البحث عن ليلى مراد - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 4 يوليه 2026 11:03 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

البحث عن ليلى مراد

نشر فى : السبت 4 يوليه 2026 - 7:50 م | آخر تحديث : السبت 4 يوليه 2026 - 7:50 م

يحقِّق هذا الكتاب تفرّده بمنهجه الذى يربط سيرة بطلته المطربة العظيمة ليلى مراد بسيرة وطنها، والذى يمزج بين الخاص والعام، وبين الفنى والسياسى والدينى والاجتماعى والجندرى (الخاص بالنوع) فى وحدة واحدة، محاولًا أن يرسم صورة أقرب إلى الحقيقة، ورغم أننى لم أتفق مع بعض النتائج، فإننى أقدر كثيرًا هذا الجهد الكبير، منهجًا ومادة وبناء، وتناولًا عميقًا وجادًا.
الكتاب الصادر عن دار الكتب خان بعنوان «الماضى المجهول.. ليلى مراد نجمة مصر اليهودية المسلمة»، من تأليف د. حنان حماد أستاذة التاريخ الحديث بجامعة تكساس، ومن ترجمة بسمة ناجى. حكاية المؤلفة مع ليلى بدأت بالارتباط بأغنياتها، ولكنها قدمتها هنا بكل جوانبها، قوة وضعفا، ونجاحا وفشلًا، والأهم أنها بذلت جهدًا عظيما فى العودة إلى المصادر، بل واكتشاف أقدم مذكرات منشورة عن ليلى مراد فى الخمسينيات، كما اعتمدت على مصادر غير تقليدية مثل أبواب «النميمة» فى الصحف والمجلات فنية.
أعجبنى كثيرًا هذا المنهج لأنه يضع الفنان فى قلب مجتمعه، يجعله مؤثرًا فى هذا المجتمع، مثلما تبدو حياة الفنان نفسها مرآة لتطورات سياسية واجتماعية كبيرة، وليلى مراد بالذات، المولودة فى العام 1918، اختيار موفق لأنها نقطة التقاء نادرة لمكونات شتى ومتداخلة، فقد ولدت لأسرة يهودية من أصول مغربية، وكان جدها لأمها «حزّانا»، أى منشدًا يهوديًا، وكان والدها زكى مراد مطربًا معروفًا، ولكن حياته تعرضت لنكسات كثيرة، وبسبب صوت ليلى الجميل احترفت الغناء فى وقت مبكر للغاية، وخلال سنوات قليلة أصبحت من أشهر نجمات الغناء، وأشهر وأغلى نجمات السينما الغنائية المصرية فى عصرها الذهبى.
يربط الكتاب صعود ليلى مراد الفنى بعدة رجال مثل الأب زكى مراد، ومحمد عبد الوهاب الذى قدّمها كبطلة فى فيلم «يحيا الحب»، ويوسف وهبى وتوجو مزراحى وأنور وجدى، الذين كانوا وراء استمرارها كنجمة سينمائية لامعة فى أفلام أصبحت اليوم من الكلاسيكيات، وتلاحظ د. حنان أن هذا المحيط الذكورى قد حدد الصورة الفنية التى ظهرت بها ليلى مراد، بداية من صورة الفتاة الرشيقة ذات الخصر النحيل، حيث أجبرها المخرج محمد كريم على ريجيم قاس أثر على صحتها، وانتهاء بالأفكار التى تقدمها أفلامها عن المرأة الممتثلة لسلطة زوجها، والتى قد تمتلك فرصة للتوبة إذا أخطأت.
ورغم أن ليلى بدأت فى إدارة شئونها المالية بشكل مستقل عندما وصلت إلى سن الحادية والعشرين، ورغم أنها عبّرت عن قدرة عملية فى المفاوضة والحصول على حقوقها مع المنتجين (حصلت على 12 ألف جنيه كأجر عن بطولة فيلم «شهداء الغرام»)، إلا أن هذه الدائرة الذكورية ظلت مؤثرة على حياتها، بالذات بعد زواجها السرى بالضابط وجيه أباظة، ثم إنجابها منه، والكتاب يمنح هذه التجربة أهمية كبرى فى مسيرة ليلى.
تحاول د. حنان أن تختبر أثر الدين والسياسة على حياة ليلى مراد، فتتوقف مثلًا بالتحليل عند تحول ليلى إلى الإسلام، ورغم هذا التحول فإن أغنياتها مُنعت فى سوريا، بعد اتهامها ظلمًا بأنها تبرعت لإسرائيل، وتسببت هذه الشائعة فى خسائر فادحة لمنتجى أفلامها وأغنياتها، وبينما نفَت الأجهزة المصرية الرسمية تلك التهمة، قامت ليلى من ناحيتها بتقديم نشيد التحرير (أغنية على الإله القوى الاعتماد)، وتبرعت للجيش المصرى، وشاركت فى قطار الرحمة لجمع التبرعات من المحافظات المصرية، وتزوجت سرا من الضابط وجيه أباظة.
وحتى بعد وفاتها ظهرت شائعات عن عودة ليلى مراد إلى اليهودية، وهو ما تم نفيه قطعيا، وبدأ كل تيار يستخدم حكاية ليلى عمومًا بما يناسب مذهبه السياسى والدينى؛ أى إن كل طرف استغل «قصتها» بما يناسب اتجاهه السياسى، سواء كان ليبراليا أو قوميا أو إسلاميا.
ليلى مراد فى الكتاب ليست قوية على طول الخط، بل هى أقرب إلى الهشاشة فى أوقات كثيرة، إنها تسكت تمامًا فلا تعلن زواجها السرى، ولا تتحدث عن ابنها الذى أنجبته من هذا الزواج، وهى تتعرض لانتكاساتٍ متتالية تقودها إلى دخول المستشفى مصابة بانهيار عصبى فى نهاية الخمسينيات، وتصبح وحيدة بعد وفاة إبراهيم، شقيقها ومدير أعمالها.
أما علاقتها بأنور وجدى فهى دراما كاملة، قصة حب ونجاح، ولكنها أيضًا حكاية شد وجذب وانفصال، فقد انفصلا ثلاث مرات خلال سبع سنوات فقط، وكانت الخلافات المالية وظروف العمل فى الأفلام المشتركة من أهم عناصر الخلاف..
ويحاول الكتاب فرز وتفنيد ومقارنة الروايات المختلفة، بعضها يزعم أن أنور وجدى لم يكن يعطيها أجرًا، والبعض يتحدث عن رفضه لعملها فى أفلام الآخرين، روايات أخرى تتحدث عن خيانات زوجية للفتى الوسيم، ولكن المؤكد أنه كان يحبها، وقد سافرت إلى باريس لكى تكون إلى جواره عندما عرفت بمرضه الخطير، رغم أنهما كانا منفصلين.
كانت ليلى موهبة استثنائية وفريدة، ولكنها كانت ابنة ظروفها، وابنة التغيرات التى حدثت فى وطنها، وعكست صورتها والنظرة إلى حياتها تغير مفهوم «الهوية المصرية» سواء فى الاتجاه القومى أو الإسلامى، أو حتى فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل حربًا وسلامًا.
أختلف فقط فى تقديم تفسيراتٍ غير فنية لابتعاد ليلى مراد، والإشارة إلى علاقة رئيس مؤسسة السينما بوجيه أباظة لتفسير رفضه التعاون مع ليلى فى مشروعات أفلام. تراجعت ليلى - فى رأيى - لأن أعمدة نجاحها ذهبوا، لا وجود لتوجو أو وجدى، ولا ألحان من عبد الوهاب أو السنباطى أو القصبجى، وحتى ألحان الجيل الجديد لها مثل بليغ والطويل يخطفها آخرون مثل عبد الحليم ونجاة، لم يكن مناسبًا أصلًا أن تعود ليلى كممثلة، ومطربة سينمائية، وإذا كانت المشكلة فى نظامٍ بعينه فلماذا لم تعد ليلى مثلما عادت برلنتى عبد الحميد، ومها صبرى، بعد الحقبة الناصرية؟
الإجابة هى: كانت قد صنعت مجدًا لا يمكن مقارنته بأى جديد، وكانت صورتها الفنية الذهبية قد ابتلعت تمامًا وإلى الأبد صورتها الواقعية الراهنة.

 

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات