وصفت الكاتبة والأكاديمية الدكتورة مي التلمساني رواية «أصدقائي» للكاتب الليبي هشام مطر بأنها «عمل صرحي كبير»، مشبهة تجربة قراءتها بالدخول إلى كاتدرائية، لما يتسم به بناؤها من ثراء جمالي، تتساوى فيه أهمية التفاصيل الدقيقة مع عمق الأسئلة الفلسفية حول الصداقة.
جاء ذلك خلال مناقشتها الرواية في حفل إطلاقها، مساء الأربعاء، بمكتبة القاهرة الكبرى، وأدار الندوة الدكتور محمد أبو الغار.
وأوضحت التلمساني أنها أرادت أن تبدأ قراءتها من العلاقة بين الأدب والفنون الأخرى، وكيف تتجلى الروافد الثقافية المتنوعة لمطر داخل الرواية، مستندة إلى زوايا نظر تجمع بين تجربتها بوصفها روائية وأكاديمية ومترجمة.
وأشارت إلى أنها طلبت من ابنها المقيم في إنجلترا إحضار الرواية قبل نحو عام ونصف العام، لتجد نفسها، بعد الانتهاء منها، أمام مشروع أدبي ضخم، استدعى لديها إحساس الدخول إلى كاتدرائية.
وأكدت أن «الصرحية» التي تقصدها لا ترتبط بحجم الرواية، وإنما بطبيعة مشروعها وتكوينها الجمالي؛ إذ رأت فيها ما يشبه كاتدرائية قوطية، تتكامل عناصرها وتفاصيلها داخل بناء واسع ومحكم.
وربطت التلمساني هذا الانطباع باهتمام مطر بالفن التشكيلي، موضحة أن تعرفها إلى كتابه «شهر في سيينا»، وما يتناوله من رحلة وعلاقة بالفن، أضاء لها ذلك الإحساس الذي صاحب قراءة «أصدقائي»، وما استدعته من فنون العصور الوسطى، قبل عصر النهضة، والجداريات الكبيرة «الفريسكو».
واستحضرت إبداعات فنانين من بينهم جيوتو ومارتيني، مشيرة إلى ما قدموه من تكوينات ضخمة وصرحية في تاريخ الفن، وإلى قدرتهم على منح «السطح والعمق» القدر نفسه من الأهمية؛ فالتفاصيل المرئية في هذه الجداريات تحظى بعناية توازي ما تحمله من معانٍ ودلالات، سواء تناولت موضوعات من الكتاب المقدس أو مشاهد من الحياة اليومية.
وأوضحت أن هذا التصور وجدت صداه في «أصدقائي»؛ فإلى جانب ما وصفته بأنه «منحى فلسفي كبير» حول الصداقة و«مشروع الصداقة»، تحضر التفاصيل الصغيرة والدقيقة لمشاعر الشخصيات والأماكن التي تتحرك فيها، وتحظى جميعها بالمستوى نفسه من الاهتمام.
وأضافت أن وراء هذا «العمل الصرحي» فكرًا أعمق مما تكشفه الحكاية وحدها؛ إذ يمكن تلخيص أحداث الرواية في عدد من السطور، لكن ذلك لا ينقل حقيقة التجربة التي يعيشها قارئها، ولا يكشف ما تنطوي عليه من ثراء فني.
وتوقفت التلمساني عند مفتاح الرواية، واصفة إياه بأنه «جميل وخاص»، لأن مطر يبدأ من النهاية، وتحديدًا من لحظة نهاية الصداقة، ليجعل القارئ متشوقًا إلى معرفة ما قاد الشخصيات إلى تلك اللحظة.
وشبّهت هذا الاختيار بأسلوب التشويق لدى هيتشكوك، حين يكشف مبكرًا عن هوية القاتل، بينما يظل المتفرج يتابع لمعرفة الدافع وراء الجريمة؛ فمعرفة النهاية لا تبدد التشويق، بل تجعل السؤال عن أسبابها هو الدافع إلى متابعة الحكاية.
وأوضحت أن زمن المشي يشكل الإطار الذي يتكون داخله البناء الروائي من الذكريات، مشيرة إلى أن مطر يرفض الخطية في التعامل مع الزمن، ويقدمه عبر «مستويات متعددة ومتداخلة»، تتجاوز التعاقب المباشر للأحداث وتربط بين المكان والذاكرة.
واعتبرت أن قارئ «أصدقائي» يكتشف أنه أمام «عمل جمالي كبير وعظيم»، يتفوق حتى على مؤلفات سابقة للكاتب نفسه، مؤكدة أن جماليات الرواية لا يمكن اختزالها في ملخص لأحداثها، وإنما تتجلى عبر القراءة وتأمل العلاقات بين تفاصيلها ومستوياتها المختلفة.
وأشارت إلى أن اهتمام مطر بالهندسة والعمارة والفن التشكيلي، وتعدد مصادره الثقافية، ينعكسان بوضوح في الرواية، ويكشفان عن علاقة وثيقة بين القالب الأدبي والفنون الأخرى، وهي العلاقة التي اختارت أن تجعلها مدخلًا لمناقشتها.
وأضافت أن هذه الأبعاد قد تتجاوز انتباه بعض القراء إذا انصب اهتمامهم على القصة وحدها، لكنها تستوقف المهتمين بتشكيل النص الأدبي وصلاته بالفنون، وبأهمية هذه الفنون في تجربة مطر شخصيًا، وما يستطيع الأدب أن يتيحه من إمكانات تعبيرية وجمالية.
وشهد اللقاء حضور المهندس إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة الشروق، وأميرة أبو المجد، مدير النشر والعضو المنتدب لدار الشروق، وأحمد بدير، مدير عام الدار، والدكتور عماد أبو غازي، ونسمة يوسف إدريس، والكاتب الصحفي طلعت إسماعيل، مدير تحرير جريدة الشروق، والروائي الكويتي عبد الوهاب الحمادي، والكاتبة نورا ناجي، والروائية شيرين سامي، والروائية رشا عدلي، والشاعرة وئام أبو شادي، والناشر شريف بكر، والكاتب أشرف العشماوي، والدكتورة غادة لبيب، والكاتب محمد البرمي، وبانة مشتاق، والشاعر شعبان يوسف، والدكتورة نشوى صلاح، والكاتب الصحفي سيد محمود، والروائي أحمد الفخراني، والكاتبة مروة مجدي، ومصطفى الطيب، وهدى أبو زيد، ونانسي حبيب، وأحمد أسامة، وعمرو عز، إلى جانب أسرة الكاتب الليبي هشام مطر، وجمع كبير من القراء ومحبي كتاباته.