الأربعاء 26 يونيو 2019 1:03 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل أقنعك أداء المنتخب المصري في مباراته الأولى بكأس الأمم الأفريقية؟

كان وأصبح (16): قصر الزعفران.. سراي ملكي شهد معاهدة 36 قبل أن يتحول لصرح علمي

إنجي عبدالوهاب
نشر فى : الثلاثاء 21 مايو 2019 - 11:20 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 مايو 2019 - 11:20 م

بني على أطلال سراي الصحوة التي سكنها محمد علي باشا
سكنه الإنجليز عنوة.. وشهد معاهدة 1936

لا ينفصل تاريخ الفنون عمارة وتصويرًا ونحتًا عن السياسة والاجتماع والاقتصاد، ولا تقتصر قيمته على الجمال والإبداع والاحتراف، بل هي شهادة حية على أيام خلت وأحداث مضت وشخصيات كان يمكن أن تتوه في غياهب النسيان.

وفي سلسلتنا الجديدة «كان وأصبح»، التي ننشر حلقاتها على مدار شهر رمضان، نعرض نماذج لحكايات منشآت معمارية أو قطع أثرية مصرية تنتمي لعصور مختلفة، تسببت التحولات السياسية والاجتماعية في تغيير تاريخها، أو إخفاء معالمها، أو تدميرها بالكامل، لتخبو بعدما كانت ملء السمع والبصر.

وتنشر الحلقة الجديدة من هذه السلسلة يوميًا في الثامنة مساءً بتوقيت القاهرة.

ونتناول قطعة معمارية فريدة تجمع بين طرازي الباروك والروكوكو، المستخدمان في قصور أوروبا القرن التاسع، ويبلغ عمرها نحو 156 عامًا، «قصر الزعفران» الذي يقف شامخًا غير متخف خلف جدران الحرم الجامعي، فهذا القصر سكنه الخديوي إسماعيل، وشهدت جدرانه أحداث فاصلة في التاريخ المصري قبل أن يصبح ملحق إداري لجامعة عين شمس.

ونستعرض في هذه الحلقة كيف كان القصر وقت بنائه وكيف أصبح اليوم.

«سراي الصحوة»
لا يزال القصر الملكي يحتفظ بشخصيته المهيبة، حيث بوابته الكبيرة وبهوه المتسع ذو السلم النحاسي المُذهب، ونقوش التاج الخديوي على جدرانه، فما أن تمر أمامه فكأنما تنتظر الإذن الملكي بالدخول، فهنا عاش محمد علي باشا، وهنا خلفه الخديوي إسماعيل.

بدأت حكاية «سراي الصحوة» المعروفة لاحقًا بـ«قصرالزعفران» بعدما أصدر الخديوي إسماعيل فرمانًا ملكيًا فور عودته من فرنسا عام 1864 بإعادة بناء قصر الصحوة، الذي سكنه جده محمد علي باشا، في صحراء الصحوة والتي اكتسبت اسمًا جديدًا لها عام 1854 فأصبحت «العباسية» نسبة للخديوي عباس حلمي.

ولولعه بفرنسا وانبهاره بها أوكل الخديوي إسماعيل، إلى مغربي بك، الإشراف على بناء القصر على الطرز الفرنسية؛ وجلب أساسه منها حتى يصبح القصر محاكيًا لقصور باريس، ويتكون القصر المشيد بطراز يمزج بين الباروك والروكوكو من ثلاث طوابق، يشمل طابقه الأول بهوًا كبيرًا على جانبيه قاعتان متسعتان إحداهما شهدت توقيع معاهدة 1936، وهي مخصصة الآن لاجتماعات مجلس الجامعة، ويتوسطه سلم نحاسي مذهَب، يؤدي إلى الطابقين العلويين فبكل منهما ثمان غرف، ذات أبواب خشبية شاهقة، أما أسقف القصر فهو مصنوع من الزجاج البلوري المعشق الذي يغلب عليه اللونين الأزرق والأبيض ليعكس ألوان السماء الطبيعية، ويزين جدران القصر الجانية منحوتات يونانية، ونقوش للتاج الخديوي مرصعة بالنجمة الملكية والحروف الأولى لاسم الخديوي إسماعيل.

شهدت «سراي الصحوة» التفاصيل اليومية للحياة الخديوية، فبعدما أعتلّت صحة خوشيار هانم والدة الخديوي إسماعيل وزوجة إبراهيم باشا بن محمد على، عام 1872 ونصحها الأطباء بالعيش فى مكان مفتوح أهداها الخديوي إسماعيل «سراي الصحوة» لتكون قريبة منه فانتقلت للعيش بها برفقة حاشيتها وبعض أفراد العائلة.

كانت السراي محاطة بحدائق على مساحة 100 فدان مزروعة بمساحات شاسعة من نبات الزعفران، ما أدى إلى تسمية السراي لاحقًا بـ«قصر الزعفران» لكونها تنثرعبير الزعفران في كل الاتجاهات.

شهد القصر المهيب أحداثًا فاصلة في تاريخ مصر أيضًا، ففي عام 1882هٌزم أحمد عرابي وحل على مصر الاحتلال البريطاني، فاضطر الخديوي توفيق أن يطلب من جدته خوشيار هانم، الانتقال من القصر لفترة وجيزة لا تتجاوز الثلاثة أو أربعة أشهر؛ ليقيم فيه الضباط الانجليز إلى أن يدبر مكانًا آخر لهم، إلا أنهم دخلوا القصر عنوة و طردوا حاشيته وأقاموا به لنحو 5 أعوام، وتركوه بحال سيئة وقيل أن السلطان حسين كامل ألزم الإنجليز بدفع تعويضات تقدر بـ50 جنيهًا عن كل شهر، إلا أنه لا توجد وثائق تثبت التزامهم بتسديد هذه التعويضات.

ساءت حالة القصر بعد مغادرة الإنجليز له لذا لم يعد يليق بالجناب الخديوي فأهدي في عهد عباس حلمي الثاني، إلى وزارة المعارف التي بدورها حولته إلى «مدرسة ثانوية» لأبناء الطبقة الارستقراطية في عام 1908، وفي العام 1922 تغير اسم المدرسة لتصبح "مدرسة فؤاد الأول" عقب زيارته لها، ولهذه المناسبة أنشد حافظ إبراهيم قصيدة في القصر قائلًا:

أقصر الزعفران لأنت القصر
خليق أن يتهدى على النجوم
كلا يهديك للأجيال فخر
وزهور للحديث وللقديم
ترى بالأمس فيك علا
ومجد وأنت اليوم مثوى للعلوم

ظل القصر محتفظًا بطابعه المهيب على اختلاف الحقب التي مر بها، فاستخدم عقب بناء الجامعة المصرية 1908، كمقر مؤقت لإدارتها لحين اكتمال منشآتها، وظل مكتب مدير الجامعة المصرية أحمد لطفي باشا السيد، وإدارتها تقع في الطابق الأول للقصر، حتى اكتمل بناء مبانيها في الجيزة.

ونظرًا لقيمة القصر حولته وزارة الخارجية في حوالي 1930 إلى دار ضيافة للاستقبال الملوك والأمراء، وإجراء اللقاءات الرسمية المهمة بعدما شهد بعض التجديدات.

وكان أحد أبرز الأحداث التي شهدها القصر كدار ضيافة، التوقيع بالأحرف الأولى على معاهدة 1936 بحضور زعيم الأمة مصطفى النحاس باشا، ووزير خارجية بريطانيا العظمى إيدن والسير مايلز لامبسون المندوب السامي لسلطات الاحتلال الإنجليزية وقادة الأحزاب المصري، لذا تسمى معاهدة 1936 في الوثائق الإنجليزية بـ«معاهدة الزعفران»، وهو خبر تداولته الصحف المصرية والأجنبية آنذاك.

أصبح القصر مقرًا للجامعة المصرية الثالثة في يوليو 1950، والتي حملت اسم «جامعة إبراهيم باشا» آنذاك، قبل أن يتغير اسمها في أعقاب ثورة يوليو مرتين متتاليتين لتصبح أولًا «جامعة هيليوبليس» لاقترابها من مدينة هيليوبليس حتى استقر اسمها أخيرًا إلى «جامعة عين شمس»

تغيرت استخدامات القصر ومرت عليه عقود وشهد عهودًا عديدة لكنه ظل محتفظًا بهيبته الملكية، فكلما مررت عليه يخطف بصرك وتراود ذهنك مهابته وكأنما تنتظر إذنًا ملكيًا بالدخول.

وغدًا حلقة جديدة..



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك