لبنان وسوريا واقتصاد الكاش - سمير العيطة - بوابة الشروق
الإثنين 16 فبراير 2026 10:46 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

لبنان وسوريا واقتصاد الكاش

نشر فى : الأحد 15 فبراير 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الأحد 15 فبراير 2026 - 7:05 م

أدّى الانهيار المالى فى لبنان عام 2019 إلى فقدان ثقة اللبنانيين المقيمين وغير المقيمين فى البلاد، وكذلك السوريون وغيرهم، بالمصارف اللبنانيّة؛ حيث فقدت الودائع بالعملة المحليّة قيمتها، وتجمّدت الودائع بالعملات الخارجيّة، وأضحت تُسمّى «لولارات»، دولارات أمريكيّة مسجّلة فى ميزانيّات المصارف، فقدت هى أيضا قيمتها كالليرة اللبنانيّة، ولا يمكن للمودعين استرجاع سوى مبالغ زهيدة منها بالقيمة الحقيقيّة. ولكى تستمرّ المصارف بالعمل، خاصّةً فى مجال التجارة الخارجيّة، تمّ قبول ودائع جديدة بالعملة الصعبة يمكن تحريكها بحريّة، وتمّ ابتداع اسم لها كـ«دولارات طازجة» Fresh Dollars.

لم يأتِ ذلك الانهيار المالى صدفةً، بل كان نتيجة سياسات نقديّة لمصرف لبنان؛ حيث اعتمد تثبيت سعر صرف العملة الوطنيّة لسنوات طويلة رغم التضخّم، ورفع أسعار الفائدة بشكلٍ كبير على العملات الصعبة، واستجلاب ودائع متعاظمة بهذه العملات تحوّلت فى النهاية إلى.. مواد استهلاكيّة، معظمها مستوردة. هكذا تمّ شراء السلم الأهلى بعد الحرب الداخليّة عبر رفع مستوى الإنفاق الاستهلاكى والمستوردات، مقابل تصدير.. الشباب والعمالة اللبنانيّة إلى الخارج. هذا إلى درجة أخلّت بالتوازن الديمجرافى اللبنانى، الذى اهتزّ أكثر بعد لجوء مئات آلاف السوريين.

وتجاه فقدان الثقة بالمصارف، هيمن النقد «الكاش» بالعملة الصعبة على التعاملات، بحيث أضحى حجم النقد الأجنبى المتداول يُقدّر بعشرة أضعاف النقد اللبنانى، ما يرمز إلى فقدان الثقة أيضا بالعملة الوطنيّة، رغم إعادة تثبيت سعر الصرف. ونشأت آليّات بديلة انطلقت من شركات تحويل الأموال من المغتربين فى الخارج، تحوّلت إلى أنظمة دفع إلكترونيّة داخليّة لكلّ المؤسسات العامّة، وبين الأفراد والشركات. أهمّ هذه الأنظمة هى شركة OMT التى تربط مئات نقاط التحويل، أى شبكةً أوسع بكثير من أى مصرف، مستفيدةً من الرخصة الممنوحة لها من أهمّ شركات التحويل العالميّة Western Union. وتبعتها شركات أخرى كـWish.

لقد فرضت شركات الدفع الإلكترونى هيمنتها على التعاملات الماليّة، بل أضحت تُصدر بطاقات دفع عالميّة، Visa أو MasterCard، عبر رخص من المصارف العاملة، ومقابل ودائع نقديّة. إلاّ أنّه لا يحقّ لها استخدام هذه الودائع للإقراض كالمصارف. بالتالى تعطّلت، ولزمنٍ طويل، الوظيفة الرئيسيّة للقطاع المصرفى، وهى إقراض الودائع بغية التنمية وإعادة الإعمار، مهما كانت نتيجة مشروع قانون «الانتظام المالى واسترداد الودائع» الذى يُناقش اليوم. هكذا أضحت عمالقة شركات التحويل والدفع الإلكترونى أقطابا أساسيّة لأيّة إعادة هيكلة للمصارف. ومع أنّ شركات التحويل والدفع الإلكترونى تمتصّ جزئيّا هيمنة التعامل بالنقد الورقى بالعملة الأجنبيّة، وتعتمد، نظرا لشراكاتها الخارجيّة، أنظمة «التعرّف على العميل KYC»، إلاّ أنّ لبنان أضحى على القائمة الرماديّة لـ«مجموعة العمل المالى الدوليّة FATF»، مع شبهة فى تبييض الأموال، ما يشكّل رادعاً للاستثمارات والتعاملات، وكذلك لإعادة نهوض القطاع المصرفى.

• • •

اللافت اليوم أنّ سوريا تتبع حاليّا منهجا موازيا، وإن كانت الأسباب مختلفة.

لقد تطوّر القطاع المصرفى فى سوريا خلال سنوات ما قبل الصراع، بحيث دخلت مصارف خاصّة إلى القطاع، انطلاقا من مصارف لبنانيّة وأردنيّة وخليجيّة، أخذت تدريجيّاً حصّةً ملحوظة من السوق. ودفعت هذه المنافسة الخاصّة إلى بعض الإصلاحات فى المصارف الحكوميّة العاملة، لكن دون إعادة هيكلة حقيقيّة لأوضاعها. ثمّ جاء الصراع والعقوبات الخارجيّة وتدفّق أموال المساعدات الخارجيّة الإنسانيّة وللمقاتلين.

وقد بقى القطاع المصرفى يعمل بالحدّ الأدنى، استجلابا للودائع وإقراضا، رغم صعوبات كبيرة نتيجة انهيار سعر صرف العملة السوريّة، الذى ترافق بشكلٍ كبير مع الانهيار المالى فى لبنان، والعقوبات المفروضة على مصرف سوريا المركزى، وكذلك نتيجة صعوبة التعامل مع مصارف مراسلة فى الخارج، وتلاعب مموّلى السلطة البائدة فى بعض المصارف الخاصّة والعامّة. هكذا، ورغم منع التعامل المحلّى بالعملات الصعبة، نشأت آليّات حوالات غير رسميّة، خاصّةً عبر تركيا والإمارات، لتحويلات المغتربين ولتمويل الاستيراد غير الرسمى.

وبالوقت نفسه، خرجت التعاملات الماليّة فى مناطق شمال غرب وشمال شرق سوريا عن رقابة مصرف سوريا المركزى، وهيمن التداول بالعملات الأجنبيّة على هذه المناطق، خاصّةً الليرة التركيّة فى الشمال الغربى. ونشأت «شركات» صرافة غير رسميّة، أغلبها فى تركيا، لتحويل أموال المساعدات الكبيرة للنازحين، ولتحويلات المغتربين والتجارة.. ولدفع أجور المقاتلين. وتداخلت أعمال بعض هذه «الشركات» مع سبل تمويل «داعش»، مثل «شركة» عبد الرحمن الراوى، الأمر الذى دفع تركيا إلى نشر مكاتب البريد التركى فى شمال غرب سوريا، و«حكومة الإنقاذ» إلى إصدار «ترخيصات» لبعض هذه الشركات. وبما أنّ تداول ونقل النقود أمر شاق، تمّ تأسيس أنظمة دفع إلكترونيّة داخليّة، هيمنت عليها «شركة شام كاش»، التى تتعامل مع «شركات الصرافة» للقبض أو الدفع نقدا، دون أن تتوضّح مصادر ودائع «شام كاش».

بعد سقوط سلطة الأسد وتوحيد أغلب البلاد، عملت السلطات النقديّة على تثبيت سعر صرف العملة السوريّة مقابل الدولار، ما أدّى إلى تحسّن سعر صرف الليرة السوريّة مقارنةً بالليرة التركيّة، التى تنخفض تدريجيّاً مقابل الدولار، ولأكثر من 40% فى سنة واحدة، ما يعنى تشجيعاً للاستيراد من تركيا، شريك التبادل التجارى الأساسى لسوريا اليوم. بالتوازى، ولتثبيت سعر الصرف، تمّ حبس السيولة النقديّة عن الأفراد والمصارف. هكذا تمّ فرض عدم تحريك أو سحب الودائع القديمة، كما هو الأمر فى لبنان بالنسبة إلى «اللولارات»، وتقنين سحوبات الأجور للأفراد وسحوبات الشركات، ما قوّض الثقة بالقطاع المصرفى، خاصّةً المصارف العامّة التى كانت أغلب أجور الموظّفين الحكوميين تُدفع عبرها.

كذلك تمّ فرض تطبيق «شام كاش»، غير المرخّص محلّيّاً ودوليّاً، كبديل لدفع أجور موظّفى الدولة وللتعاملات الماليّة. كما تمّ الترخيص «المؤقّت»، بانتظار استكمال تسمية مجلس شعب لتعديل قانون النقد والتسليف، لمعظم شركات الصرافة القائمة فى شمال غرب سوريا للقبض والدفع، والتى انتشرت بشكلٍ كبير فى كلّ أنحاء البلاد، علماً أنّها و«شام كاش» لا تلتزمان حقّاً بنظام «التعرّف على العميل KYC» واشتراطاته الدوليّة، ولذا لا تتعامل المصارف السوريّة معها.

ثمّ أتى تغيير العملة السوريّة وحذف الصفرين، دون أن يكون ذلك دعماً ورديفاً لإصلاحات اقتصاديّة جوهريّة، كما كان الأمر فى فرنسا عام 1958. وقد تفاقم حبس السيولة مع التغيير، إذ بقيت شركات الصرافة تُعطى ليرات سوريّة «قديمة» جديدة غير مستعملة، فى حين لا تتوفّر الليرات الجديدة لدى المصارف الممنوعة من التداول بالعملة «القديمة»، وذلك ما فاقم من انعدام الثقة بالمصارف، والأهمّ من سيولة المؤسسات الأمميّة والإغاثيّة لتوزيع المساعدات.

وقد تمّ التصريح عن قيمة الذهب فى احتياطيّات المصرف المركزى لدعم العملة الجديدة، دون الإشارة إلى موجودات المصرف المركزى من العملات الصعبة، فى حين لا يُمكن التفريط فى احتياطى الذهب لتغطية تسارع الواردات السوريّة دون مقابل لها من صادرات البضائع والخدمات.

• • •

هكذا دفعت السياسة النقديّة المتّبعة فى سوريا إلى هيمنة الاقتصاد النقدى «كاش»، خاصّةً بالعملات الأجنبيّة، بالشراكة مع منظومة دفع إلكترونى تتعامل أساساً مع شركات الصرافة بدلاً من القطاع المصرفى، ما يقوّض جهود إعادة النهوض بالاقتصاد والإعمار، ويجعل صعبا إخراج سوريا من القائمة الرماديّة لـ«مجموعة العمل المالى الدوليّة FATF» ومن القائمة الأمريكيّة «للدول الراعية للإرهاب».

لا يُمكن للبنان أن ينهض من جديد دون أن يُصلح إدارة النقد وقطاعه المصرفى بشكلٍ جدّى، وليست سوريا مضطرّة، بعد رفع العقوبات الأمريكيّة والأوروبيّة والدعم الدولى الكبير الذى تحظى به السلطات الحاليّة، أن تنحو ذات المنحى الذى أخذ لبنان إلى أزمته، كى تصبح صادرات سوريا الوحيدة.. هى جيلها الشاب الذى نجح بأن يتعلّم رغم كلّ الظروف.

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

 

سمير العيطة رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب
التعليقات