الشرق الأوسط الجديد.. بين الرؤية الإسرائيلية الأمريكية والرؤية الإيرانية - يحيى عبدالله - بوابة الشروق
الإثنين 17 يونيو 2024 12:59 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الشرق الأوسط الجديد.. بين الرؤية الإسرائيلية الأمريكية والرؤية الإيرانية

نشر فى : الخميس 2 مايو 2024 - 6:35 م | آخر تحديث : الخميس 2 مايو 2024 - 6:35 م

فى كتابه: «الشرق الأوسط الجديد» (ترجمة محمد حلمى، الأهلية للنشر والتوزيع، الأردن 1414هـ ــ 1994م) طرح رئيس الوزراء الإسرائيلى الراحل، شمعون بيرس، (1923 ــ 2016م) تصورا لنظام إقليمى، يستند إلى تحالف بين دول الإقليم، بما فيها إسرائيل، بالطبع، فى مجال الأمن القومى، على غرار حلف «الناتو»، وإلى تعاون اقتصادى بينها فى مجالات؛ الزراعة، والصناعة، والتجارة، والسياحة، والمواصلات، حتى إنه ذكر، بالتفصيل، ضمن أمور أخرى، شبكات المواصلات التى ستُدشَّن فى المنطقة: «إقامة خطوط سكك حديدية، وشق طرق سريعة، تربط دول المنطقة ببعضها البعض والمنطقة كلها بإفريقيا وبأوروبا، عبر الطرق البرية أيضا»، كما وصف مسارات السكك الحديدية التى ستشجع، على حد قول الكتاب، التجارة والسياحة بين دول المنطقة، وستتيح، ضمن أمور أخرى، التنقل من إسرائيل إلى السعودية ودول الخليج.

كانت عين بيرس على المال الخليجى وهو يؤسس لهذا التصور، حيث طالب الدول النفطية، تحديدا، بأن تضخ استثمارات فى شرايين هذا الاقتصاد المأمول: «ربما حان الوقت لتضطلع الدول المنتجة للنفط بمسئوليتها وتساهم بما نسبته 1% من دخلها لتطوير الإقليم». لم يغب عن بال بيرس، أيضا، أن يشير إلى أن إسرائيل ستسهم من خلال تكنولوجيتها المتقدمة فى تطوير مجالات الزراعة، والرى، ومكافحة التصحر، وحتى فى مجال الثروة الحيوانية: «يمكننا أن نحقق هذه الأهداف باستخدام التكنولوجيا الحديثة، التى توفر تطبيقات عملية للاختراعات العلمية، تتراوح ما بين الرى المنظم بواسطة الكمبيوتر، وإنتاج الأغذية فى مربع لا ماء فيه». وضرب مثلا على هذا التفوق الإسرائيلى فى مجال التكنولوجيا: «عندما استأنفت روسيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، عام 1991م، كان من بين الأشياء الأولى التى قام بها الروس، شراء الأبقار الإسرائيلية (وكأن روسيا كانت تتطلع بفارغ الصبر لاستئناف العلاقات من أجل شراء الأبقار الإسرائيلية!!!). إذ تبين أن البقرة الإسرائيلية توفر حليبا يزيد ثلاثة أضعاف، عما توفره البقرة الروسية بالفعل. هى البقرة، نفسها، ولها القرون، نفسها، لكن الاختلاف يكمن فى المنظومة العلمية والتكنولوجية، التى نطبقها فى إسطبلاتنا».

•  •  •

رغم أن التصور الذى يطرحه بيرس، فى كتابه، يهدف فى الأساس، إلى دمج إسرائيل فى المنطقة وإضفاء صفة «الطبيعية» عليها وعلى وجودها، وتطبيع علاقاتها مع دول الإقليم، فإن به جانبا مهما، يتمثل فى السعى الحثيث نحو تسوية إقليمية لحل المشكلة الفلسطينية، حتى وإن اختلفنا فى تقييمنا لجوهر هذه التسوية (يستطيع القراء الوقوف على طبيعة هذه التسوية إذا دققوا النظر فى اتفاقيات أوسلو الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993م، التى كان بيرس وتلميذه، يوسى بيلين، مهندسيْها).

القضية الفلسطينية حاضرة، بقوة، فى صلب هذا التصور، الذى يرى أن إبقاءها بدون حل سيهدد استقرار العلاقات التى يجرى إقامتها الآن مع الدول العربية، وسيحول إسرائيل إما إلى دولة احتلال و«أبارتهايد»، وإما إلى دولة ثنائية القومية.

ألهم التصور، الذى طرحه بيرس، فى تسعينيات القرن الماضى، خيال سياسيين إسرائيليين لاحقين، مع اختلاف فى نقطة الانطلاق وزاوية الرؤية، منهم، رئيس الحكومة الحالى، بنيامين نتنياهو، الذى نجح فى توسيع دائرة التطبيع مع الدول العربية (توقيع اتفاقيات أبراهام مع الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة المغرب، والسودان، وتشاد)، وكان قاب قوسين أو أدنى من تطبيع العلاقات مع السعودية، لولا أن باغته هجوم «حماس» والفصائل الفلسطينية فى السابع من أكتوبر عام 2023م.

تحمس نتنياهو إلى المشروع الضخم الذى أعلن عنه الرئيس الأمريكى، جو بايدن، فى ختام اجتماع قمة «مجموعة العشرين» فى نيودلهى عام 2023م، بشأن إقامة منظومة سكك حديدية، وطرق تجارة تربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا، وتمر عبر السعودية والإمارات والأردن وإسرائيل (وتسقط مصر تماما من المنظومة!!!). هناك تطابق (بكل ما فى الكلمة من معنى) بين المشروع الذى أعلن عنه بايدن فى 2023م، ورؤية بيرس للشرق الأوسط الجديد، كما يعرضها كتابه، الصادر عام 1994م، مما يدعو للظن بأن الرؤية رؤية إسرائيلية خالصة، وبأن «الطبخة» الإقليمية وصفة إسرائيلية بامتياز. من هنا كان ترحيب نتنياهو بمشروع بايدن، أو بالأحرى بمشروع بيرس فى الأساس، ووصفه إياه بأنه «خطوة تاريخية ستؤدى إلى اندماج إسرائيل فى الإقليم وإلى تعاون بين الإقليم والعالم»، وبأنه «فريد وغير مسبوق، وليس أقل من تحويل حلم إلى واقع، وبأنه سيغير وجه الشرق الأوسط».

لكن نتنياهو، على العكس من بيرس، يتجاهل المسألة الفلسطينية، ولا يطرح أى مبادرة سياسية تحدد أفقا لحل دائم (باستثناء خطاب بائس ألقاه فى جامعة بر إيلان عام 2009م، طرح فيه رؤية هزيلة للصراع الإسرائيلى الفلسطينى، سرعان ما تنكر لها بعد أن عارضتها قاعدته الانتخابية اليمينية) ولا يرى فى استمرار الاحتلال عبئا على قدرة إسرائيل على الاندماج فى المنطقة.

•  •  •

تستبعد الرؤية الإسرائيلية ــ الأمريكية للإقليم، فى كل نسخها وصورها، إيران من المعادلة. لا تكتفى الرؤية الإسرائيلية ــ الأمريكية باستبعاد إيران وحسب، وإنما تناصبها العداء منذ نجاح الثورة الإيرانية على الشاه (حليف أمريكا وإسرائيل) عام 1979م، وإقامة نظام جمهورى إسلامى، يناهض الهيمنة الأمريكية ــ الإسرائيلية. تمثل هذا العداء فى استدراج الجمهورية الإسلامية، الوليدة، إلى حرب استنزاف لمدة ثمانى سنوات مع العراق، عُرفت باسم حرب الخليج الأولى، أو الحرب العراقية ــ الإيرانية (1980 ــ 1988م)، خلفت نحو مليون قتيل من الجانبين وخسائر مالية تُقدر بنحو 400 مليار دولار، وفى فرض عقوبات قاسية على إيران، وفى اغتيال إسرائيل للعديد من العلماء الإيرانيين فى مجال الطاقة النووية، داخل وخارج إيران، ومهاجمتها الوجود الإيرانى فى سوريا واغتيال العديد من قادة الحرس الثورى الإيرانى، كان آخرهم حسين مهدوى، الذى قتل فى الهجوم الإسرائيلى على القنصلية الإيرانية فى دمشق فى الأول من شهر أبريل 2023م، وهو الهجوم الذى استتبع ردا إيرانيا غير مسبوق على إسرائيل انطلاقا من الأراضى الإيرانية نفسها، فى الليلة ما بين السبت والأحد بالرابع عشر من شهر أبريل 2023م، وليس عبر حلفاء إقليميين، وأحدث تغييرا استراتيجيا فى الشرق الأوسط.

خلق الرد الإيرانى معادلة جديدة فى المنطقة، قوامها التخلى عن سياسة «الصبر الاستراتيجى»، التى تتطلب، بحسب، ناداف أيال، فى يديعوت أحرونوت، «صبرا من أجل الوصول إلى هدف أشمل، يتمثل فى خلق هيمنة إيرانية إقليمية والامتناع عن الدخول فى مواجهة مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية». تفرض المعادلة قواعد جديدة للعبة، منها تقييد حرية العمل العسكرى أمام إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران. يقول، راز تسيمت، الخبير فى الشئون الإيرانية وكبير الباحثين بمعهد بحوث الأمن القومى الإسرائيلى وبمركز إليانس للدراسات الإيرانية بجامعة تل أبيب، إن إيران «تقدم، بعد هجومها على إسرائيل، رؤية لشرق أوسط جديد لا يجوز الاستخفاف بها، وترسخ وجودها فى المنطقة بفضل بضعة عوامل منها، استفادتها من الغزو الأمريكى للعراق عام 2003م لتعزيز وجودها فى العراق، وتطوير علاقاتها مع روسيا، بعد اندلاع الحرب مع أوكرانيا، إلى مرتبة استراتيجية».

•  •  •

من ملامح الرؤية الإيرانية للمنطقة، أنها ترى فى التطورات الدولية فرصة لتأسيس نظام عالمى متعدد الأقطاب، ليس بزعامة أمريكية، تستطيع أن تؤدى فيه دورا أكثر تأثيرا إلى جانب حلفائها الإقليميين (الحزام النارى الذى أحكمته حول إسرائيل فى غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، وربما الأردن، لاحقا، إن استطاعت إلى ذلك سبيلا) وإلى جانب شركائها الدوليين وعلى رأسهم الصين وروسيا. وقد أفصح المرشد الإيرانى، على خامنئى، عن بعض ملامح هذه الرؤية، فى خطاب ألقاه فى نوفمبر 2022م، قال فيه إن الولايات المتحدة الأمريكية «لم تعد القوة المهيمنة فى العالم وإن النظام العالمى يتغير فى اتجاه تأسيس نظام جديد، يستند إلى نقل القوة السياسية، والاقتصادية، والثقافية من الغرب إلى آسيا، وإلى توسيع جبهة المقاومة». وقد عبَّر كبير مستشارى المرشد الإيرانى للشئون العسكرية، يحيى رحيم صفوى، عن ثقته فى «انتصار جبهة المقاومة بقيادة إيران، وعن تشكل شرق أوسط جديد فى المنطقة، فى القلب منه إيران». لقد أصبحت إيران قوة إقليمية كبرى، ولم تعد تخشى من الدخول فى مواجهة مباشرة مع إسرائيل. لقد «خرجت من الظل»، بحسب تعبير، رونين برجمان، فى يديعوت أحرونوت، منذ فترة، وهى «تمرح الآن فى كل أنحاء الشرق الأوسط».

•  •  •

نحن، إزاء رؤيتين متصادمتين بالمنطقة، لا ندرى أيهما سيكون لها الغلبة فى نهاية الأمر. الأمر المؤسف أن العرب مجرد بيادق فى صدام الرؤيتين. ليس لهم رؤية خاصة بهم. هم غافلون، حتى، عن مصالحهم الاستراتيجية. مستقبلهم ترسمه قوى خارجية. ما أحوجنا، نحن العرب، إلى تقديم رؤية مستقلة، تراعى مصالحنا، وتخدم قضايانا. لماذا نبدو عاجزين عن تقديم وفرض رؤية خاصة بنا؟ لماذا تغيب أجندتنا؟ لماذا لا نكون، على الأقل، مثل إسرائيل وإيران؟ لا تنقصنا الموارد البشرية، ولا سائر المقومات التى تجعلنا فى وضع القائد والمبادر وليس فى وضع المقود دائما.     

يحيى عبدالله أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة
التعليقات