تمر ذكرى ميلاد الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في 23 سبتمبر، حيث ولد في 1923 لعائلة تعود جذورها لقبيلة من بلاد العرب عبرت وتركت فروعها في كل مكان حتى استقرت في صعيد مصر، ثم هاجر جده لأبيه إلى الشمال، وجاء والده بتجارته إلى القاهرة لحي الحسين العريق.
وامتدت رحلة هيكل الصحفية لما يزيد على السبعين عاما، بدأها مع مطلع الأربعينيات من بوابة صحيفة "الإجيبشيان جازيت" التي كانت من أشهر وأكبر الصحف الأجنبية بالقاهرة.
لعب هيكل دورا رئيسيا في تشكيل الحياة السياسية المصرية في كواليس عهد جمال عبدالناصر، باعتباره أقرب مستشاريه وكاتب الكثير من خطاباته.
وظل هيكل متابعا للحالة السياسية حتى أيامه الأخيرة، إلى أن اشتد به المرض ليودع محبيه في فبراير 2016 عن عمر ناهز 94 عاما، ولكن تلك الرحلة الممتدة واتصال جمهوره ومحبيه جيلا بعد جيل كاد أن ينقطع بقرار شخص منه سماه "الاستئذان في الانصراف"، وصرح به للمرة الأولى عبر كتابه "استئذان في الانصراف رجاء ودعاء.. وتقرير ختامي" الصادر عن "دار الشروق" في عام 2003، حينما بلغ 80 عاما من عمره، وقال حينها مبررا قراره إن أي حياة - عمرا وعملا - لها فترة صلاحية بدنية وعقلية، وإنه من الصواب أن يقر كل إنسان - بالحس قبل النص - بهذه الحقيقة ويعطيها واجبها واحترامها".
الإجيبشيان جازيت.. أول الخطوات في مشوار هيكل
واستعرض هيكل في الفصل الأول من كتابه أول تجاربه في بلاط صاحبة الجلالة، حينما كان شابا لم يبلغ العشرين بعد، بقوله: "تجربتي بدأت بالتحديد يوم 8 فبراير 1942 حين رأى أستاذنا في مادة "جمع الأخبار" أن يعرض علي أربعة من تلاميذه (تكرمت المقادير وكنت أحدهم) فرصة التدريب العملي تحت إشرافه في جريدة الإجيبشيان جازيت وهو يومها مدير تحريرها، وهي وقتها - وبسبب ظروف الحرب وزحام الجيوش - أوسع الجرائد الصادرة في مصر انتشارا (رغم لغتها الإنجليزية)، وكانت فكرة هذا الأستاذ وهو "سكوت واطسن" أن التدريب العملي يعطي تلاميذه إمكانية الجمع بين الدراسة والممارسة، وذلك تأهيل ناجز ونافع".
الحرب الأهلية الإسبانية.. العلم ينقل لتلاميذه كيف تصنع المعارك الصحفي الناجح؟
ويضيف هيكل عن أستاذه الأول: "كان الرجل خبيرا عارفا، فقد كان قبل التدريس مراسلا صحفيا غطى الحرب الأهلية في إسبانيا (1936-1939)، وفي تلك المهمة زامل أسماء علت ولمعت في آفاق النجوم (من طراز أرنست همنجواي وجورج أورويل وآرثر كوستلر وأندريه مالرو وغيرهم)، ولم نكن وقتها ندرك ما فيه الكفاية عن هؤلاء الرجال ولا عن المعركة الإنسانية الكبرى التي نبهوا العالم إليها خبرا ورأيا، لكن شخصية أستاذنا وما تميزت به من الحماسة المشبوبة بالنار - تكفلت بتعويض النقص في معارفنا حتى أتيح لنا فيما بعد أن نستوعب تلك الرابطة الدقيقة العميقة بين الحرف والموقف".
الأستاذ يختار محطة التوقف
ويقول هيكل عن قراره: "وعلى أية حال فإنه من 8 فبراير 1942 - وحتى سبتمبر 2003 - مشت الدراسة والممارسة بسرعة ومسافة فلكية باعتبار متغيرات العصور والعلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وكان تقديري أن أي حياة - عمرا وعملا - لها فترة صلاحية بدنية وعقلية، وأنه من الصواب أن يقر كل إنسان بهذه الحقيقة ويعطيها بالحس - قبل النص - واجبها واحترامها، ثم إنه من اللائق أن يجيء مثل هذا الإقرار قبولا ورضا وليس إكراها وقسرا، كما يستحسن أن يتوافق مع أوانه، فلا ينتظر المعني به حتى تتطوع مصارحة مخلصة أو تداري مجاملة مشفقة؛ لأن انتظار المصارحة مؤلم وغطاء المجاملة مهين".
ويتابع: "وكذلك حاولت من سنوات أن أنبه نفسي - بين وقت وآخر - إلى مزالق الانتظار، وضمن ما فعلت أنني وضعت حدودا لما أكتب بأفضلية أن يتساءل الناس: "لماذا لا يكتب هذا الرجل - أكثر؟" بدلا من أن يكون سؤالهم: "لماذا يكتب هذا الرجل - أصلا؟" وعلى نفس المنوال فإن ما يساورني الآن يتلخص في أفضلية أن يتساءل الناس: "لماذا يستأذن هذا الرجل في الانصراف متعجلا؟" بدلا من أن يكون سؤالهم: "لماذا يتلكأ هذا الرجل متثاقلا؟".
وواصل: "وللحق - وذلك اعتراف بالفضل واعتزاز بأصحابه - فإن كثيرين تكرموا بجهدهم في تحويلي عما رأوه اتجاهي راغبين إقناعي بأني ما زلت - جسدا وفكرا - قادرا على الاستمرار مع إشارات عطوف إلى أنه ليس من حق محارب أن يلقي سلاحه مهما تكن الأسباب ولا من حق كاتب أن يتخلى عن قلمه ما دام استطاع، وكان جوابي - مقدرا وليس معاندا - أن عدد السنين حقيقة حساب ودوران أي عجلة طوال الوقت طاقة مستنفدة - مؤثرة على صلب معدنها ذاته - ولو تعطل الناس مع حاصل الجمع أو تمنوا لو تتحمل المعادن إلى الأبد، فذلك ليس من شأنه إلغاء قواعد الحساب أو تعطيل قوانين إجهاد المواد واستهلاكها".
الانصراف.. قرار قبل أن يبلغ الخمسين
ويوضح هيكل لقارئه: "ومن باب الدقة - فإن هاجس الانصراف - حتى بدون استئذان - ومض لأول مرة في خواطري مساء يوم 28 سبتمبر 1970 في غرفة نوم "جمال عبدالناصر" نفسه، وكان ذلك الصديق الكبير أمامي على فراش نومه وقد تحول في دقائق إلى فراش موته، ولم يكن سبب ما لمع - برقا - في خواطري مجرد التفجع والأسى - وكان هناك منه كثير - لكن السبب أنني وقد أدركت هول ما جرى بعد فترة من العجز عن التصديق - تلفت حولي ولمحت - أو خيل إلي أنني لمحت - ما أثار عندي ظنونا غامضة".
ويصف المشهد الحزين: "كنا في غرفة النوم - أو الموت - سبعة رجال بالعدد من حول جثمان الراحل الكبير الذي تقدم نحوه كبير أطبائه وسحب الملاءة على وجهه في حركة بدت وكأنها فعل رمزي يقطع بالنهاية - مهما كان العجز عن تصديقها، وتردد الكلام همسا في الغرفة عن الإجراءات والترتيبات لهذه الليلة الحزينة وما بعدها، ولمحت في عيون البعض تعبيرات أو إشارات توحي - ربما - بنذر غير محددة في أجواء هذه اللحظة، لكنها بعد مفاجأة الأحزان قد تصبح خطيرة، ومن الإنصاف أن ما لمحته في العيون والإيحاءات لم يكن ظاهرا بوسواس طمع في إرث سلطة أو علو موقع، بل لعل العام - أو ما يبدو عاما - بدا طاغيا على الخاص - أو ما يبدو خاصا - لأن المنطق الظاهر كان شدة الحرص على الرجل الكبير الراحل والعزم على تكملة مسيرته كهدف مقدس يتسابق الجميع عليها - وفاء بأحقية يستشعرها كل منهم - ويرى نفسه أهلا لها بمسئولية وظيفة أو قرب اتصال، لكن البشر هم البشر، وفي أعماق نفوسهم فإن شدة الحرص والتفكير بأفعال التفضيل تحرض أصحابها وتدفعهم إلى سباق يعتقد كل منهم - فيه - أنه الأجدر والأولى، وهنا موضع الالتباس وربما الاشتباك".
بتابع: "وخطر ببالي أن صداقتي الحميمة لجمال عبدالناصر وحماستي للمبادئ مشروعة - مرتبطة - على نحو ما - بثقة مباشرة فيه، والآن وقد غاب فإن علي أن أراجع وبحزم، وبدا لي دون ظل من شك أنني لا أريد أن أكون طرفا في صراع، فالسلطة من البداية ليست حلمي ولا بين مطالبي، ومع احترامي لبعض من أرى حولي وعلاقة ود بيني وبين معظمهم. فإن النقطة الحرجة في الموقف أن درجة قربي من جمال عبدالناصر لا تسمح بحياد، فضلا عن أن الحياد قرب مصائر الأوطان هرب أو تهرب، ومن ناحية أخرى فلم يكن سرا أيامها أن علاقاتي ببعض أطراف السلطة مشدودة - وخلافاتي مع الاتحاد الاشتراكي وتنظيمه الطليعي متوترة".
استقالة من الوزارة للسادات.. خطوة جادة على طريق الانصراف
يستكمل: "وغداة تشييع الجثمان بعثت لرئيس الجمهورية بالنيابة - أنور السادات - كتاب استقالتي من الوزارة، وكانت تلك خطوة أولى على طريق الانصراف (حتى من الأهرام)، وعندما تقابلنا في المساء، من السابعة إلى الثالثة بعد منتصف الليل، فتح لي أنور السادات قلبه بغير تحفظات، صريحا مع نفسه ومع الحقيقة ومع الظروف والملابسات، ولا أزيد، وخرجت من قصر العروبة أستقبل نسمات فجر أكتوبر (1970)، شبه مقتنع بأنه ليس وقت الانصراف من الساحة بعد، مستأذنا أو بغير استئذان، فقد وافق الرئيس المرشح أنور السادات على ما طلبت بشأن الوزارة، وكان يعرف قبل غيره أنها تكليف مؤقت، لمهمة معينة، ولأجل محدد - سنة لا تزيد - في ظرف رآه جمال عبدالناصر مهيأ لاختراق سياسي يتوازى مع الذروة في حرب الاستنزاف، وعليه، فقد وافق أنور السادات على نص استقالتي، وكتب بخط يده ردا بالغ الرقة واللطف عليه، لكنه اشترط بقائي في مجلس وزرائه إلى ما بعد الاستفتاء على رئاسته، حتى لا يقول الناس إن أقرب أصدقاء جمال عبدالناصر لم يطق الصبر يوما عليه، وكان الرجل في ذلك سمحا محبا ومقبلا".
استطرد: "ولم يطل الحديث بيننا عن الأهرام، فقد كان قوله الفصل إن ذلك هو المستحيل ذاته، لأن الأوضاع كما أرى والاحتمالات كما أقدر، ثم إن البلد في حالة حرب، هي بطبيعتها أكبر من موقف أي رجل، ومن رؤيته لدوره، ومن آرائه واجتهاداته، وكنت وقتها في السابعة والأربعين".