استضاف المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، أمس الثلاثاء، أمسية لسلسلة "أرواح في المدينة" بعنوان: "مصر 1986.. رحلة إلى القاهرة قبل 40 سنة"، ضمن مشروع "القاهرة عنواني" للكاتب الصحفي محمود التميمي، وذلك بحضور الكاتب الصحفي عماد الدين حسين، عضو مجلس النواب ورئيس تحرير الشروق، والمصور السينمائي سعيد شيمي، والفنان عمر بهاء جاهين، حفيد الشاعر الكبير صلاح جاهين، والكاتب شريف صالح، والإعلامية نجلاء سليم.
بدأ الكاتب الصحفي محمود التميمي حديثه بالإشارة إلى أن أمسية "أرواح في المدينة" ستخصص جانبا كبيرا منها لاستعادة أثر وروح الشاعر صلاح جاهين، تزامنا مع مرور 40 عاما على رحيله، ثم أدار "آلة الذكريات" على وقع أغنية محمد منير "الجيرة والعِشرة"، ضمن الألبوم الذي صدر بعنوان "بريء" من كلمات فؤاد حداد، الذي وصفه بأنه "توأم جاهين"، مستعيدا مقطعها الشهير: "في كل حي ولد عِترة.. وصبية حنان"، بينما تتابعت على الشاشة لقطات من شوارع مصر في تلك الحقبة، لتأخذ الحضور في رحلة بصرية ووجدانية إلى ملامح القاهرة سنة 1986.
ونعى التميمي الفنان الكبير هاني شاكر، الذي غادرنا قبل أيام، والذي وصفه بأحد الرموز المعبرة والحاضرة في تلك الفترة، من خلال أغنيته "بلدي"، التي جمعته بالفنان محمد ثروت من كلمات الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، والتي سُجلت بفيديو كليب كان توثيقا حيا لمصر وشوارعها في تلك الفترة.
واعتبر التميمي أن ثمانينيات القرن الماضي ربما كانت آخر محطة حافظ فيها المجتمع المصري على قدر واسع من التلاحم الاجتماعي، حين كانت الحياة اليومية تتيح للجميع قدرا أكبر من العيش والاختلاط الطبيعي بين الطبقات، قبل أن تفرز التحولات أنماطا أدت إلى تراجع ذلك بظهور "الكمباوندات" وارتفاع الأسوار.
وقال إن هذا التحول دفعه يوما إلى طرح تساؤله: "أخشى من إبداع أبناء الكمباوندات"، ليس انتقاصا أو سخرية، بل إن التنوع الاجتماعي الذي يصنعه الشارع مكون أصيل للخيال والإبداع.
ومرَ التميمي، خلال الأمسية، على لقطات من الأرشيف الصحفي لعام 1986، مستعرضا صفحات من الصحف والمجلات المصرية التي وثقت أبرز أحداث تلك السنة، وكان من بينها خبر رحيل الشاعر صلاح جاهين، مصحوبا بصورة بدا فيها وقد فقد كثيرا من وزنه إثر نظام رجيم علاجي صارم، ومن الحكايات الدالة على الحالة النفسية السيئة التي كان عليها جاهين في أواخر العمر: حين سُئل عما إذا كان قد "خس النص" بالتعبير العامي الدارج، أجاب: "ده حقيقي... لكن اللي خسرته هو النصف المتفائل"، وخلال الأمسية ألقى حفيده عمر بهاء جاهين عددا من قصائده.
وتابع التميمي حديثه عن أبرز الأحداث التي مرت بها مصر في عام 1986؛ فمن اللحظات السعيدة تحقيق لقب كأس الأمم الإفريقية 1986، الذي كان غائبا عن المنتخب المصري لفترة طويلة، وفي المقابل عاشت البلاد حالة من التوتر السياسي انعكاسا لأحداث تمرد قوات الأمن المركزي، حين سرت شائعة لم يُعرف مصدرها عن مد فترة التجنيد الإجباري لجنود الأمن المركزي من ثلاث سنوات إلى أربع، ليخرج الجنود من معسكرات الجيزة ويبدأوا في تحطيم الفنادق الموجودة بمنطقة الأهرامات وواجهات بعض المحال التجارية، مع إشعال النيران في السيارات، ليقرر الرئيس مبارك نزول الجيش للسيطرة على الوضع وفرض حظر التجول نتيجة للفوضى التي جرت حينها، وكان اختبارا حقيقيا لمبارك.
وقال التميمي إن اللافت أن تلك الأحداث جاءت في العام نفسه الذي عُرض فيه فيلم "البرئ"، بطولة أحمد زكي؛ إذ أُجيز رقابيا، لكنه لم يُسمح بعرضه إلا بعد عرضه على لجنة ضمت وزير الدفاع المشير عبدالحليم أبو غزالة، ووزير الداخلية أحمد رشدي، ووزير الثقافة أحمد هيكل، في سابقة لم تتكرر، وقرر حينها حذف مشهد النهاية الذي يظهر البطل وهو يطلق النار على القوات في السجن.
وقال سعيد شيمي عن فيلم "البرئ" إنه كان الأقرب إلى قلبه بين جميع أعماله، وربما كذلك إلى قلوب كل من شاركوا في صناعته، لما تركه من أثر وجداني خاص انعكس على الشاشة، مضيفا أن المخرج عاطف الطيب كان خلال تلك التجربة في واحدة من أكثر مراحله الفنية نضجا وتألقا.
واستعاد شيمي حجم المعاناة التي صاحبت التصوير، موضحا أن العمل كان إنتاجا ضخما بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ إذ كان فريق العمل يتجه يوميا إلى سجن وادي النطرون في منتصف الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية، في رحلة شاقة تجاوزت 100 كيلو متر، بينما تطلبت مشاهد المجاميع والإكسسوارات والإقامة وتجهيزات التصوير المختلفة، بما فيها الكلاب المستخدمة في بعض اللقطات، مجهودا إنتاجيا استثنائيا على مدار فترة العمل.
واعتبر شيمي أن عام 1986 من السنوات البارزة في مشواره السينمائي، حيث عُرض له 10 آلاف من تصويره، من بينها أفلام حققت جماهيرية كبيرة مثل "سلام يا صاحبي" و"البرئ" و"الحب فوق هضبة الهرم".
تجربة مختلفة لأبناء القاهرة ونادي الفكر الناصري
قال الكاتب الصحفي عماد الدين حسين، عضو مجلس النواب ورئيس تحرير جريدة الشروق، إن أبناء القاهرة في بدايات ومنتصف الثمانينيات عاشوا تجربة مختلفة عن أبناء الصعيد؛ فبينما كانت ألعاب الفيديو جيم وكمبيوتر صخر بدأت في الانتشار في القاهرة، كانت سبل الترفيه في قريته بأسيوط أبسط بكثير.
وأضاف حسين أنه خلال الإجازات الصيفية كان أغلب الطلاب في الصعيد يذهبون إلى ما يعرف بـ"المقاومة اليدوية للدودة" في حقول القطن، منذ ساعات الصباح الأولى وحتى قبل غروب الشمس، وهو ما جعل منهم رجالا يعتمدون على أنفسهم منذ الصغر.
وأكمل عماد الدين حسين ذكرياته مع الدراسة الجامعية وتخرجه في كلية الإعلام بجامعة القاهرة عام 1986، وهي الدفعة التي ضمت الكثير من أبرز الوجوه الإعلامية المعروفة فيما بعد؛ حيث تخرج فيها عمرو أديب وياسر رزق ويسري فودة ومجدي الجلاد وأنور الهواري ومحمد علي خير وعادل السنهوري، حيث كان مقدمو البرامج ورؤساء التحرير في عامي 2016 و2017 من تلك الدفعة.
وأضاف أنه في ذلك الوقت كان منتميا إلى نادي الفكر الناصري، وكانت الجامعة تشهد نشاطا سياسيا حقيقيا؛ إذ خاض الطلاب الناصريون انتخابات اتحاد الطلاب في كلية الإعلام، لكنهم خسروا أمام طلاب جماعة الإخوان المسلمين.
وأشار إلى أنه رغم شعورهم وقتها بأنهم يعيشون ظروفا سياسية واقتصادية صعبة، فإن الساحة الصحفية والثقافية كانت شديدة الحيوية، مع حضور صحف معارضة مثل الأهالي، إلى جانب المعارك والمشاغبات الصحفية التي ارتبطت باسم الكاتب الصحفي صلاح عيسى، والتي كانت تثير جدلا واسعا في ذلك الوقت.
وأكد حسين أن الطالب المتفوق الذي يحصل على أكثر من 80% كانت الجامعة تمنحه مكافأة تصل إلى 80 جنيها، تُصرف بواقع 13 جنيها شهريا، وهو ما كان يساعد كثيرا من الطلاب، إلى جانب بونات من "صيدناوي" لشراء الملابس والإقامة في المدينة الجامعية.