- فيينا تربط إعادة الإعمار ببناء الدولة وتحوّل الحياد إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي
- غزة وسوريا كساحتين لاختبار نموذج أوروبي جديد يجمع السلام والاستثمار ومنع الهجرة
لم يكن تنظيم وزارة الخارجية النمساوية، في فيينا يوم الخميس 22 يناير 2026، لمائدة مستديرة جمعت الدبلوماسية مع ممثلي الاقتصاد النمساوي حول إعادة الإعمار في غزة وسوريا، مجرد نشاط تقني أو فعالية بروتوكولية عابرة. بل جاء هذا التحرك كخطوة محسوبة تعكس تحوّلًا نوعيًا في مقاربة فيينا للشرق الأوسط، حيث تتداخل السياسة الخارجية مع المصالح الاقتصادية، ويتحوّل "الحياد النمساوي" من موقف أخلاقي تقليدي إلى أداة فاعلة في هندسة ما بعد النزاعات.
اللافت أن هذا التحرّك جرى تحت إشراف أراد بنكو، المبعوث الخاص لوزارة الخارجية النمساوية للشرق الأوسط، وبحضور مباشر من دوائر الاتحاد الأوروبي، وغرف التجارة، والمؤسسات الصناعية. وهو ما يؤكد أن النمسا لم تعد تنظر إلى غزة وسوريا باعتبارهما ملفين إنسانيين منفصلين، بل كساحتين لاختبار نموذج جديد يجمع السلام، والاستقرار، وإعادة الإعمار، ومنع الهجرة في معادلة سياسية واحدة.
- فلسفة التحرك
في كلمتها الافتتاحية، شددت وزيرة الخارجية بياته ماينل-رايسينجر على أن النمسا "تتحمل مسئوليتها الدولية" وتحولها إلى "التزام ملموس". هذه العبارة المفتاحية تكشف جوهر المقاربة الجديدة؛ ففيينا لم تعد تكتفي بدعم المساعي الدبلوماسية من موقع المتفرج، بل تسعى إلى أن تكون جزءًا من هندسة الحل، سياسيًا واقتصاديًا ومؤسساتيًا.
في غزة، يرتكز التحرك النمساوي على دعم خطة النقاط العشرين، ليس فقط باعتبارها إطارًا إنسانيًا لتوزيع المساعدات، بل بوصفها مدخلًا لإعادة بناء إدارة مدنية قابلة للحياة، وحدود منظمة، ومؤسسات قادرة على التعامل مع المجتمع الدولي. هنا، تبرز أهمية استعداد النمسا للمشاركة في بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية في معبر رفح EU BAM Rafah، وبعثة الاتحاد الأوروبي لدعم الشرطة الفلسطينية وسيادة القانون EUPOL COPPS، ما يعني انتقالها من موقع المانح إلى موقع الشريك التنفيذي في إعادة بناء الهياكل الأساسية للدولة.
أما في سوريا، فالمعادلة أكثر تعقيدًا. صحيح أن رفع معظم العقوبات الأوروبية والدولية يفتح الباب أمام إعادة الإعمار، لكن فيينا تدرك أن ضخ الأموال في غياب مؤسسات فاعلة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الفوضى؛ لذلك، تركز السياسة النمساوية على بناء الدولة قبل بناء الإسمنت: مؤسسات، إدارة، مسار انتقالي شامل، وخلق ظروف تسمح بعودة اللاجئين طوعًا، لا دفعهم قسرًا.
- الاقتصاد كأداة دبلوماسية
اللافت في المائدة المستديرة هو الحضور الكثيف لممثلي الشركات النمساوية، في إشارة واضحة إلى أن إعادة الإعمار باتت جزءًا من السياسة الخارجية الاقتصادية. التجربة الأوكرانية حاضرة بقوة هنا؛ فكما تحركت الشركات الأوروبية مبكرًا في أوكرانيا، تسعى النمسا إلى أن تكون في الصفوف الأولى في غزة وسوريا، ولكن ضمن شروط سياسية وأمنية واضحة.
هذا الربط بين الدبلوماسية والاقتصاد لا يخلو من براغماتية محسوبة؛ فإعادة الإعمار ليست فقط فعل تضامن أخلاقي، بل استثمار طويل الأمد في الاستقرار، وفي أسواق جديدة، وفي تقليل كلفة الأزمات على أوروبا نفسها، سواء عبر موجات الهجرة أو التهديدات الأمنية العابرة للحدود.
- البعد الأوروبي: النمسا كنقطة ارتكاز
رغم أن التحرك نمساوي في شكله، إلا أنه أوروبي في جوهره. مشاركة مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والغرف التجارية الأوروبية، تعكس سعي فيينا للعب دور الوسيط النزيه داخل المنظومة الأوروبية؛ دولة ليست قوة استعمارية سابقة في المنطقة، ولا طرفًا منحازًا بشكل فج، لكنها تمتلك رصيدًا تاريخيًا في الوساطة والعمل المتعدد الأطراف.
في هذا السياق، تتحول النمسا إلى ما يشبه مختبرًا أوروبيًا لسياسات ما بعد الحرب: كيف نعيد الإعمار دون تكريس الأمر الواقع؟ كيف نربط المساعدات بالإصلاح؟ وكيف نمنع أن تتحول إعادة الإعمار إلى وقود لصراعات جديدة؟
- الهجرة: الدافع غير المعلن
الفقرة الختامية في بيان ماينل-رايسينجر كانت صريحة؛ فإعادة الإعمار السريع للدولة والاقتصاد والمجتمع تقلل في النهاية من الهجرة غير النظامية إلى أوروبا. هذا الاعتراف يضع الإصبع على أحد أهم دوافع التحرك الأوروبي في الشرق الأوسط؛ فغزة وسوريا ليستا فقط مسرحين إنسانيين، بل مصدرين محتملين لعدم الاستقرار الأوروبي إذا تُركتا بلا أفق سياسي واقتصادي.
ما جرى في فيينا ليس حدثًا تقنيًا، بل إعلان نوايا واضح: النمسا تريد أن تكون لاعبًا ذكيًا في مرحلة ما بعد الحرب في الشرق الأوسط، مستندة إلى حيادها، وخبرتها الدبلوماسية، وشراكتها الأوروبية، وقدرتها على الربط بين السياسة والاقتصاد.
نجاح هذا النهج سيقاس بمدى قدرة فيينا على تحويل النوايا إلى نتائج ملموسة: مؤسسات فاعلة في غزة، مسار انتقالي قابل للحياة في سوريا، وشراكات اقتصادية لا تعيد إنتاج التبعية أو الفوضى.
وإن نجحت، فلن تكون النمسا مجرد ممول أو وسيط، بل نموذجًا أوروبيًا لكيف يمكن لدولة متوسطة الحجم أن تؤثر في ملفات كبرى، عبر دبلوماسية هادئة، لكن ذات أثر استراتيجي طويل المدى.