- كتاب جديد لعمر باتوف يتناول سبب وصم إسرائيل بالإبادة الجماعية والجرائم الإنسانية
- الكتاب يناقش أزمات الهوية والدستور والاستعمار الاستيطاني
- الجارديان: الصهيونية مشروع استيطاني استعماري معلن.. ودولة إسرائيل تمثل أبرز نتائجه السياسية
- الجارديان: منطق الاستعمار الاستيطاني يقوم على إقصاء السكان الأصليين للاستيلاء على الأرض ومواردها.. والتطهير العرقي هو الأداة المستخدمة لتحقيق ذلك
- الجارديان: حين رفضت مصر تهجير الفلسطينيين إلى سيناء لجأت إسرائيل إلى الدمار الشامل لقطاع غزة لجعله غير قابل للحياة
في كتابه الجديد "إسرائيل: ما الذي سار على نحو خاطئ؟"، قدم المؤرخ الإسرائيلي الأمريكي عمر بارتوف قراءة تاريخية وسياسية لمسار الدولة الإسرائيلية منذ تأسيسها عام 1948 وحتى حربها الحالية على قطاع غزة، متتبعا التحولات التي رأى أنها قادت إسرائيل من المشروع الذي قدم نفسه بوصفه دولة ديمقراطية ليبرالية إلى دولة تواجه اتهامات متصاعدة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.
المشروع الصهيوني يتحول إلى كابوس
ومن خلال العودة إلى جذور المشروع الصهيوني، ناقش الكتاب أزمات الهوية والدستور والاستعمار الاستيطاني، محاولا تفسير كيف تحول ما اعتبره كثيرون حلما سياسيا إلى واقع وصفه المؤلف بأنه "كابوسي".
في البداية، إشارة إلى أن الهجوم الإسرائيلي على إيران يُعد أحدث مظاهر ما وصفه الكاتب بـ"تدهور إسرائيل خلال العقود الأخيرة"، إلى جانب احتلالها غير القانوني للأراضي الفلسطينية، والتطهير العرقي في الضفة الغربية، والإبادة الجماعية في قطاع غزة، وغزو سوريا، والقصف المتواصل للبنان، كما أن انضمام الولايات المتحدة إلى هذه الحرب غير القانونية عزز لدى كثيرين في المنطقة الاعتقاد بأن إسرائيل تمثل امتدادا للإمبريالية الغربية في الشرق الأوسط.
وقال المؤلف إن إسرائيل شهدت تحولا عملاقا من دولة حظيت لعقود طويلة بتعاطف ودعم دوليين واسعين إلى دولة تواجه اتهامات متزايدة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وأوضح أن دولة إسرائيل، التي نشأت قبل 77 عاما على أنقاض المحرقة النازية، حظيت منذ تأسيسها بدرجة غير مسبوقة من التعاطف الدولي، نتيجة شعور غربي بالذنب من جهة، والنظر إليها باعتبارها "جزيرة ديمقراطية" وسط بحر من الأنظمة السلطوية من جهة أخرى.
من مجتمع نموذجي إلى دولة منبوذة
كما لفت إلى أن إعلان استقلالها تعهد بضمان "المساواة الاجتماعية والسياسية الكاملة لجميع المواطنين دون تمييز على أساس العرق أو العقيدة أو الجنس"، وهو ما جعلها في سنواتها الأولى تُقدَم في الغرب باعتبارها نموذجا لمجتمع ليبرالي وتقدمي.
لكنه أكد أن صورتها اليوم تغيرت جذريا، إذ باتت تُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها دولة فصل عنصري غير أخلاقية وعنيفة وقمعية، واعتبر أن الرد الإسرائيلي على هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023 شكَل محطة رئيسية في هذا الانحدار التدريجي نحو وضع الدولة المنبوذة دوليا.
وأضاف أن إسرائيل بررت عملياتها بحق الدفاع عن النفس، لكنها تصرفت في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي، وأشار إلى أن محكمة العدل الدولية رأت وجود خطر محتمل لوقوع إبادة جماعية في غزة، وأمرت إسرائيل باتخاذ إجراءات لوقف ذلك، إلا أن إسرائيل تجاهلت القرار.
كما أشار إلى أن لجنة تابعة للأمم المتحدة خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت بالفعل إبادة جماعية، بينما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتهم تتعلق بجرائم حرب، ما جعل الدولة الإسرائيلية تواجه اتهامات موثوقة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وحتى الإبادة الجماعية.
وأوضح المؤلف أنه تناول عبر الكتاب - الذي تربَع على قوائم أمازون للمبيعات هذا الأسبوع - هذا التدهور الأخلاقي والسياسي لإسرائيل من واقع خبرته الحياتية والأكاديمية؛ إذ وُلد في إحدى الكيبوتسات - وهي تجمعات سكنية تعاونية أُنشئت في فلسطين مع بدايات الحركة الصهيونية في أوائل القرن العشرين، ثم توسعت بعد قيام إسرائيل عام 1948، ولعبت دورا هاما في الاستيطان اليهودي - وعمل ضابطا لفترة في الجيش الإسرائيلي، ويعمل حاليا أستاذا لدراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة براون الأمريكية.
وقال بارتوف إن الكتاب مُهدى إلى والده حنوخ بارتوف، الذي وصفه بأنه "الصهيوني الأخير"، في إشارة إلى الصهيونية الليبرالية التي كانت العائلة تؤمن بها بشكل راسخ، الأمر الذي أشعره بالحزن طوال حياته؛ إذ لا يسعى إلى إدانة الصهيونية بقدر ما يحاول تفسير تحولها من حلم إلى كابوس.
وتناول بارتوف الأزمة منذ بدايتها عام 1948 بكل شفافية، وفي فصل بعنوان "الدستور المفقود"، انتقد فشل الآباء المؤسسين في حسم كيفية بقاء دولة متعددة الأعراق يهودية وديمقراطية في الوقت نفسه، وأوضح أنه لو تم اعتماد دستور مكتوب مستوحى من إعلان الاستقلال، ولو نشأت أجيال إسرائيلية على احترام الدستور والاعتزاز بوثيقة حقوق لجميع البشر، لربما جرى الحد من العنصرية المتنامية في المجتمع الإسرائيلي، ولربما أثارت الإبادة الجارية في غزة والجرائم اليومية في الضفة الغربية قدرا أكبر من الصدمة داخل المجتمع الإسرائيلي.
وذكر أنه يرى أن إحدى النتائج بعيدة المدى للحرب على غزة قد تتمثل في إنهاء وضع إسرائيل كدولة استثنائية تستمد شرعيتها من المحرقة، رغم أن ذلك لن يفيد عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين.
جذور العنصرية الإسرائيلية
وأشادت صحيفة "الجارديان" بالكتاب الجديد بسبب صراحة المؤلف وشجاعته في نقد تصرفات بلده؛ لكنها أخذت عليه أنه لا يعود بعيدا بما يكفي في التاريخ لفهم جذور العنصرية الإسرائيلية، معتبرة أن الصهيونية هي مشروع استيطاني استعماري معلن، وأن دولة إسرائيل تمثل أبرز نتائجه السياسية.
وأوضحت أن منطق الاستعمار الاستيطاني يقوم على إقصاء السكان الأصليين للاستيلاء على الأرض ومواردها، وأن التطهير العرقي هو الأداة المستخدمة لتحقيق ذلك.
وأضافت "الجارديان" أن إسرائيل نفذت عام 1948 عملية تطهير عرقي في فلسطين أدت إلى تحول نحو 750 ألف فلسطيني إلى لاجئين، ومحو اسم فلسطين من الخريطة، وهو الحدث الذي يُطلق عليه الفلسطينيون اسم "النكبة"، كما شددت على أن النكبة لم تكن حدثا منفصلا، بل عملية مستمرة بلغت ذروتها في غزة عقب هجوم حماس، مشيرة إلى أن الهدف الإسرائيلي الأولي كان إفراغ القطاع من سكانه البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة عبر دفعهم إلى شمال سيناء في مصر، وعندما قوبلت الخطة بالرفض المصري، لجأت إسرائيل إلى التدمير الشامل للقطاع لجعله غير قابل للحياة.
كما ذكرت الصحيفة أن "بارتوف" أوضح كيف يمكن أن يتصاعد التطهير العرقي إلى إبادة جماعية، مشيرا إلى أن ما حدث في غزة تزامن مع تصعيد عمليات التطهير العرقي في الضفة الغربية، كما أشارت إلى أنه يرى - بصفته مؤرخا - أن الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل أفضل تتمثل في فهم آمال وتطلعات الطرف الآخر، إلى جانب الاعتراف بأخطاء الماضي وجرائمه.
وفي الختام، أكدت "الجارديان" أن الباحثين عن تفسير لما وصفته بـ"سقوط إسرائيل من مكانتها الأخلاقية" سيجدون في هذا الكتاب عملا ثاقبا وعميقا وموسوعيا ومتوازنا، كما أشارت إلى أن حتى الداعمين التقليديين لإسرائيل يشعرون اليوم بالانزعاج أو الاشمئزاز من أفعالها الأخيرة.