أيام القاهرة (8).. رؤية للمدينة بعيون القنصل الفرنسي لمصر في العهد العثماني - بوابة الشروق
الثلاثاء 16 أبريل 2024 8:12 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

أيام القاهرة (8).. رؤية للمدينة بعيون القنصل الفرنسي لمصر في العهد العثماني

محمد حسين
نشر في: الثلاثاء 2 أبريل 2024 - 3:07 م | آخر تحديث: الثلاثاء 2 أبريل 2024 - 3:07 م
يتمتع شهر رمضان في مصر، بخصوصية وتفرد عن غيره من أشهر السنة، حيث تزخر به الطقوس والعادات المميزة التي تضفي أجواءً فريدة من البهجة والسعادة.

وتشهد شوارع القاهرة على سهرات وتجمعات العائلات والأصدقاء لتوثق تلك الأجواء الفريدة والمبهجة خلال الشهر الكريم.

وتشارك "الشروق" مع قرائها لقطات ساحرة من تاريخ القاهرة، الذي يعود لأكثر من 1000 عام، وصور إلهامها للمبدعين، وذلك في سلسلة حلقات بعنوان "أيام القاهرة" على مدار النصف الثاني من شهر رمضان.

الحلقة الثامنة..
تحدثنا في الحلقة السابقة عن توثيق علماء الحملة الفرنسية لشوارع ودروب مدينة القاهرة؛ حيث وأولى علماء الحملة عناية بوصف ميدان الأزبكية، أشهر تلك الميادين، وجاء في الوصف: "عندما يبلغ فيضان النيل أقصى مداه يمتلئ ميدان الأزبكية بالماء الذي يرتفع إلى عدة أقدام مكونا عندئذ حوضا واسعًا تنتشر على صفحته القوارب التي تضاء أثناء الليل لتعطي لهذا المكان مشهدًا بالغ الروعة، وفي الشتاء تتحول أرض الميدان إلى خضرة يانعة قبل أن تتحول في الربيع إلى جافة ومغبرة، ويجاور ميدان الأزبكية حي الأقباط، والقصر القديم للألفي بك ومنازل الشيوخ بالغي الثراء".

ورصدت الحملة في القاهرة 56 سوقا، ما بين دوري ودائم، وأشارت إلى عدة أسواق شهيرة في المدينة، مثل ذلك الذي يبيع الملابس من الساعة الثالثة عصرًا ومن ثم يسمى "سوق العصر"، وسوق المغاربة للبضائع الواردة من بلاد المغرب، وسوق الموسكي لبضائع أوروبا، علاوة على سوق السلاح.

ونكمل بمزيد من التفاصيل عن الموضوع ذاته مع قراءة في مذكرات القنصل الفرنسي بنوا دي ماييه، كما جاءت في دراسة للدكتورة رضوى زكي كبير باحثين بمركز دراسات الحضارة الإسلامية بمكتبة الإسكندرية.

تقول الدكتورة رضوى زكي: "لم يكن الغرب قبل القرن الثامن عشر تعرف إلى مصر الإسلامية معرفته بها في عهدها المصري القديم، إذ لم يمس الفن والعمارة العربية والإسلامية الوجدان الغربي أو يثير شغفه فقد نشئوا على التوجس من الحروب المتبادلة في الأندلس بين المسلمين والأوروبيين، ثم حملات الأتراك العثمانيين المتتالية على أوروبا".

وأضافت: "هذا إلى جانب ما وجده الأوروبيون المسيحيون من صعوبة تصل للمنع من زيارة المنشآت الدينية الإسلامية كالمساجد والمدارس، ولم يتعد ما ذكره بعض الرحالة الأوروبيون إبان القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين عن العمارة الإسلامية سوى وصف موجز للهيئة الخارجية لمسجد ما في مدينة القاهرة. فنجد - على سبيل المثال - الرحالة الإيطالي بيترو دلا فاليه Pietro Della Valle الذي زار مصر عام 1615م، خلال وصفه لجامع السلطان حسن يشير إلى عظمة بنائه المعمارية الخارجية للمساجد، وبالأخص القباب والمآذن، معتبرًا أنهما أهم وأبرز مميزات العمارة الإسلامية".

وتوضح زكي: "ويجد المتأمل في كتابات القنصل الفرنسي عن القاهرة أنه بلور رؤية محددة في وصف وتصوير ملامح الحياة والعمارة في تلك المدينة في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي بعبارة أخرى جاءت أغلب كتابات الرحالة والمستشرقين الأوروبيين قبله في إشارتهم للعمارة الإسلامية لتشمل الوصف الخارجي لتلك المنشآت، أو إدراج حكايات مرتبطة بالمدينة ومزاراتها أو عادات أهلها، تتسم بالخرافة والغرابة لإضفاء طابع مشوق وجذاب لكتاباتهم".

وهنا تبرز أهمية مذكرات دي - ماتييه وملاحظاته فقد حاك بين سطور رسالته عن القاهرة العلاقة بين أهلها ومنشآت مدينتهم من جانب، وبين عادات وتقاليد المصريين الشرقية بين جنبات تلك المدينة من جانب آخر، منها ما استحق إعجابه، ومنها ما نقده بقلمه؛ فقد قص على سبيل المثال موقفا عايشه نظرا لوجود مسجد قريب من بناء القنصلية التي كان يقطن بها ويسمع من خلاله الأذان يوميا، ومما أثار انتباهه استجابة المسلمين لنداء أذان الفجر واتجاههم للصلاة، ومع إعجابه بالأذان وحرص أهل القاهرة على الصلاة، نجده يبرزظاهرة مشهودة في مدينة الألف مئذنة وهي
اختلاط أصوات المؤذنين التي تخرج من مناراتها.

* من هو دي - ماتيه؟
قد يظن البعض أن أول احتكاك للمصريين مع الفرنسين كان مع قدوم حملة بونابرت؛ لكن ما ذكره كتاب" القاهرة مؤرخة..مشاهد من ثقافة وتمثيل المدينة عبر الزمن" يؤكد حضورهم في السياسة والمجتمع المصري قبل ذلك مع القنصل دي - ماتيه.

وولد دي - ماتيه في مدينة سان ميال Saint-Mihiel بفرنسا، وشب ليصبح عالمًا في التاريخ الطبيعي إلى أن أوفد إلى القاهرة عام 1692م، حيث أمضى ستة عشر عاما من حياته العملية متوليا منصب قنصل فرنسا في مصر ومنذ وصوله قرر دي - ماتيه أن يجوب ربوع مصر بروح الرحالة المثابر إذ أبدى شغفا بالآثار المصرية والمسيحية والإسلامية، كما بدأ بدراسة اللغة العربية حتى أجادها، وتعرف كذلك إلى جانب من أحكام الدين الإسلامي والقرآن الكريم كما ورد في نص مذكراته ، وهو ما مكنه أن يطالع ما سجله المؤرخون المصريون كالمقريزي والسيوطي كما جاء في طيات وصفه للقاهرة الإسلامية: ومن ثم استطاع بفضل إقامته فترة طويلة أن يفسر واقع ما رآه في مصر. وبخاصة حين تعلم العربية، كما هيأت له وظيفته وصلاحيتها الكثير مما لا يتاح لأجنبي عابر وهو ما كان له الأثر المهم في ثراء وصدق كتاباته عن الفن والعمارة الإسلامية في عاصمة مصر القاهرة.

وبعد انتهاء مدة قنصلية دي - ماتيه في مصر: شغل منصب الزائر العام لإيالات الشرق العثمانية عام 1715م بفضل ما عرف عنه من اهتمامه بمسائل الشرق الأدنى، ثم تقاعد في مارسيليا ومضى يكتب مذكراته التي اشتراها ناشر في حياته، وهو الراهب الفرنسي لومسكرييه Le 1760 - 1697م)، الذي أعاد تنظيمها ووضع لها عنوان: "وصف مصر".

* كيف وثق القنصل الفرنسي سنواته في القاهرة؟
استهل القنصل الفرنسي رسالته عن مدينة القاهرة بلمحة عامة اشتملت على تمهيد تاريخي عن عواصم مصر الإسلامية ونشأتها ومراحل تطورها، وشهد في طياتها أن كتابات الرحالة السابقين لم تف حق مدينة القاهرة في وصف عمارتها، فبدأ بالحديث أولا عن الفسطاط، ثم انتقل دي - ماتيه بالحديث إلى العاصمة المعزية الفاطمية، وفي طيات استرساله استفاض في ذكر القصور الفاطمية، وما تمتعت به من رفاهة البناء وتطور الفن العربي الإسلامي. واعتبر دي - ماتيه القاهرة أكبر من مدينة باريس في المساحة.

ثم انتقل دي - مانيه بالحديث عن الأسوار القديمة المطوّقة لمدينة القاهرةالزخارف الكتابية والنباتية بصورة أساسية،واستثنى من ذلك القصور الفاطمية بالنظر لوجود العديد من الصور الآدمية والحيوانية المحفورة على جدرانها، وهي ملاحظة ثاقبة أدركها الفرنسي الأجنبي عن الفن الإسلامي في العصر الفاطمي في مصر، والذي تضمن بالفعل للأشكال الآدمية والحيوانية في التحف المنقولة، وفي تصاوير جدران العمائر وبخاصة القصور الفاطمية.

كما كانت الكتابات العربية الأثرية من أهم ما جذب دي - ماتيه باعتبارها ركنا أصيلا في الفن العربي الإسلامي وحاول قراءة مضامين بعض الكتابات العربية على التركيبات الملحقة بالقباب الضريحية، وعلى مآذن المساجد.

ولفت انتباهه أيضًا الزخارف الهندسية المحفورة في الجص التي رآها تزدان على رقاب القباب وعلى المنارات، وأثني على دقة تنفيذها والعناية بها.

وعلى الرغم من قلة المساجد التي قام دي ماتيه بزيارتها، فقد لاحظ القنصل الفرنسي أن تخطيط المساجد في القاهرة متربط بنمطين: الأول مكون من بناء مربع فناؤه مفتوح، توجد حوله مناطق مغطاة ومحمولة على عدد من الأعمدة الجميلة، ويوجد طراز آخر أقل انتشارا من النمط الأول وهو طراز الفناء المفتوح الذي يجاوره أو يحيط به قباب صغيرة مغطاة أو مايسمى"بيت الصلاة"، وفقا لدراسة الدكتورة رضوى زكي.
أقرأ أيضاً:


قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك