ازدهرت الرواية السوداء فى الحياة الثقافية الأمريكية إبان أربعينيات وخمسينيات القرن الماضى، ووجدت لها صفوفا عريضة من القراء والمشاهدين، وكان الكُتاب هم أبرز الشخصيات فى الحياة الثقافية الأمريكية، وقد تحول أغلب روايات الكاتب جيمس كاين إلى أفلام فى أكثر من طبعة، حيث أن الميزة الأولى لهذه الروايات أن جرائمها ومرتكبيها مكشوفون أمام الصفحات وعلى الشاشة، فلسنا فى حاجة أن نعرف تفاصيل عن الجريمة لأن طريقة الحكى تروى لنا كيف تمت السرقة أو القتل أو الخيانة، كل ما على المتفرج أن ينتظر ليعيش تفاصيل النهاية، وفى هذه الروايات كانت هناك دوما خيانة ترتكبها امرأة ضد زوجها العجوز مع شاب يظهر بشكل عابر فى حياتها وتطلب منه أن يقتل لها زوجها لكى تتخلص منه أى إنه بعد ارتكاب الجريمة يحوم كل من القاتلين حول نفسيهما ويقتتلان حتى النفس الأخير؛ حدث هذا فى رواية (ساعى البريد يدق الباب دوما مرتين) التى تحولت إلى أفلام مصرية عديدة ومنها «الجحيم»، «الطريق»، «طريق بلا نهاية».
أما الرواية الثانية فهى «تعويض مزدوج» التى تحولت إلى فيلم بطولة باربارا ستان وييك وفريد ماكموراى، والتى تحولت إلى فيلم مصرى باسم «من أجل امرأة» إخراج كمال الشيخ عام 1959، وهو أيضا يدور حول امرأة جميلة كانت تعمل خادمة عند رجل ثرى، وبعد فترة صارت عشيقته وتعرفت على مندوب التأمين ودخلت معه فى علاقة عاطفية، وطلبت منه أن يقتل لها زوجها مقابل أن يحصل عليها وعلى جزء كبير من التأمين إلا أن هناك لدى شركة التأمين مفتشا محنكا يبحث فى خلفية هذه الجريمة دون أن يدرى أن زميله فى القسم هو الفاعل أى إنه هو الذى قتل وخان وامتلك المال، ويأتى كل شىء بالصدفة بعد أن يختلف العشيقان ويقتتلان وفى المستشفى يعترف مندوب التأمين لزميله المفتش بكل التفاصيل ثم يلفظ روحه فى هذا النوع من الروايات تبدو كافة ملامح الأعمال البوليسية السوداء، فهناك دائما قصص حب مغموسة بالرغبات البشرية والطموح فى الحصول على المال، ويجب أن يكون الفاعل رجلا وأن تكون المرأة هى العقل المدبر لارتكاب الجريمة، فالزوجة هنا بينها وبين بعلها سنوات طويلة من العمر، كما أننا نكتشف أن لها عشيقا آخر غير المندوب الذى ساعدها فى قتل زوجها وتتم عملية القتل حين يتم قتل الزوج ونقله بالقطار، وعند مسافة بعينها تهدأ سرعة القطار ويهرب القاتل ويتم تصوير الجريمة على أنها حادث.
فى الفيلم المصرى هناك تفاصيل أكثر هى نفس التفاصيل التى أضافها كاتب سيناريو الجحيم حيث أن هناك رجلا آخر فى حياة الزوجة، ونرى أنها دبرت الجرائم من أجل أن تفوز بعشيقها كما أن هناك ابنة الزوج العجوز التى تلجأ إلى مندوب التأمين كى يساعدها فى اكتشاف الجريمة، ومن هنا يأتى ذكاء الإبداع، فالفتاة تضطر إلى مساعدة مندوب التأمين القاتل لأنها مكسورة الجناح، بينما الزوجة هى الماكرة تعرف كيف تدبر الجرائم وكيف تحصل على المال، لكن مثل كل الروايات البوليسية فإن الجريمة لا تفيد والمجرمون سيدفعون الثمن، ثمن الخيانة ويموتون برصاصات بعضهم البعض .
مثل هذه القصص يتكرر وجودها فى حياتنا الإبداعية، فنسمعها أحيانا فى الدراما الإذاعية، وتنتقل إلى سينما المقاولات، وقد ساعد هذا على ضخ الدماء فى الرواية البوليسية السوداء.