قال الكاتب والناقد مجدي نصار إن ديوان «ورق حائط» للشاعرة والمترجمة الجزائرية لميس سعيدي يخوض مخاطرة شعرية حقيقية وغير مضمونة النتائج، تتمثل في تحويل الحقائق التاريخية والجغرافية والسياسية والإنسانية إلى مادة شعرية، مشيرًا إلى أن الشاعرة تراهن على تجاوز فخ التقريرية والواقعية المباشرة، وإعادة صياغة الوقائع من خلال صوتها وتجربتها الخاصة.
جاء ذلك خلال كلمته في حفل مناقشة ديوان «ورق حائط»، الصادر عن «دار العين للنشر»، بمقر الدار في وسط البلد بالقاهرة، بحضور عدد من الأدباء والنقاد والمثقفين.
وأوضح نصار أن «المخاطرة» في تجربة سعيدي تبدأ من تعاملها مع حقائق موضوعية وتاريخية وجغرافية معروفة، سواء ما يتعلق بتاريخ الجزائر وجغرافيتها والتحولات السياسية واليسارية والاشتراكية، أو شخصيات وأحداث تاريخية عالمية، وصولًا إلى قضايا قومية وإنسانية مثل القضية الفلسطينية، موضحًا أن الشاعر حين يغوص في الذات للتعبير عنها يمكنه أن يفتح مسارات تتجاوز التجربة الفردية إلى مساحات أوسع تشترك فيها ذوات وتجارب أخرى.
وأشار إلى أن سعيدي لا تكتفي باستدعاء هذه الحقائق، وإنما تجمع مواد من الواقع، سواء كانت تاريخية أو جغرافية أو نصية أو فنية، ثم تضعها داخل متنها الشعري الخاص، مستعينة أيضًا بتناصات مع أغانٍ وأعمال فنية وذاكرة جيل الثمانينيات، لتعيد تشكيل هذه المواد داخل القصيدة.
وأضاف أن اختيار عنوان «ورق حائط» يرتبط بهذا البناء، فالحائط يحمل أوراقًا وصورًا ومواد متباينة، بينما تقوم الشاعرة بجمع هذه العناصر وترتيبها داخل تجربتها، بحيث تتحول التفاصيل المتناثرة إلى بناء شعري متماسك.
ولفت نصار إلى أن الشاعرة تستدعي في بعض قصائدها أشياء وتفاصيل يومية شديدة الخصوصية، من البيت وبيت الجدة ورغيف الخبز إلى الذكريات والأغاني والألعاب اللغوية، لكنها لا تتوقف عند حدود الصورة أو المفارقة، وإنما تستخدمها للوصول إلى دلالات أوسع تتصل بالذاكرة والتحولات الاجتماعية والسياسية، ولا سيما فترة الثمانينيات وما تركته من آثار.
وأكد أن لميس سعيدي لا تقدم تعبيرًا خالصًا عن الذات الفردية، وإنما تفتح هذه الذات على ذوات أخرى ومساحات جماعية وإنسانية أوسع، وهو ما يجعل الديوان ينتقل من التجربة الشخصية إلى أفق إنساني واجتماعي وعالمي.
وتحدث نصار عن مفهوم «القصدية» في تجربة سعيدي، مستندًا إلى تنظيرات الناقدة الفرنسية سوزان برنارد حول قصيدة النثر، موضحًا أن الشاعرة تجمع منذ البداية عناصر مختلفة من العالم وتضعها داخل مساحة شعرية محددة، بحيث لا تأتي الاستعانة بالتاريخ والجغرافيا والأغاني والوقائع بوصفها حشدًا للمعلومات، وإنما باعتبارها جزءًا من بناء القصيدة.
وأضاف أن هذا البناء يحقق كذلك نوعًا من «الوحدة الموضوعية»، إذ تتجمع العناصر المتفرقة حول رؤية شعرية واحدة، حتى عندما تتعدد مصادرها ومرجعياتها.
وشبّه نصار ما تفعله سعيدي بتحدٍ يقوم على الانتقال من الحقيقة التاريخية إلى الحقيقة الشعرية؛ فالتاريخ يقول إن أحداثًا معينة وقعت، أما الشاعرة فتضع صوتها الشخصي وتأويلها على هذه الوقائع، وتعيد تقديمها من منظورها، لتتحول الحقائق الموضوعية إلى تجربة شعرية حية.
وأكد أن هذه هي المخاطرة الأساسية التي خاضتها لميس سعيدي في «ورق حائط»: أن تضع أمام القارئ كل هذه الحقائق والتفاصيل على «حائط التاريخ»، ثم تضيف إليها صوتها الخاص، فلا يبقى التاريخ مجرد وقائع صامتة، وإنما يصبح مادة لإنتاج الشعر وإعادة قراءة الذاكرة.
وبيّن نصار أن وجود الهوامش في الديوان لم يأتِ لملء الفراغ، بل ليترك خلف كل نص مساحة واسعة من التفاعل والفراغ التأويلي للمتلقي، مشيرًا إلى أن هذه الهوامش تضيء المتون التاريخية والفنية، وتدعو القارئ للبحث والتقصي عبر الوسائط المختلفة لاستكمال دلالات الأغاني والأحداث الشخصية والسياسية المستدعاة داخل النص.
وأضاف أن الشاعرة تتمتع بوعي حاد في إدارة أدواتها الشعرية؛ حيث لا تغيب ذاتها الواعية بدورها في افتتاحيّة القصائد وإغلاق الديوان كبناء مكتمل يستوفي شرط الوحدة الموضوعية. ولفت إلى إتقانها استخدام الدوال والمفردات الثقافية دون الاستغراق في الشرح—كاختيار "الجينز" كرمز للثقافة الغربية—واستدعاء رموز شعرية كأحمد فؤاد نجم، وسعدي يوسف، ومحمود درويش لتمثيل أفق فكري وإنساني مُقاوم، مؤكدًا أن الفن قائم في جوهره على الانتقاء.
واختتم نصار بالوقوف عند سؤال "المخاطرة والجرأة" في تجربة سعيدي، مؤكدًا أن الذات الشاعرة لا تنفي نفسها نفيًا تامًا أمام ثقل التاريخ والزمن وحضور الأب وذاكرة الثمانينيات، بل تنصهر بعمق مع كل ما حولها لتصعد بالقصيدة إلى مستويات جمالية خاصة ومبتكرة.