الدكتور مصطفى الفقي يكتب: فكر المؤامرة وفقه المقاومة - بوابة الشروق
الخميس 4 يونيو 2020 11:20 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الدكتور مصطفى الفقي يكتب: فكر المؤامرة وفقه المقاومة

الدكتور مصطفى الفقي
الدكتور مصطفى الفقي

نشر فى : الإثنين 30 مارس 2020 - 9:45 م | آخر تحديث : الإثنين 30 مارس 2020 - 9:45 م

عشتُ طوال حياتى الفكرية مؤمنا بوجود المؤامرة فى التاريخ، لكننى كنت أدعو دائما إلى عدم الاستسلام إلى التفسير التآمرى لأحداثه ووقائعه، ذلك أنه قد يؤدى إلى حالة من السلبية المطلقة، التى ترى أن كل ما يعترض طريقنا هو مؤامرة، فيعلق السياسيون وخبراء العلاقات الدولية كل الأحداث التى تدور على مشجب تلك المؤامرة تماما، كما يفعل بعض الأطباء حين يحارون فى تشخيص الداء، فيستسهلون الأمر بقولهم إنها حساسية.
فالمؤامرة والحساسية موجودتان فى السياسة والطب، لكن لا يجب التعويل عليهما، والقفز فى التحليل للاعتراف بوجودهما، واعتبارهما مبررا للإخفاق والتراجع والفشل.
أظن أن سقوط الخلافة الإسلامية كان وراءه ترتيبات تآمرية، وأن انهيار الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية كان وراءه أفكار مرحلية سعت إليه، ونجحت فى تحقيقه، بدءا من دور حركة التضامن فى بولندا وصولا إلى سقوط حائط برلين.
كما أن مصرع الرئيس الأمريكى الراحل جون كينيدى بملابساته المعقدة وفشل «لجنة وارين» وغيرها فى الإمساك بتلابيب الحقيقة ما يؤكد أنها كانت هى الأخرى مؤامرة محبوكة، لقد قتل من قتله وقتل القاتل أيضا.
كذلك، رحيل الأميرة البريطانية ذات الشعبية الواسعة (ديانا) فى ظروف غامضة بسيارة داخل أحد الأنفاق فى مدينة باريس هو الآخر جريمة استندت إلى مؤامرة، يوجد مَنْ استفاد منها، ومَنْ سعى إليها.
لقد تذكرت ذلك كله عندما احتدمت شدة الوباء الذى حاق بالعالم، وضرب الكون فى كل اتجاه، وأعنى به وباء (كورونا)، وكيف أن كثيرا من الخبراء السياسيين والعلماء البيولوجيين قفزوا إلى استنتاج سريع مؤداه أن ذلك الفيروس القاتل هو تخليقٌ من صنع البشر فى معامل الحرب الجرثومية، وأنه جزءٌ من الصراع المُحتدم اقتصاديا بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، على أن تكون حلبة المعركة هى القارة الأوروبية.
قد يكون هذا صحيحا أو لا، لكنه يدعم من وجهة نظرنا رسوخ نظرية المؤامرة وفكرها المتجذر الذى تصعب مقاومته، وتنهار أمام حبكته وملابساته كل الأدلة العلمية والبراهين التى لا تتصور أن يتحول بها العَالِم إلى قاتل، ويصبح السلاح الذى نسعى به إلى تقدم الإنسانية هو ذاته السلاح الذى يطعن البشرية فى ظهرها.
ونحن ندرك أن فقه المقاومة، أى مواجهة كل ما هو طارئ على حياتنا أو مستفز لظروفنا، هو أمرٌ واجبٌ، لأن فقه المقاومة يرتبط مباشرة بفقه الأولويات، والأخير يقتضى أن نجعل النظرة العلمية والتحليل الموضوعى فى صدارة كل ما نمارسه، لتحقيق الأهداف التى تسعى إليها الدول، ولنا هنا بعض الملاحظات:
أولا: إن فكر المؤامرة هو ابن شرعى لعلم السياسة بكل ما فيه من ألاعيب وسراديب ودهاليز يقف المرء منها متعجبا، فالسياسة كالزيت فيها لزوجة، ويكفى أن أحد آبائها الشرعيين هو مكيافيلى صاحب نظرية «الغاية تبرر الوسيلة».
ولذلك، استقرت فى أعماق كثيرٍ من السياسيين عملية الفصل الواضحة بين الأخلاق والسياسة، ووجدوا لديهم مبررات قوية لتمرير كثيرٍ من المواقف اللا أخلاقية والتصرفات الشائنة، على اعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة فى كل الأحوال، لذلك فإن السياسة تعرف الانقلابات والاغتيالات والسجون والمعتقلات، لأنها تستند إلى مبادئ لا أخلاقية بطبيعتها، وتستمد مبرر وجودها من المصالح العليا للأوطان مهما كان الثمن، ومهما ارتفعت التضحيات.
ثانيا: إن المؤامرة تفسير أحمق للهزائم، ونظرة عبثية للنكسات، يستطيع بها الحاكم (الديماجوجى) أن يبرر أمام شعبه النتائج السلبية التى وصل إليها، والإخفاقات التى سقط فيها، بينما الحياة السياسية الصحيحة فى ظل علاقات دولية سوية لا تجعل لهذا الأمر وجودا، فحين ترفع دولة شعار عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى، فإن لهذا الشعار بريقه الأخلاقى، لكنه على الجانب الآخر قد يكون مقدمة لعمل عكسى تسعى من خلاله دولة إلى السيطرة على غيرها، وتمزيق أواصر التماسك فى حلف إقليمى معين أو كتلة دولية محددة.
ثالثا: إن غرام السياسيين بالتفسيرات المصطنعة والتحليلات غير الدقيقة إنما يعكس حالة التردى فى النظم السياسية المعاصرة، وتبنى سياسات تؤدى إلى عدم الاستقرار، وتقويض دعائم السلم والأمن الدوليين، والأمثلة على ذلك كثيرة.
التدخل الأمريكى فى العراق استند إلى وجود أسلحة نووية لدى صدام حسين، ولم يكن ذلك صحيحا، وواشنطن ولندن تدركان ذلك حتى إن تونى بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، اعترف أخيرا بهذه الحقيقة، فالحكام والساسة يبحثون عن الذرائع لتحقيق غايات قد لا تكون بالضرورة فى صالح الأغلب الأعم من دول العالم المعاصر.
رابعا: إن العلاقات الدولية المعاصرة تتميز بالتفاوت الواضح بين القوى المتصارعة، والحديث عن ديمقراطية العلاقات الدولية المعاصرة هو مجرد هراء، فالقوة أكبر من الحق، والنفوذ الدولى يتفوق على العدل القانونى، وما أكثر ما رأينا من ممارسات استندت إلى حماقة القوة على حساب الشرعية الدولية من دون أن يحرك العالم ساكنا، مكتفيا فقط بترديد المبادئ ورفع الشعارات، بينما القوى يلتهم الضعيف فى مظهر يقترب من شريعة الغاب.
خامسا: إن تردى دور المنظمات الدولية وتراجع تأثيرها جعلها فى النهاية أداة فى يد من يستطيع تحريكها أو حتى استخدامها آلية لتبرير ما يفعل، ومرة أخرى نقول إن واشنطن دخلت بغداد من دون قرار صريح من مجلس الأمن، كما اعتمدت فى ذلك على تطويع ما نطلق عليه القانون الدولى الإنسانى الذى يسمح لدولة أو لمجموعة من الدول بالتدخل فى شؤون دولة معينة تحت مظلة من مسميات براقة لكلمات مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحماية الأقليات، والحفاظ على البيئة إلى غير ذلك من المبررات التى تتردد على ألسنة الحكام صباح مساء.
إن ما نريد أن نقوله هنا هو أن نؤكد أن المؤامرة موجودة فى كل مراحل التاريخ، لكن لا يجب التعويل عليها، كما أن المؤامرة جزء لا يتجزأ من تاريخ الفكر الإنسانى على نحو لا يمكن تجاهله رغم كل الانتقادات الموجهة إليه.
كذلك، فإنه لا يخفى على أحدٍ أن الحديث عن المؤامرة يزدهر مع انعدام الشفافية وغياب الرؤية الواضحة وسط ضباب المصالح المتشابكة والأهداف الخاصة والوقتية، ونسمع أحيانا أصواتا نكراء تتبنى أفكار المدرسة الميكافيلية، وترى أنها تعبير مباشر عن الواقع السياسى المعاصر من دون تزيين أو تجميل أو رتوش.
بينما يرى البعض الآخر أن الأمر يختلف، لأن الذين يرددون أن السياسة والأخلاق فى طلاق دائم وتنافر مستمر إنما يبررون ما يفعلون ويختفون وراء فكر المؤامرة لتحقيق أهداف معينة فى ظروف استثنائية يصعب تحقيقها فى الأحوال الطبيعية، والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة.
أما فقه المقاومة فهو حائط الصد أمام محاولات انتهاك الشرعية والسعى للعدوان على حقوق الشعوب، ولعل القضية الفلسطينية، وهى القضية العربية الإسلامية الأولى، هى خير شاهد على ما نقول، إذ لم تتمكن الأمم المتحدة من إدانة إسرائيل إدانة صريحة فى كل ما عرض عليها من جرائم عنصرية وانتهاكات عدوانية على الشعب الفلسطينى الذى قاوم ويقاوم واحدا من أشرس أنواع الاستعمار الاستيطانى فى تاريخنا المعاصر.
وسوف نظل نردد دائما أن فكر المؤامرة هو حق يراد به باطل، وأن فقه المقاومة هو حق يراد به تحقيق العدل واستعادة التوازن فى العلاقات الدولية المعاصرة، وتكريس فقه الأولويات فى عالمنا الذى يموج بكل التيارات، ويمارس كل المؤامرات، ولا يعطى بالا لمبادئ قانونية أو قيم أخلاقية أو شرعية دولية!

نقلا عن «إندبندنت عربية»



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك