تناول الشاعر الكبير بهاء جاهين، في مقاله المنشور بجريدة الأهرام، عدد الجمعة الموافق 27 مارس الجاري، رواية «دماء على خرائط الشرق» للكاتبة نوارة نجم، الصادرة عن دار الشروق، حيث قدم قراءة تحليلية للرواية، متوقفًا عند طابعه الملحمي واتساعه الزمني والجغرافي، ومستعرضًا أبرز مساراته السردية وتشابك حكايات أبطاله عبر أجيال متعددة.
وفي السطور التالية نص المقال كاملًا:
فى الساعة الثامنة وسبع وثلاثين دقيقة مساء الاثنين 15 سبتمبر 2025، أتمت بحمد الله الكاتبة الروائية نوّارة نجم الجزء الأول من عمل ملحمى ضخم صدر هذه الأيام عن دار الشروق فى مجلد يصل عدد صفحاته إلى 861 صفحة بعنوان (دماء على خرائط الشرق)، «وللحديث بقية» كما تخبرنا الكاتبة فى ذيل الصفحة الأخيرة بعد حمد الله.
يستغرق الزمن الروائى لهذا الجزء ثمانين عاماً، بين عامى 1802 و1882 ميلادياً، وتدور الأحداث فى رقعة جغرافية تمتد من مدينة سورات الهندية حتى الإسكندرية على ساحل المتوسط شمال غرب مصر. وتحكى عن حياة وعذابات ثلاثة أجيال من أهل الشرق، بدءاً من عائلة محمد صفىّ العراقية الشيعية ذات الأصول الملكية الفارسية (من ناحية جده محمد صفى لأبيه)، وهى أسرة ثرية تقطن حى الكاظمية البغدادى الراقى.
تبدأ تغريبة محمد صفىّ فى العام الميلادى 1802 قبل زفافه بأيام، حيث قام مع أبيه وأخيه الأكبر بزيارة العتبات المقدسة بكربلاء للتبرك قبل الزواج، وتزامنت تلك الزيارة مع هجمة من بدو ملثمين مسلحين على العتبة الحسينية تمخضت عن مقتل الأب والأخ وهروب محمد صفىّ بعد أن استطاع قتل أحد الملثمين القتلة، ثم تشرده فى البلاد مطارداً من هؤلاء الوهابيين حتى استقراره فى الهند، وتكوين عائلة هناك فى مدينة سورات الهندية.
وسنتوقف هنا مؤقتاً عن سرد حكايته هو والذرية التى أسسها، لنبدأ ذكر أحداث الحكاية الثانية الموازية لها. فبعد هذا التاريخ بعامين، عام 1804 ميلادياً، تبدأ فى المدينة المنورة (يثرب)، وقائع ما سمته الكاتبة (المحطة الثانية) من أحداث الملحمة، وبطلها ومؤسس حكايتها وتغريبتها هو حسين مدنى: مسلم سنى من أشراف المدينة وسليل الحسن بن على بن أبى طالب سبط رسول الله. عاش حسين يتيم الأبوين فى كفالة عمه النجار ميسور الحال بخيل اليد والقلب.
وتبدأ حكايته، ويثرب تعانى حصار الوهابيين لها منذ شهور، ما أدى إلى استفحال الجوع حتى اقتحم هؤلاء البدو الملثمون المسلحون المدينة، وكان حسين من القلائل الذين قاتلوهم وقتلوا أحدهم. وكما حدث مع صفى فى الحكاية البغدادية، فر حسين إلى الصحراء، وغيّر اسمه وهيئته وادعى الخرس، وانضم إلى قافلة مسافرة إلى جدة، ومن هناك انضم إلى سفينة وجهتها مصر، وطوال الوقت كان اثنان من الوهابيين يتبعانه كظله، وسافرا معه إلى مصر لاشتباههما فى أمره، وفى القاهرة التى تغلى بالثورة قابل حسين عربجياً ثورجياً شهماً اسمه حسين أبو ركبة ساعده على الفرار من وجه مطارديه إلى الصعيد، حيث بلدة البرشا مسقط رأس ومقر عائلة حسين ابو ركبة، وهناك عاش حسين مدنى عامين (1806 - 1807) حيث عمل نجاراً وتزوج من أخت صديقه فاطمة أبوركبة ثم عاد للقاهرة وعمل نجاراً خصوصياً للسلطان محمد على باشا نظراً لإبداعاته غير المسبوقة فى مجال عمله، وتطورت الحكاية وانتقلت الأسرة الجديدة التى كونها حسين مدنى إلى عكا فدمشق، واستمر التغرب يطارده وذريته حتى وصل فرع منها عبر بيروت إلى الإسكندرية، وهناك التقى نصف العائلة الآخر الذى عاش فى البرشا فقيراً محروماً حتى ابتسم له الحظ قرب نهاية هذا الجزء من الملحمة فى سبعينيات القرن الميلادى الثامن عشر.
واستمر رغد العيش حتى ضُربت الإسكندرية وهدمتها مدافع الأسطول البريطانى فى 11 يوليو عام 1882، حيث انهدم قصر محمد الحصرى حفيد حسين مدنى وحسين أبوركبة، واحترقت وكالته التجارية الكبرى بميناء الإسكندرية وشُردت العائلة بفرعيها ، وضاعت الثروة التى كدسها من تجارة القطن هو وشريكه حسن حفيد حسين مدنى من أم أخرى والذى هبط الإسكندرية منذ بضع سنوات هارباً من مطاردة السلطات بعد تغريبة طويلة، من عكا إلى دمشق فبيروت حتى وصل إلى الإسكندرية على رأس فرع العائلة المنحدر من فاطمة أبو ركبة، وهناك التقى مصادفة بحمد الحصرى تاجر القطن الكبير، وبدأت الشراكة التجارية والمصاهرة العائلية بينهما دون أن يعلم أحدهما بعد صلة الدم والقرابة بينهما. هكذا ينتهى الجزء الأول من الملحمة (الذى استغرق 860 صفحة فى مجلد واحد)، «وللحديث بقية» كما تخبرنا نوارة. وفى المقالة القادمة نستكمل حديثنا عن حكاية صفىّ العراقى الشيعى ذى الأصول الفارسية والأسرة التى كونها فى الهند فراراً من مطارديه البدو الملثمين.