.
أحد الأسباب المطروحة للنقاش أننا لم نمر فى منطقتنا بعصر الثورة الصناعية، وقد تطور علم الإدارة العامة الحديث فى الغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر استجابة للثورة الصناعية، فى سعى لتحسين أداء المؤسسات الحكومية والخاصة وتعظيم الإنتاج.
أخشى أن تأتى أجيال من بعدى، بصرف النظر عن أشكال الجامعات وقتها، فلا يجدون مصادر عربية لتدريس الإدارة العامة، لأن عصر الذكاء الاصطناعى قد مر من أمامنا كما مرت الثورة الصناعية، دون أن ندرى.

عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

 

محمد علاء عبد المنعم عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة
التعليقات