تجدد الجدل حول رواية «أولاد حارتنا» وما ارتبط بها من روايات متداولة حول كواليس نشرها وتوقفها، في ضوء ما نُشر مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي من تدوينات أعادت فتح الملف من زوايا مختلفة، بين شهادات منسوبة ورؤى تحليلية وقراءات لاحقة للأحداث.
البداية كانت عندما نشر الكاتب الصحفي شريف الشوباشي على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي رواية قال إنه نقلها عن الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، وقال فيها إنه خلال لقاء جمعهما في باريس في منتصف التسعينيات، روى له هيكل أن نشر «أولاد حارتنا» في جريدة «الأهرام» توقف بعد اعتراض من المشير عبد الحكيم عامر، وصل إلى حد تهديده بإرسال دبابات إلى مبنى الجريدة إذا لم يتم وقف نشر الرواية فورًا، وهو ما دفع إلى اتخاذ قرار عاجل بوقف النشر، بحسب ما ورد في تدوينة الشوباشي.
الكاتب الصحفي محمد شعير، صاحب كتاب «أعوام نجيب محفوظ: البدايات والنهايات»، الصادر عن دار الشروق نشر تدوينة عبر صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، قدم فيها قراءة مختلفة لتداعيات نشر الرواية وجاء فيها:
بعد أن أصدر نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل» (1966) تعرض لمضايقات أمنية عديدة، وأصدر عبد الحكيم عامر قرارا باعتقاله، ولكن عبد الناصر أمر عبد الحكيم بأن تعود السيارة من الطريق.. «إحنا عندنا كام نجيب» هكذا يقول الرواة، ومن بينهم ثروت عكاشة الذي تولى اقناع عبد الناصر بخطورة اعتقال محفوظ.
كان غضب عبد الناصر بسبب جملة واحدة في الرواية «... وأنه لم يبقَ من عبادتنا القديمة إلا عبادة أبيس».. كان الاسم الذي يطلقه المصريون على عبد الناصر في جلساتهم الخاصة «العجل أبيس»..كما كانوا يسمون مبارك فيما بعد «لافاش كري». لكن بعيد عن الجملة كانت الرواية التي صدرت قبل عامٍ واحد من الهزيمة صادمة. بينما يتحدث الجميع عن التقدُّم العظيم الذي يعيشه المجتمع جاءت الرواية لتؤكد حالة الضياع والتمزُّق التي يُعانيها الشارع المصري، وأن مجتمعًا كهذا مُقبِل على كارثة لا مَحالة
(وبعد شهور قليلة وقعت الكارثة).
أثناء الأزمة، ذهب محفوظ إلى مقهى ريش كعادته يوم الجمعة، وهناك التقي عددا من كتاب جيل الستينات، ودار بينهم حوار حول حقيقة ما يقال ويتردد.. وحسب الأديب العراقي عائد خصباك أن الأديب الراحل إبراهيم منصور قام بشراء نسخة من «ثرثرة» ووضعها على الطاولة وطلب من الجميع التوقيع اعترافا بفضل محفوظ.. ووقع الجميع ما عدا عم فلفل الذي قال إنه لا يجيد الكتابة ولكن يمكن أن يبصم. وأرفق التدوينة بصورة تحمل توقيع الأدباء.
وفي مقابل هذه الروايات، يعود نجيب محفوظ بنفسه في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، الصادر عن دار الشروق، الذي سجل فيه الكاتب والناقد رجاء النقاش حوارات مطولة معه، ليقدّم شهادته المباشرة حول «أولاد حارتنا»، متناولًا ظروف كتابتها ونشرها وما أعقبها من جدل وتأويلات، إذ يقول: «أولاد حارتنا» هي أول رواية أكتبها بعد ثورة يوليو 1952، وجاءت بعد انقطاع عن الكتابة استمر عدة سنوات شعرت خلالها أن دافعي الأدبي قد خفت. ثم عدت إلى الكتابة عام 1957، وكانت أفكاري تميل إلى الدين والتصوف والفلسفة، فجاءت الرواية مختلفة عن أعمالي السابقة وتميل إلى رؤية كونية عامة أكثر من كونها معالجة اجتماعية مباشرة.
ويضيف نُشرت الرواية مسلسلة في «الأهرام»، وبدأت الأزمة بعد أن نُشر خبر في «الجمهورية» أشار إلى أن فيها تعريضًا بالأنبياء، فتوالت الشكاوى والاعتراضات، وفسرها البعض تفسيرًا دينيًا رمزيًا اعتبرته غير دقيق، رغم أنني كنت أرى أن العمل يحتمل أكثر من قراءة.
وأختتم اعتقدت أن سبب الأزمة الأساسي هو حصر الرواية في تفسير ديني ضيق، بينما هي في جوهرها عمل رمزي يمكن قراءته بطرق متعددة، وقد استمرت تداعيات هذا الفهم الخاطئ لسنوات طويلة.
وفي وقت لاحق، نشر شريف الشوباشي اعتذارًا على صفحته، أوضح فيه أنه كان مدينًا بالاعتذار بعد أن تأكد من عدد من الأصدقاء والباحثين أن رواية «أولاد حارتنا» نُشرت كاملة في جريدة «الأهرام» عام 1959، وأن ما كان متداولًا حول توقف نشرها أو عدم اكتمالها يحتاج إلى مراجعة دقيقة، مؤكدًا أهمية التثبت من المعلومات قبل تداولها.