العلاج بالفن.. كتاب جديد يكشف كيفية تحول التجربة الفنية إلى أداة لتحسين الصحة الجسدية والنفسية - بوابة الشروق
الخميس 28 مايو 2026 10:10 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

العلاج بالفن.. كتاب جديد يكشف كيفية تحول التجربة الفنية إلى أداة لتحسين الصحة الجسدية والنفسية

منى غنيم
نشر في: الخميس 28 مايو 2026 - 6:41 م | آخر تحديث: الخميس 28 مايو 2026 - 6:41 م


- مؤلفة الكتاب: حرمان المجتمع من الفنون لا يمثل مجرد خسارة ثقافية بل خطر يمس الصحة العامة

أفادت أستاذة علم النفس البيولوجي وعلم الأوبئة في كلية لندن الجامعية، ديزي فانكورت، في كتابها "العلاج بالفن: كيف تؤثر الفنون على صحتنا"، بأن الفنون ليست نشاطا جماليا فحسب، بل تمثل عاملا مؤثرا وقابلا للقياس في الصحة الجسدية والنفسية للإنسان، من خلال تأثيرها الممتد على المستويات البيولوجية والنفسية والاجتماعية.

وأوضحت فانكورت أن نقطة انطلاق اهتمامها بهذا المجال ارتبطت بتجربة شخصية خلال ولادة ابنتها قبل موعدها الطبيعي، حيث وُضعت الطفلة في الحاضنة وهي تواجه عددا من العدوى الخطيرة، وأشارت إلى أنها لم تكن قادرة على لمس طفلتها أو الدخول إلى الغرفة بشكل كامل، فكانت تقف عند الباب مرتدية معدات الوقاية وتغني تهويدات وسط أصوات الأجهزة الطبية والإنذارات.

ولفتت إلى أن هذا الغناء ساعدها على التماسك النفسي، فيما تشير دراسات علمية إلى أن الغناء للأطفال في وحدات العناية المركزة يسهم في خفض معدل ضربات القلب، وتحسين التنفس، وتعزيز الرضاعة.

وبيَنت فانكورت أن هذا الحدث شكل نقطة التقاء بين تجربتها الشخصية وأبحاثها العلمية، إذ تعمل على دراسة تأثير السلوكيات والعلاقات الاجتماعية على الصحة.

وأكدت في كتابها أن الفنون - من الموسيقى والرسم إلى المسرح والقراءة - ليست مجرد ممارسة ترفيهية، بل تدخل في تكوين الصحة النفسية والجسدية على مستويات متعددة تبدأ من الخلايا والجزيئات وتمتد إلى الإدراك والذاكرة والمزاج.

وأفادت بأن كتابها يأتي في سياق تراجع تمويل الفنون وضغط أنظمة الرعاية الصحية في المملكة المتحدة، ما يجعل من الضروري إعادة النظر في العلاقة بين الثقافة والصحة العامة.

وأشارت إلى أن الإشكالية الأساسية تتمثل في كيفية تقديم دليل علمي صارم على شيء معقد ومتشابك مثل التجربة الفنية.

تفكيك التجارب الفنية إلى نتائج صحية قابلة للقياس

وأوضحت فانكورت أنها تعتمد في أطروحتها على تفكيك التجارب الفنية إلى ما تسميه "المكونات الفعّالة"، بحيث يمكن تحليل كل تجربة فنية إلى عناصر محددة تشمل تقليل الضوضاء، والتحفيز العصبي، والتواصل الإنساني، وخفض مستويات التوتر.

وأضافت أن هذه العناصر تُنشّط آليات بيولوجية تؤدي إلى نتائج صحية قابلة للقياس، ويمكن اختبارها وتطويرها على نحو مشابه للعلاجات الدوائية.

وأشارت إلى أن هذه المكونات تنعكس على مجموعة واسعة من النتائج الصحية، من تحسين الصحة النفسية إلى دعم صحة الدماغ وتخفيف الألم المزمن، وربما التأثير على متوسط العمر المتوقع.

وأكدت أن بعض الآليات تشمل تنشيط العصب المبهم، وهو ما ينعكس على القلب وعضلات الوجه والجهاز الهضمي، بحيث تعمل الفنون في بعض الحالات بطريقة تشبه حاصرات بيتا والبوتوكس ومضادات التقلصات.

وأوضحت فانكورت أنها لا تدعم أي ادعاءات علاجية مبالغ فيها، إذ تنفي صحة فكرة أن الموسيقى الكلاسيكية يمكن أن تقتل الخلايا السرطانية، لكنها تؤكد في المقابل أن الانخراط الإبداعي عند استخدامه إلى جانب العلاج الطبي التقليدي يمكن أن يؤدي إلى نتائج ملموسة، منها تقليل التوتر والألم، وتحسين التوازن والتنسيق الحركي لدى مرضى باركنسون، ومساعدة بعض المرضى على أجهزة التنفس الصناعي على استعادة القدرة على التنفس الذاتي.

أمثلة سريرية وإنسانية

وأفادت بأن الفنون تعمل عبر مسارات بيولوجية متعددة تشمل تعزيز تقدير الذات، وتنشيط التعبير الجيني، إضافة إلى تأثيرها على الجهاز العصبي اللاإرادي عبر العصب المبهم، بما يؤثر على القلب والوجه والجهاز الهضمي في الوقت نفسه.

وأشارت فانكورت إلى أن كتابها يستند أيضا إلى أمثلة سريرية وإنسانية، من بينها حالة أم كانت تعاني من الاكتئاب وتغير مسار حياتها بعد مشاركتها في دورة "الفن من أجل الرفاه"، وحالة رجل يبلغ من العمر 94 عاما مصاب بالخرف، استعاد مؤقتا حالته الذهنية الواعية عند الاستماع إلى أغنية "الغناء تحت المطر".

ويعتبر تحسين الرفاه عملية شاملة لتعزيز جودة الحياة من خلال التوازن بين الصحة الجسدية، العقلية، والاجتماعية.

وأكدت فانكورت أن هذه الحالات تُظهر أن تغيير زاوية النظر الطبية من التركيز على "ما المشكلة لدى المريض؟" إلى الاهتمام بـ "ما الذي يهم المريض؟" يُعد محورا أساسيا لفهم تأثير الفنون على الصحة، إذ يوسع نطاق الرعاية ليشمل احتياجات المريض النفسية والمعنوية إلى جانب حالته الجسدية.

وأوضحت أن الدراسات الاقتصادية المرتبطة بالفنون تشير إلى أن تحسين الرفاه الناتج عن المشاركة في الأنشطة الفنية يمكن أن يعادل زيادة في الدخل بقيمة 1500 جنيه استرليني، كما أن تأخير ظهور الخرف يمكن أن يوفر نحو 1.5 مليار جنيه استرليني سنويا على خدمات الصحة والرعاية الاجتماعية.

تراجع كبير في تمويل الفنون

وأفادت بأن البيانات تشير في المقابل إلى تراجع كبير في تمويل الفنون، إذ بلغت ميزانية الفنون في المدارس البريطانية نحو 9.40 جنيه استرليني لكل طالب في عام 2022، كما تم خفض تمويل التخصصات الإبداعية في عام 2021 إلى النصف.

وأضافت أن غالبية البالغين في الولايات المتحدة أفادوا بعدم ممارسة أي نشاط فني في اليوم السابق بنسبة وصلت إلى 95%، وهو ما وصفته بأنه يعكس حالة خمول فني متزايدة.

وأشارت فانكورت إلى أن هذا الوضع يستدعي ما وصفته بضرورة التعامل معه كتحذير جاد، على غرار ما يحدث عند ارتداء حزام الأمان، أي إدراك أن حرمان المجتمع من الفنون لا يمثل مجرد خسارة ثقافية، بل خطر يمس الصحة العامة، نقلا عن صحيفة "الجارديان".

وأوضحت أن كتابها يطرح أيضا تساؤلات نقدية حول طبيعة الفن نفسه، إذ إن اختزاله في مكونات بيولوجية قابلة للقياس قد يؤدي إلى فقدان معناه بوصفه تجربة مفتوحة تتجاوز مجموع عناصرها، كما يثير ذلك سؤالا حول ما إذا كان التعامل مع الفن كأداة علاجية فقط يقلل من قيمته بوصفه غاية إنسانية قائمة بذاتها.

وأفادت المؤلفة، في ختام أطروحتها، بأن الكتاب الجديد لا يقدم إجابات نهائية، لكنه يدعو إلى توسيع مفهوم الطب ليشمل الإنسان والمجتمع، وليس الجسد فقط، مع الاعتراف بأن الإبداع والهوية والمعنى عناصر تؤثر في الصحة البيولوجية للإنسان بقدر تأثير العلاجات الطبية التقليدية.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك