المستفيد من توسيع الحرب - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الأحد 2 أغسطس 2026 8:57 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

المستفيد من توسيع الحرب

نشر فى : الأحد 2 أغسطس 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الأحد 2 أغسطس 2026 - 7:25 م

هل هناك قرار وتوجه أمريكى وإسرائيلى استراتيجى بتوسيع الحرب مع إيران إلى حرب إقليمية شاملة وربما حرب عالمية، بهدف استنزاف موارد المنطقة بأكملها وليس فقط إضعاف إيران أو حتى مجرد تغيير نظامها الحاكم؟!

لا توجد إجابة جازمة لهذا السؤال، ولكن هناك مؤشرات وشواهد وتصريحات يمكن من خلالها التوصل إلى ملامح أساسية للإجابة.

حينما شنت إسرائيل حربها الأولى على إيران فى شهر يونيو من العام الماضى، كان الاعتقاد الأساسى لدى كثيرين هو أن الهدف الوحيد هو القضاء على البرنامج النووى الإيرانى أو  تأخيره لسنوات خصوصا حينما انضمت أمريكا فى اليوم الأخير لهذه الحرب وشنت هجوما ضخما على المنشآت النووية الإيرانية الثلاث فى أصفهان ونطنز وفوردو.

 ونتذكر يومها أن ترامب جزم بأنه تم تدمير البرنامج النووى بغير رجعة، بل دخل فى جدل طويل مع بعض قادة أجهزة استخباراته الذين شككوا فى كلامه.

لكن عودة أمريكا وإسرائيل لشن الحرب مرة أخرى على إيران فى ٢٨ فبراير الماضى، جعلت كثيرين يتعاملون مع الأمر باعتباره ليس فقط لتدمير البرنامج النووى الإيرانى أو حتى إسقاط النظام، بل إدخال المنطقة بأكملها فى حرب شاملة، من أجل تحقيق العديد من الأهداف التكتيكية والاستراتيجية، ومنها أن تبقى إسرائيل هى الطرف الأقوى المهيمن، بعد استنزاف قدرات دول المنطقة بأكملها خصوصا الكبرى التى يمكن أن تهدد إسرائيل مستقبلا، وأن تتحكم أمريكا فى اقتصادات الطاقة وممرات الملاحة فى إطار صراعها الأكبر مع الصين.

حينما تم التوصل إلى الهدنة الأولى بعد ٦ أسابيع من بدء القتال تفاءل كثيرون، بأن الحرب فى طريقها إلى الانتهاء، خصوصا حينما تم التوصل إلى مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا فى ١٨ يونيو، تمهيدًا للوصول إلى اتفاق نهائى خلال ستين يومًا.

بنود هذه المذكرة كشفت أن أمريكا وإسرائيل لم تتمكنا من تحقيق الأهداف الجوهرية لهذه الحرب، وهكذا تم العودة للقتال مرة أخرى قبل نحو ثلاثة أسابيع، خصوصًا مع إصرار إيران على تحويل مضيق هرمز من ممر دولى مفتوح بالمجان للملاحة البحرية إلى مضيق تستخدمه إيران كسلاح استراتيجى وتفرض رسوما على المرور عبه.

نتذكر أن دول الخليج ومعها غالبية دول المنطقة عارضت منذ البداية شن الحرب، وسعت بكل الطرق بعد نشوبها إلى احتوائها، ورأينا جهودًا باكتسانية قطرية مصرية تركية سعودية فى هذا الصدد.

ورغم أن عددًا كبيرًا من دول الخليج يتضرر من السياسات الإيرانية التى تسعى للهيمنة إلا أن تجربة الحرب ربما أقنعتها أن أضرار الحرب وتوسيعها ستؤدى لا محالة إلى استنزاف مواردها بصورة تفوق مخاطر الهيمنة الإيرانية.

المؤشر الأساسى على الرغبة الأمريكية الإسرائيلى على توسيع نطاق الحرب هو الضغط على بعض الدول العربية لاستخدام أجوائها وقواعدها العسكرية لشن الحرب، وهى تدرك أن ذلك سيؤدى إلى رد إيرانى.

بعض غالبية دول الخليج أدركت مع بدايات الحرب أنها ستكون الأكثر خسارة فى حالة توسعها، ولذلك جاهرت علنًا بالاختلاف مع النهج الأمريكى، وصار معروفًا أن الرفض السعودى هو الذى أحبط فى اللحظة الأخيرة حربا عبثية عربية فارسية أو طائفية سنية شيعية. وهناك تقديرات بأن السعودية ودول خليجية أخرى تعارض الرغبة الأمريكية الإسرائيلية فى استهداف منشآت الطاقة الإيرانية لإدراكها أن الرد الإيرانى سيكون مماثلاً ضدها.

حينما ننظر للأمر بهدوء، فإن من مصلحة أمريكا وإسرائيل أن تتوسع الحرب لتصبح حربًا عربية إيرانية تستمر لسنوات، ليتم استنزاف موارد الطرفين كما حدث بالضبط فى الحرب العراقية الإيرانية من ١٩٨٠ - ١٩٨٨، والتى تحولت فيها أمريكا وإسرائيل إلى تاجر يبيع السلاح والمعلومات للطرفين، مما أنهكهما وأنهك المنطقة ومواردها لعقود طويلة.

فى إطار هذا التصور يمكن فهم أسباب بعض الهجمات التى وقعت فى الفترة الأخيرة فى العديد من دول المنطقة.

وبالمناسبة إيران ليست بريئة من تسهيل المخطط الأمريكى الإسرائيلى، خصوصًا حينما تحاول عبر الحوثيين فى اليمن إغلاق مضيق باب المندب والإضرار بالمصالح الحيوية لمصر والسعودية.

قد تتوقف الحرب اليوم أو غدًا، ولكن مادامت الأهداف الرئيسية لمن شنوها لم تتحقق فسوف يتم استئنافها غدًا أو بعد غد. وبالتالى فإن تحقيق الأهداف الأمريكية الإسرائيلية يعنى استنزاف المنطقة بأكملها فى المنطقة حتى خارج الميدان الأساسى للحرب الأمريكية الإيرانية. وبالتالى تصبح أمريكا وإسرائيل مستفيدان أساسيان من توسيع نطاق الحرب، وإيران أيضًا سوف تستفيد ما دامت لم تحقق أهدافها هى الأخرى أى الهيمنة على منطقة الخليح العربى.

والموقف الذى نحن بصدده الآن ينطبق عليه المثل القائل: «حينما تتصارع الأفيال، فإن العشب يكون هو الضحية»، وللأسف فإن العشب هو المنطقة العربية، وبالتالى فالتصرف السليم هو ألا نتحول إلى عشب، وألا ننجر إلى توسيع نطاق المعركة.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي