لعقود، ظل اسمه يُهمس به بين نجوم الفن ورجال السياسة أكثر مما يُذكر علنًا، حتى صار مرادفًا للسحر والشعوذة في الذاكرة الشعبية المصرية. الآن، يخرج من الظل إلى الشاشة؛ إذ أعلنت شركة الإنتاج «سينرجي» تعاقدها مع الكاتب أحمد مراد لكتابة مسلسل جديد بعنوان «الفلكي»، من بطولة الفنان أحمد مكي، في أول تعاون يجمع بينهما. يتكون العمل من 15 حلقة فقط، ومن المقرر عرضه ضمن سباق دراما رمضان 2027، على أن تعلن الشركة تفاصيل باقي فريق العمل، من مخرج وممثلين، تباعاً.
فمن هو السيد الحسيني الفلكي، الشخصية الحقيقية التي أثارت الجدل لعقود قبل أن تتحول إلى بطل دراما؟
النشأة والبدايات مع عالم السحر
وُلد السيد الحسيني الفلكي في مصر عام 1945، وكان واحداً من أكثر الشخصيات غموضاً في عالمه؛ فلا تكاد تجد له سيرة موثقة بالمعنى الصحفي التقليدي، بقدر ما التفّت حول اسمه ومؤلفاته في السحر والروحانيات حكايات وأساطير عديدة توارثها المهتمون بهذا العالم جيلاً بعد جيل. لم يتسنَّ تحديد مدينة ميلاده بدقة من مصادر موثقة، إذ تكتفي أغلب المصادر المتاحة بالإشارة إلى أنه "مصري الجنسية" دون تفصيل إضافي.
مارس السحر منذ سن مبكرة، وتزوج في الخمسين من عمره من فتاة تصغره بعشرين عاماً تُدعى رشا، في زيجة أثارت وقتها تعليقات كثيرة داخل الوسط الذي كان يتحرك فيه. وخلال فترة قصيرة نسبياً، حقق شهرة واسعة تجاوزت حدود مصر إلى دول عربية أخرى، حتى صار اسمه مرادفاً لـ"السحر" و"الروحانيات" في الذاكرة الشعبية المصرية.
التتلمذ على يد "أشهر ساحر في القرن العشرين"
تتلمذ الحسيني على يد الشيخ عبد الفتاح الطوخي، الذي يوصف بأنه أشهر ساحر في القرن العشرين، ومدير عام ما كان يُعرف بـ"معهد الفتوح الفلكي". وقد ألّف الطوخي أكثر من 50 كتاباً في تعليم السحر وقراءة الكف والفنجان والرمل والطلاسم، من أبرزها "سحر الكهان في حضور الجان" و"النجاح في علوم النفس والتنويم والأرواح"، وهي كتب ظلت متداولة لعقود في أوساط المهتمين بهذا النوع من "العلوم".

من شهرة محلية إلى "عضوية" اتحاد عالمي
خلال ثمانينيات القرن الماضي، ذاع اسم الحسيني في مصر، وارتبط بممارسات السحر والشعوذة والتنجيم. ومع اتساع شهرته، اتجه إلى تأليف عدد من الكتب في الفلك الروحاني والسحر والعلوم الروحانية، واستمر انتشار اسمه خلال العقود التالية.
وكان يقدّم نفسه باعتباره "عضواً في الاتحاد العالمي للفلكيين في باريس"، وهي صفة لم تُعرف لها جهة رسمية موثقة، لكنها ساهمت في تضخيم هالته أمام زبائنه. كما أصدر كتابه الأشهر «السحر الأحمر والكبريت الأفخر»، الذي كتب في مقدمته عبارة لافتة: "أول كتاب عن السحر في المغرب"، في إشارة إلى محاولته تأكيد ريادته في هذا المجال داخل العالم العربي، لا في مصر وحدها.

زبائن من نجوم الفن ورؤساء الدول
مع مرور الوقت، لم يعد زبائن الحسيني من عامة الناس، بل تحوّلت شقته إلى مقصد لنخبة المجتمع؛ إذ كان يقصده كبار الفنانين والفنانات، وبعض السياسيين ورؤساء الدول، سواء لقراءة الطالع، أو لطلب "أعمال" وسحر يساعدهم على الوصول إلى الشهرة، أو لإلحاق الضرر بمنافسيهم.
في هذا السياق، كشف اللواء محمد نور الدين، مساعد وزير الداخلية الأسبق، خلال حديثه في برنامج «كلمة أخيرة» مع الإعلامي أحمد سالم، عن كواليس مكالمة تلقاها من الفنانة الراحلة وردة الجزائرية بشأن الحسيني. وقال نور الدين إن الحسيني كان من أبرز المشتغلين بالسحر والشعوذة في منطقة الجيزة، وادّعى العضوية في هيئات فلكية دولية، وأصدر مؤلفات في علم الأبراج للتغطية على نشاطه، مضيفاً أنه تحرّك ضده في قضايا عدة أسفرت عن حبسه أكثر من مرة، إلا أنه كان يستأنف نشاطه فور الإفراج عنه، ويواصل تقديم خدماته لبعض الفنانين.
وروى نور الدين تفاصيل المكالمة التي دارت بينه وبين وردة الجزائرية، إذ خاطبته قائلة إنه ظالم لأنه "معلّق" على الحسيني ويلاحقه رغم أنه ليس نصاباً في نظرها، فرد عليها موضحاً موقفه القانوني بأن الحسيني متحوَّل عليه في قضايا ومحتجز على ذمة التحقيق. ولفت نور الدين إلى أنه فوجئ بحجم ثقة وردة في الحسيني، إذ وكّلت له محامياً بأتعاب بلغت 7000 جنيه، وهو مبلغ كبير جداً في ذلك الوقت، في مؤشر على حجم النفوذ الذي كان يتمتع به الحسيني داخل الوسط الفني.
مشاركته في فيلم «عاد لينتقم»
وصلت شهرة الحسيني إلى السينما، حين استعان به المخرج ياسين إسماعيل ياسين للمشاركة في فيلم الرعب «عاد لينتقم»، الذي طُرح في مصر عام 1988، وشارك في بطولته عزت العلايلي (وفق بيانات الفيلم المتاحة على قواعد بيانات السينما المصرية).
تدور أحداث الفيلم حول طبيب يعتزل الحياة في فيلا بعد وفاة ابنته، ثم يكتشف أن الفيلا مسكونة بروح تريد التواصل معه، فيقرر إقامة جلسة تحضير أرواح. ورغبةً من المخرج في زيادة الإثارة والترويج للفيلم، طلب من الحسيني تقديم هذا المشهد بنفسه، واشترط عليه عدم نطق أي طلاسم حقيقية أثناء التصوير.

النهاية الغامضة لمكتشف الطلاسم
في يونيو 2003، تلقت شرطة بولاق الدكرور بلاغاً من زوجة الحسيني، رشا، تفيد بالعثور عليه متوفى داخل غرفته عن عمر يناهز 58 عامًا، وعند دخول رجال المباحث، عُثر على جثته ملقاة على الأرض، بوجه شاحب وعينين مفتوحتين وفم لم يستطع أحد إغلاقه.
ولم تُثبت تقارير الطب الشرعي أي سبب طبي واضح للوفاة (كسكتة قلبية أو هبوط حاد)، ولم يُعثر على أي أثر لجريمة قتل، ودُفن الجثمان على هذا الحال دون أن تُحسم ملابسات الوفاة.
وعثرت النيابة في غرفته على أوراق تحمل طلاسم وبقع دماء وصوراً لفنانين ومشاهير، إضافة إلى ورقة طلاسم ملفوفة بـ"قفل" مغلق — وهي حركة معروفة في طقوس السحر لإغلاق العهود — لتكون هذه الواقعة الفصل الأخير في حياة الساحر الذي ظل لعقود واحداً من أكثر الأسماء إثارة للجدل في مصر.