حامل مفتاح المدينة.. أسامة علام يطرق أبواب نيويورك عبر الواقعية السحرية في روايته الجديدة - بوابة الشروق
الجمعة 6 فبراير 2026 4:56 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

حامل مفتاح المدينة.. أسامة علام يطرق أبواب نيويورك عبر الواقعية السحرية في روايته الجديدة

شيماء شناوي
نشر في: الجمعة 16 يناير 2026 - 12:02 م | آخر تحديث: الجمعة 16 يناير 2026 - 12:02 م

منذ الصفحات الأولى، تؤسس رواية «حامل مفتاح المدينة» للكاتب الدكتور أسامة علام، والصادرة حديثًا عن دار الشروق، عالمها السردي على فكرة غرائبية محكمة: مفتاح واحد قادر على فتح كل أبواب مدينة نيويورك. غير أن الرواية لا تتعامل مع هذه الفكرة بوصفها حيلة فانتازية خالصة، بل تجعلها مدخلًا للتأمل في معنى الاختيار، وفي الحدود التي تفصل الإنسان عن العوالم التي يرغب في اقتحامها أو يخشاها.

تبدأ الرواية بتقديم البطل شهاب، الطبيب المصري الذي يعيش حياة روتينية صارمة تفرضها عليه مهنته كطبيب بيطري في مدينة لا تعرف التوقف، يبدأ نهاره بصراع صامت مع جسده المرهق، ثم يغوص في تفاصيل العيادة التي تتحول إلى مسرح يومي للألم؛ ألم الحيوانات، وانكسار أصحابها العاجزين عن إنقاذ ما يحبون.

هذا الإيقاع المتكرر يصنع حالة من "الزهد الإجباري" تظهر في نمط حياة شهاب الذي يسكن شقة صغيرة «تدخلها الشمس عندما تريد»، كما يصفها في مفتتح الرواية، ويكتفي بالحد الأدنى من الحياة، حيث يتحرك داخل دوائر محدودة بين العمل والمقهى والبيت، إلى أن يكتشف "المفتاح الذهبي القصير المنحوت عليه اسم نيويورك"، ليتجاوز المفتاح كونه أداة ميكانيكية ليصبح أشبه بـ«جواز عبور» إلى حيوات البشر المختبئة خلف الأبواب المغلقة.

تتشكل صفحات الرواية من سلسلة "لوحات بشرية"، تتقدم فيه الحكاية عبر الكشف التدريجي عن الشخصيات، هذا التريث يمنح الفكرة وزنها الرمزي، ويحول المفتاح من أداة خارقة إلى اختبار أخلاقي ونفسي، يضع حامله أمام أسئلة تتجاوز الفعل نفسه إلى نتائجه.

ويستخدم أسامة علام لغة شاعرية ومكثفة، تبرع في وصف "روائح" المدينة وتفاصيلها الدقيقة تبدأ بـ"رائحة القهوة" التي تمثل الحنين والسكينة، أو كما يصفها الدكتور شهاب «هذه هي قهوتي المفضلة، لها طعمًا خفيفًا مع كل شفطة، ورائحة قوية تُشرق معها شمس الصباح على رُوحي، تعيدني إلى أيام حياتي البهيّة بين باريس وتولوز الفرنسيتين، أيام الجمال والبراءة والتصديق في طُهْرِ العالم. القهوة بالنسبة لي ليست مشروبي المفضل فحسب، القهوة طريقتي لتقديم نفسي للعالم، لرؤية وجهي في المرآة، التسامح مع كل جرائمي الصغيرة والابتسام لنفسي صباحًا كي أبدأ يومًا جديدًا، في المقاهي أطلب الإكسبرسو بلا سكر، لأن السكر في القهوة الإكسبرسو جريمة كالحليب»، وتنتهي بـ"رائحة المجاري" في قبو المنزل تمثل الكوابيس والمخاوف التي تطارد المغترب.

يلعب المكان دورًا محوريًا يظهر في وصف الكاتب لمدينة نيويورك، حيث يقدمها كمدينة لا تنام، متعددة الطبقات، تتجاور فيها الفرص والعزلة، والضوء القاسي مع الشعور بالوحدة. في هذا الوصف، لا تبدو نيويورك مجرد مسرح للأحداث، بل نموذجًا مكثفًا للعالم المعاصر: مدينة مليئة بالأبواب، الظاهرة والمخفية، ما يجعل وجود المفتاح فيها بالغ الدلالة. كل باب محتمل، وكل عبور يحمل وعدًا أو تهديدًا.

لا تخلو الرواية كذلك من الرمزية التي تقبع داخل تفاصيل حكاية كل بطل من أبطالها، ففي قصة "جارة تنظر للمدى"، تتجلى رمزية الانتظار والوفاء في أبهى صورها من خلال "فرنسيسكا"،المرأة الخمسينية التي تخرج كل يوم تقف في وسط الشارع المزدحم، بملابس قديمة تقف وحيدة بالساعات تنظر للمارة والسيارات والمحلات دون أن تغير مكانها، وكأنها تمثل الذاكرة التي تأبى الانطفاء.

تتصاعد وتيرة الغرابة في حياة الطبيب البيطري "شهاب" بنيويورك، حيث يجد نفسه متورطًا في مواقف إنسانية سحرية بفضل "المفتاح الذهبي" وهو ما يتكشف بوضوح في قصة أوزة الست أوليفيا، حيث مشهد دخوله منزل جنرال متقاعد لإنقاذ الإوزة التائهة، ليكتشف جثة الجنرال في حالة تحلل وهو يرتدي بدلة عسكرية كاملة الأوسمة، بينما تقف الإوزة فوق جثته في مشهد يجمع بين قسوة الموت وصخب الحياة. هذا التداخل بين الواقع والخيال يمتد إلى أحلامه، حيث يرى "سيدة الخطابات" والجنرال الميت وهما يوبخانه على تقاعسه عن أداء مهمته القدرية، مما يدفعه للقيام بزيارات منزلية استثنائية

 

تنتقل الأحداث بعد ذلك لتسلط الضوء على مفهوم "الرحمة" والاغتراب، حيث يوافق شهاب على الذهاب لمنزل سيدة عجوز مقعدة لإنهاء معاناة قطها العجوز عبر "الموت الرحيم". يرافق شهاب في هذه المهمة مساعدته الشابة "فيلدي"، التي تنهار بالبكاء عند رؤية العجوز بسبب شبهها الكبير بجدتها الراحلة، مما يحول الموقف المهني الجاف إلى لحظة إنسانية دافئة ومشحونة بالذكريات.

فيما تتجلى قصة «أنطوان وأنطوانيت» كمرثية سردية تنبض بالواقعية السحرية، حيث تتحوّل دمية الماريونت من مجرد كائن خشبي إلى وعاء لذاكرة الحب والوفاء. فالزوج العجوز أنطوان لا يصنع الدمية لمحاكاة محبوبته الراحلة فحسب، بل يستحضر من خلالها زمن سيرك موسكو وبراءته المفقودة، ليحول الفقد إلى فعل إبداعي يتجاوز غياب الجسد.

تتصاعد الأحداث حين تكتشف زوجته أمر دمية محبوبته، فيتعقد الوضع، حتى يموت أنطوان. عندها تقرر زوجته وضع دمية تشبهها ودمية محبوبته معًا في التابوت ذاته، لتصبح هذه الرمزية النهائية شهادة على الحب الحقيقي وتجسيدًا للفن كملاذ أخير لاستعادة الأرواح المفقودة وترميم كسور الروح أمام قسوة الموت والنسيان.

ومن خلال هذه القصص وغيرها، يعكس الكاتب وحدة البشر في المدن الكبرى، حيث تصبح القهوة والذكريات والمواجهات العابرة مع الغرباء هي الملاذ الوحيد للبطل وسط روائح المدينة الخانقة وشوارعها المزدحمة بالقصص الحزينة.

إن مساعدة شهاب لهؤلاء الأبطال نابعة من إدراك عميق بأن "الوجع الإنساني واحد" مهما اختلفت اللغات. وفي نهاية الرواية، يتولد لدى القارئ شعور جارف بالتمني؛ تمني أن يجد شخصاً كدكتور شهاب في حياته، شخصاً يمتلك "مفتاحاً" لقلوبنا، لا ليؤذيها، بل ليربت عليها ويخبرها أنها ليست وحدها في هذا العالم الموحش.

ومن أجمل الوقفات الفلسفية في الرواية هي تلك اللحظة التي يستدعي فيها أسامة علام صوت الفنان مارسيل خليفة، وهو يغني "أمر باسمك إذ أخلو إلى نفسي" ليصف كيف أن دكتور شهاب قرر في لحظة صفاء أن يستبدل ضجيج نشرات الأخبار الكئيبة التي تمتلئ بالموت والحروب، بصوت الموسيقى. فيتأكد لشهاب أن سماع الأغاني ليس مجرد رفاهية، بل هو "فعل استرداد للبهجة"، لتصبح الموسيقى هنا تعمل كبديل للواقع المشوه، حيث تعيد صياغة المشاعر الإنسانية وتطهر الروح من أدران المدينة المادية.

تنتهي الرواية على إحساس مزدوج بالغربة والانتماء، حيث تترك أبواب المدينة خلفها، لكن ذكريات البشر ووجوههم وآلامهم تظل حية في ذهن القارئ. بين شهاب وفرانسيسكا، والجنرال، وأنطوان وأنطوانيت، والحاج نزار، ومشرد البدروم، وحتى الإوزة الكندية والدمية ماتيوشكا، تتكشف شبكة من الحكايات التي تمثل الوحدة، الانتظار، الفقد، والبحث الدائم عن معنى في عالم صاخب لا يهدأ.

في الرواية يصبح المفتاح أكبر من مجرد أداة فتح، بل رمز لكل لحظة تفاهم وصمت مشترك، لكل محاولة لرؤية الآخر وفهمه. وفي قلب نيويورك، المدينة التي تختبئ فيها الأرواح بين المباني والأزقة، تتضح رسالة الرواية: أن الحياة ليست فقط في المرور بالأبواب، بل في مرور القلوب على بعضها، وفي قدرة كل واحد منا على أن يكون حاضرًا، مستمعًا، متعاطفًا، حتى في صخب العزلة الأكبر.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك