المغرب ــ تونس: جمهور تقوده الأهـــــواء - صحافة عربية - بوابة الشروق
السبت 16 يناير 2021 10:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن يساهم قرار تأجيل امتحانات نصف العام في تراجع إصابات كورونا بمصر؟

المغرب ــ تونس: جمهور تقوده الأهـــــواء

نشر فى : الإثنين 2 نوفمبر 2020 - 9:35 م | آخر تحديث : الإثنين 2 نوفمبر 2020 - 9:35 م

نشرت جريدة المغرب التونسية مقالا للكاتبة آمال قرامى... نعرض منه ما يلى.
صار من المتوقّع مع كلّ حدث إرهابى أو بيان سياسى أو جريمة أو فاجعة أن تنطلق تعليقات المتلقّين للخبر، وتنتشر المواقف الانطباعية والانفعالات؛ الغضب والحنق والاستياء والتعبير عن الكره، كره الذات وكره الآخر... وكأنّه لا مجال للتريّث والتدقيق فى المصادر المتنوّعة والاستقصاء ومحاولة استيعاب ما حدث والبحث عن مصادر أخرى للتحقّق من الوقائع... وكأنّه لا وقت لدى الجمهور للتدبّر والتفكّر إن هى إلاّ أهواء (غضب...) تتلاعب بهم فتدفعهم إلى التعبير عن المكبوت والمكتوم والقابع فى اللاوعى والمتخيّل...
فما إن ذاع خبر الاعتداء الوحشى على المصلّين فى كنيسة نيس حتى انطلقت التعليقات والتأويلات والتدوينات وغيرها. وانخرطت الجموع فى إصدار الأحكام وتحميل مسئولية ما حدث إلى هذا الطرف أو ذاك. ثمّ سرعان ما انتشرت صورة «القاتل» وحدّد اسمه ولقبه ومدينته، ووُصف المسار الذى قطعه من لامبادوسا إلى فرنسا. ولم تمر بعض الساعات حتى ظهر فيديو لوليد السعيدى يؤكّد فيه على تبنّى «جماعة أنصار المهدى بتونس والمغرب العربى» للعمليّة ويهدّد فيه «الصليبيين ومن والاهم إلى يوم الدين» بالذبح «انتصارا لرسول الله».
إنّ ما يسترعى الانتباه فى ردود الفعل والتعاطى مع هذه المعلومات ذات السمة الانسيابية هو استعداد أغلب المتفاعلين، وهم من المُدينين للتطرّف والإرهاب، للدفاع عن وجهات نظرهم بكلّ شدّة، ولا ضير إن لعن الواحد منهم من خالفه فى الرأى، وشتمه واحتقره... فالسياق يُحفّز على إظهار «الحماسة» وممارسة «الهجاء»، أى العنف اللفظى والرمزى وتلك لعمرى مفارقة من بين مفارقات أخرى؛ أن يمارس العنف بدعوى إدانة العنف والتطرّف والإرهاب.
أمّا المناصرون لـ«غزو بلاد الإفرنج» و«تركيع فرنسا»، والمتأثّرون بأدبيات «الصارم المسلول على شاتم الرسول» فإنّهم وجدوا فى شعار «نصرة رسول الله» ضالتهم. فأظهروا الفعل الإجرامى فى ثوب «الجهاد» وبرّروا التوحّش باسم الغيرة على الإسلام و«الاستشهاد فى سبيل الله».. ولم يجدوا حرجا فى التعبير عن مشاعر الفرح والحبور والغبطة والتماهى مع من قتلوا أخذا بالثأر وحماية للعرض إذ لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى... حتى يراق على جوانبه الدمُ.
ولا مانع لدى هؤلاء الناقمين على فرنسا والغرب أن يتلاعبوا بالعقول «بفبركة الفيديوهات» وتغيير المعطيات وإذاعة الشائعات. فهوية المعتدى فى مدينة Avignon، وهو فرنسى، تصبح هويّة الإرهابى التونسى فى محاولة للتضليل وكسب مزيد الأنصار إذ «لا علاقة للإسلام والمسلمين بعملية نيس».
إنّ هذه المواقف المتشنّجة والمتسرّعة تُبين عن مدى هيمنة الأهواء (الغضب، الفرح...) على أصحابها، وعسر عقلنة المواقف وما يواجهه الفرد من أزمات وأحداث فى حياته اليومية، وهو أمر يحول دون توفير مناخ حقيقى للنقاش المعمّق الذى تواجه فيه الفكرة بالحجّة ويقابل فيه الرأى المتهافت بالمنطق والبرهان. إنّه مناخ يحجب إمكانات متنوعّة للتفاعل مع الطارئ والمباغت والصادم والمربك للقناعات والمسلّمات والمزحزح للحدود. ولا غرابة فى ذلك ما دمنا غير محصّنين، فنظامنا التعليمى ومناهجنا التربوية تجعلنا فى الغالب، غير قادرين على حسن الإصغاء واستيعاب ما يحدث وإدراك الخلفيات الثاوية. أمّا أدوات التحليل المعتمدة لدينا فقد صارت قاصرة عن تقديم فهم مغاير يواكب ما ينتج معرفيّا هنا وهناك. ولا تسل عمّا فعلته البرامج التلفزيونية «الترفيهية والسياسية» ووسائل التواصل بنا حتى بتنا نطالب بالحقّ فى الصحة النفسية.
العالم يتحرّك من حولنا وتعاد فيه صياغة الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وتبتكر فيه مفاهيم ومصطلحات ونظريات ومقاربات ونحن لا نكاد نبرح مكاننا نقف على الأطلال فنتحسّر على الماضى التليد والأمجاد، ونغضب عند قراءة قصيدة، ونطرب عند سماع آية فنردّد «الله الله»، ونثور لرسم كاركاتورى فنذبح باسم الله ونكبّر... هى الأهواء (الجشع، الغضب، الندم، البغض، الكراهية...) تسيطر على سلوكنا وخطاباتنا وقراراتنا فتُفتح مساحات للتعبير عن العواطف والمشاعر وتتسع دائرة التوتّر، والخصومات والصراع، والعنف.

التعليقات