خالد محمود يكتب: «حليمة».. حين يصبح البقاء حلمًا يستحق المقاومة - بوابة الشروق
الخميس 29 أكتوبر 2026 4:51 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

خالد محمود يكتب: «حليمة».. حين يصبح البقاء حلمًا يستحق المقاومة


نشر في: الخميس 29 أكتوبر 2026 - 3:53 م | آخر تحديث: الخميس 29 أكتوبر 2026 - 3:54 م

- ياسين الإدريسي يقدم نموذجًا سينمائيًا إنسانيًا مدهشًا عن الذاكرة والتمسك بالأرض.. وخديجة العماري تمنح الشخصية قوة استثنائية

ليست كل الأفلام التي تتناول المعاناة الإنسانية أفلامًا عن الهزيمة، كما أن التقدم في العمر لا يعني بالضرورة أن الإنسان استنفد أحلامه، أو أن عليه أن يتخلى عما تبقى له من رغبات.

أحيانًا تصبح القدرة على الاستمرار، والتمسك بهدف يبدو بعيد المنال، شكلًا من أشكال المقاومة، وإعلانًا عن أن الحياة لا تفقد معناها ما دام هناك ما يستحق الدفاع عنه.

من هذه المنطقة الإنسانية العميقة ينطلق الفيلم المغربي «حليمة»، للمخرج ياسين الإدريسي، الذي نافس بمهرجان الجونة السينمائي، ليقدم تجربة سينمائية مدهشة، تتجاوز حدود الحكاية المباشرة إلى أسئلة أكثر اتساعًا عن الذاكرة والكرامة والانتماء، وعن العلاقة المعقدة بين الإنسان وماضيه، وبين ما يختاره بإرادته وما تدفعه إليه ظروف الحياة.

تعيش حليمة، وهي امرأة في السادسة والثمانين من عمرها، بالقرب من البحر، وتعتمد على جمع بلح البحر وبيعه لتأمين احتياجاتها اليومية.

تبدو حياتها بسيطة، محكومة بإيقاع العمل المتكرر، وبعلاقة وثيقة بالمكان الذي اعتادت العيش فيه، لكن اتصالًا هاتفيًا مفاجئًا يقطع هذا الهدوء، ويعيد إليها ماضيًا ظنت أنها تركته وراءها، مرتبطًا بتجارة «القنب» غير المشروعة؛ لتبدأ مواجهة جديدة مع تاريخ لم تستطع السنوات محوه.

هنا، لا يستخدم ياسين الإدريسي الماضي باعتباره مجرد سر درامي يهدف إلى مفاجأة المشاهد، بل يجعله مفتاحًا لفهم الشخصية، وإعادة النظر في حياتها واختياراتها.

فمع انكشاف طبقات من ماضي حليمة، تتغير صورتها أمامنا، وندرك أن المرأة التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة وهادئة تحمل في داخلها حكاية أكثر تعقيدًا مما توحي به ملامحها وحياتها اليومية.

ما يمنح «حليمة» عمقه الإنساني هو أن صراع بطلته لا ينفصل عن علاقتها بالمكان، فالبيت والأرض ليسا مجرد ممتلكات يمكن تعويضها، وإنما يمثلان امتدادًا للذاكرة، وجزءًا من الهوية، وشكلًا من أشكال الاستقرار الذي يصعب التفريط فيه بعد سنوات طويلة من المعاناة.

ومع تغير الظروف المحيطة بها، تصبح حليمة أمام اختبار قاسٍ: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على حياته التي يعرفها، حين تتقلص الخيارات المتاحة أمامه، وتصبح أبسط احتياجاته اليومية معركة مستمرة؟ وكيف يمكن أن نحكم على اختياراته من دون أن نفهم السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي أحاط به؟

لا يمنح الفيلم بطلته حصانة أخلاقية، ولا يحاول تبرير كل ما فعلته في الماضي، لكنه يرفض أيضًا اختزالها في أخطائها، وهذه إحدى أهم نقاط قوته؛ إذ يترك للشخصية حقها في أن تكون إنسانًا مركبًا، يجمع بين الضعف والقوة، وبين الأخطاء والرغبة في الاستمرار.

ومن خلال هذه المقاربة، تتحول الحكاية من قصة امرأة مسنة تواجه ماضيها إلى تأمل في قدرة الإنسان على التمسك بحقه في الحياة، حتى حين لا تكون خياراته سهلة أو خالية من التناقضات، فالأرض هنا ليست خلفية للأحداث، بل جزء من الصراع نفسه، وسبب من أسباب إصرار حليمة على ألا تستسلم.

خديجة العماري.. اكتشاف تمثيلي لافت

إذا كان بناء الحكاية يمنح الفيلم تماسكه، فإن أداء خديجة العماري يمنحه جانبًا كبيرًا من قوته وتأثيره، ففي تجربتها الأولى في البطولة السينمائية، تنجح في حمل شخصية حليمة بكل ما تختزنه من تناقضات، وتمنحها حضورًا إنسانيًا يصعب تجاهله.

تكمن أهمية هذا الأداء في أنه لا يتعامل مع عمر الشخصية باعتباره وسيلة جاهزة لاستدرار التعاطف، ولا يحصرها في صورة المرأة المسنة التي تنتظر شفقة الآخرين، حليمة امرأة لها إرادتها الخاصة، وتاريخها، ومواقفها، وتبدو في كثير من الأحيان أكثر صلابة مما قد نتوقعه من ظروفها.

وتنجح العماري في التعبير عن هذه الصلابة من دون أن تفقد الشخصية هشاشتها الإنسانية، فهي لا تقدم نموذجًا بطوليًا تقليديًا، ولا تجعل من حليمة شخصية استثنائية بمعزل عن واقعها، بل تقترب منها باعتبارها امرأة عاشت طويلًا، ودفعت أثمانًا باهظة، وما زالت تقاوم بطريقتها الخاصة.

ومن اللافت أن الممثلة لا تحتاج إلى الإفراط في التعبير كي تنقل ما يعتمل داخل الشخصية؛ فالتفاصيل اليومية، وطريقة حضورها في المكان، وما يطرأ عليها مع عودة الماضي، كلها عناصر تسهم في بناء صورة امرأة لا يمكن اختزالها في عمرها أو ظروفها الاجتماعية.

إنها بطولة تقوم على الصدق والقدرة على احتواء الشخصية، لا على الاستعراض، وهو ما يجعل فوز خديجة العماري بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان شنجهاي السينمائي الدولي، وتنويهًا خاصًا من مهرجان الجونة، تتويجًا لتجربة تستحق التوقف عندها.

في تجربته الروائية الطويلة الأولى، ينجح ياسين الإدريسي في بناء عالم سينمائي متماسك، مستفيدًا من خبرته السابقة في التصوير الصحفي والأفلام الوثائقية والقصيرة، وتبدو هذه الخلفية حاضرة في اهتمامه بالتفاصيل اليومية، وبالوجوه والأمكنة، وبالحكايات التي قد تمر في الحياة العادية من دون أن يلتفت إليها أحد.

يعتمد الفيلم على التنقل بين الحاضر والماضي، لا باعتباره حيلة سردية فحسب، بل وسيلة للكشف التدريجي عن شخصية حليمة، وإظهار أثر التجارب القديمة في حياتها الراهنة، فكلما انكشفت طبقة جديدة من ذاكرتها، اكتسبت مواقفها الحالية دلالة مختلفة، وأصبح فهمها أكثر تعقيدًا.

وتنبع قوة هذا البناء من أنه لا يفصل بين الحكاية الشخصية والظروف المحيطة بها؛ فالماضي ليس مجرد ذكريات تستعيدها البطلة، وإنما قوة تواصل تأثيرها في حاضرها، فيما يظل المكان شاهدًا على التحولات التي مرت بها حياتها.

كذلك، تسهم اللغة البصرية الواقعية، القائمة على الإضاءة الطبيعية والأصوات المحيطة، في الاقتراب من عالم الشخصيات، بعيدًا عن الزخرفة التي قد تضع مسافة بين المشاهد والواقع الذي يراه، وتبدو الصورة هنا جزءًا من نسيج الحكاية، لا مجرد إطار جمالي لها.

والأهم أن الإدريسي لا يحول أفكاره إلى شعارات مباشرة، بل يتركها تنمو داخل الأحداث، ومن خلال سلوك الشخصية وعلاقتها بالمكان، وهو ما يمنح الفيلم تماسكًا فنيًا، ويجعل الأسئلة التي يثيرها امتدادًا طبيعيًا للحكاية، لا إضافات مفروضة عليها.

بالنسبة إليّ، تكمن القيمة الأهم في «حليمة» في أنه يعيد طرح سؤال جوهري عن معنى البقاء، فهل يستمر الإنسان في الحياة لمجرد أنه لم يمت، أم لأن لديه ما يدفعه إلى الاستيقاظ كل يوم، والعمل، والدفاع عن شيء يؤمن بأنه يستحق؟

لا يقدم الفيلم إجابة سهلة، لكنه يجعلنا نتأمل في قيمة الهدف ذاته، وفي قدرة الحلم على منح الحياة معناها، حتى حين تصبح الظروف أكثر قسوة من قدرة الإنسان على تغييرها، وقد لا يكون الانتصار دائمًا في تحقيق ما نريده كاملًا، بل في الاحتفاظ بحقنا في المحاولة، وفي ألا نسمح للعالم بأن ينتزع منا كل ما نؤمن به.

من هنا، يصبح التمسك بالأرض دفاعًا عن الذاكرة والهوية، ويصبح العمل اليومي، رغم مشقته، فعلًا من أفعال الاستمرار، فيما تتحول مواجهة الماضي إلى اختبار لقدرة الإنسان على التصالح مع حياته، بكل ما فيها من أخطاء وخسارات.

«حليمة» نموذج سينمائي إنساني مدهش، تتكامل فيه حكاية محكمة مع أداء تمثيلي استثنائي لبطلته خديجة العماري، وتحليل قدرتها على التعبير عن صلابة الشخصية وهشاشتها، من خلال النظرات والإيماءات والصمت، بعيدًا عن الأداء الاستعراضي، ورؤية إخراجية تعرف كيف تقترب من الإنسان من دون أن تصدر أحكامًا جاهزة عليه، وهو فيلم يتركنا أمام حقيقة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: أن الحلم ليس امتيازًا للشباب، وأن التمسك بالحياة لا يعني غياب الألم أو الخسارة، بل القدرة على مواصلة الطريق رغم وجودهما.

إنها سينما تمنح الإنسان حقه في التعقيد، وتذكرنا بأن وراء كل وجه عادي تاريخًا لا نعرفه، ووراء كل إصرار حكاية قد لا تظهر على السطح، وفي النهاية، لا تبدو حليمة امرأة تقاوم الزمن وحده، بل إنسانة تدافع عن حقها في أن تظل صاحبة قرار، وأن تحتفظ بما يمنح حياتها معناها، مهما كان الثمن.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك