صالح مرسى واحد من الكُتاب القلائل الذى عرف بتنوعه فى أساليب الكتابة، واختيار الأماكن والحواديت، مثلما حدث فى حياته، فهو الفتى التائه الذى وجد نفسه واقفا على رصيف قطار مدينة كفر الزيات وركب أول قطار دون أن يعرف وجهته، واستقر به الأمر فى الإسكندرية وأقام بها، وعمل بحارا فوق أنواع عديدة من السفن التجارية، وكان يمكنه أن يكتب روايات تضارع ما أبدعه الأدب البريطانى المعروف باسم أدب البحار، وما لبث أن جاء إلى القاهرة ليعمل فى مؤسسة روز اليوسف، ومنها إلى دار الهلال، وفى أواخر حياته عرف بأعماله فى مجال التجسس مثل رواية «كنت جاسوسا فى إسرائيل»، و«الحفار»، كما يذكر له القراء روايات مهمة منها «الكداب» التى تدور فى عالم الصحافة، أما رواية «زقاق السيد البلطى» فقد حولها المؤلف مع المخرج التوفيق صالح إلى فيلم، يبدو نشازا قياسا إلى أعمال كل من المخرج والمؤلف، أى إن صالح مرسى فى كل كتاباته كان منقلبا على نفسه، فبعد أن ترك أدب الجاسوسية ألّف كتابا عن ليلى مراد، كما كتب العديد من المسلسلات الإذاعية والتليفزيونية.
استفاد الكاتب من علاقته بالبحر، وفى روايته «زقاق السيد البلطى» المنشورة فى «الكتاب الذهبى» روى عن منطقة الصيد فى شمال الدلتا، حيث مزج الواقع بأجواء الفانتازيا بشكل لافت للنظر، فقد اختفى البلطى الكبير فى ظروف غامضة، وهو صاحب الخبرة فى أعمال الصيد، ويعتبر معلما لمن حوله، وقد أنجب ولدا محمد، وعليه أن يستمر فى مهنة أبيه وأن يحمى ميراثه فى عالم يتسارع حوله أسياد الصيد والفقراء، أى إن المكان هنا شبه محدود، والحياة ذات وتيرة واحدة، ويمكن القول إننا أمام صراع أجيال، ما يفعله الأبناء هو صورة متكررة مما فعله الآباء والأجداد، يعيشون حيواتهم بحثا عن رزق مؤقت، ويسكنون نفس البيوت الملاصقة للأمواج وهم يعتمدون على البحر الهائج تارة والساكن تارة أخرى، وكما نرى فإن هذا النوع من الأفلام أو الروايات يجب أن يتضمن العديد من الشخصيات، يتماوجون داخل أماكن العيش، ولا يفكرون فى أى هجرة، وكل ما يفعلونه هو الإبحار ليلا، وحتى بعد ساعات الفجر، والعودة برزق البحر، هؤلاء الأشخاص يعيشون أغلب الوقت فى ظلمة البحر، يصيغون أساطيرهم حول جنيات بما يتناسب الأجواء التى يعيشون فيها، أغلبهم حريص على الزواج، أما غير المرتبط منهم فلا مانع من تجارب عابرة حتى يستقر به الأمر فى أحضان امرأة تنجب له ما تشاء السماء من الأبناء، ورغم ذلك فإن السيد البلطى لم ينجب سوى ابن واحد أورثه مهنته وهو بالتالى قام بتوريث الصيد والأسطول إلى من سيأتى بعده، ولا شك أن هذا يولد صراعا اجتماعيا بين فقراء المنطقة وأصحاب المراكب، فهناك رأسمالى استطاع شراء مركب صيد كبيرة كى تلتهم كافة أنواع الأسماك، تسد الأبواب على زوارق الصيادين الفقراء، إنه الصراع الأزلى من أجل لقمة العيش، يتجدد مع وفود جيل جديد، وهذا العالم يبدو بعيدا عما يحدث سياسيا خارج المنطقة، لكن الناس تلوك فى حواراتها مصطلحات تناسب ذلك العصر (أوائل الستينيات)، مثل الاشتراكية والديموقراطية، ويبدو أن توفيق صالح، المخرج، قد اكتفى بجرعة السياسة التى تحدث عنها فى فيلم «يوميات نائب فى الأرياف».
توفيق صالح هو واحد من شلة الحرافيش التى كانت تضم نجيب محفوظ، وفى أغلب أعماله هناك نص أدبى يناقش قضية اجتماعية، قد يكون لها غلاف سياسى مثل «المتمردون» لصلاح حافظ، و«رجال تحت الشمس» لغسان كنفانى، كما أنه كان مرشحا لإخراج ثلاثية نجيب محفوظ فى السينما حسبما عرفت من كاتب السيناريو يوسف جوهر، ولكن الأمور تغيرت، والغريب أن موهبة توفيق صالح كانت أكبر من الأفلام التى قدمها للناس، حيث اعتبر فى أواخر حياته مرجعا ثقافيا يرجع إليه بكل ثقة.