عن كتابة التاريخ التى نحملها ما لا تقوى عليه - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الجمعة 17 سبتمبر 2021 3:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

عن كتابة التاريخ التى نحملها ما لا تقوى عليه

نشر فى : الثلاثاء 2 ديسمبر 2014 - 8:40 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 2 ديسمبر 2014 - 8:40 ص

حين يحال بين الشعوب وبين معرفة الحقيقة، حين تمنع من ممارسة المكاشفة والمساءلة والمحاسبة بشأن مظالم وانتهاكات وفساد الماضى والحاضر، حين تتسارع عمليات تزييف الوعى العام والترويج لصوت أوحد ولرأى أوحد تحدد منظومة الحكم والنخب المتحالفة معها مرتكزاتهما وتوظف أدوات القمع المادى والمعنوى لإسكات الأصوات الأخرى وتغييب الآراء المغايرة، حين تفرض على الناس بعد ثورات وانتفاضات طلبت الحق والحرية ثقافة الخوف والخنوع والانكفاء على الذات والابتعاد عن قضايا المجتمع والدولة، حين يستخدم لذلك نهج سلطوى يمزج بين تهجير المواطن من المجال العام بقوانين وإجراءات وممارسات متنوعة وبين إخضاعه الدائم للتهديد بالقمع والعقاب إن لم يمتثل للصوت الأوحد وللرأى الأوحد، حينها تنزع المجموعات المتمسكة بطلب الحق والحرية إلى التعويل على التاريخ الذى تدفع باتجاه مدونيه وموثقيه وباحثيه بمسئولية تسجيل الحقيقة والانتصار للمطالب العادلة للشعوب وتجاوز عمليات تزييف الوعى وإسكات الأصوات الحرة التى تطغى على الحاضر.

ليست فقط مصر التى تتصاعد بها أصداء التعويل على «التاريخ» بمقولات وعبارات متشابهة ترددها المجموعات المتمسكة بالطلب على الحق والحرية، ليست فقط مصر التى يرتب بها توالى هزائم وانكسارات وارتدادات دعاة التحول الديمقراطى وسيادة القانون وتداول السلطة اللجوء العفوى لكتابة التاريخ كساحة مستقبلية يلقى على عتباتها بالأمل فى رد الاعتبار والأمل فى غد قد يحمل صونًا لكرامة المواطن إزاء تغول الحكم ويأتى بالمجتمع المتسامح وبالدولة العادلة، ليست فقط مصر التى تسعى بها الأصوات المدافعة عن الحقوق والحريات إلى توظيف الوعد بالعدل فى حوليات التاريخ ومدوناته القادمة بهدف تجاوز وضعية الوهن المجتمعى التى تفرضها عليها حقائق الواقع المتكالب على القوة به أطراف قديمة وجديدة يجمعها رفض الديمقراطية وبغية الإبقاء لرؤاها ومطالبها على بعض التأييد وبعض التضامن بين القطاعات الشعبية.

إلا أن السؤال الجوهرى الذى يتعين طرحه على هوامش الكتابات والتعليقات التى تتداول اليوم فى مصر وتبحث فى المجال العام عن مواقع وخانات تتصاعد منها أصداء الأمل فى التاريخ الذى «لا تكتبه أحكام القضاء» ولا «يغفل عن تجاوز حدود المسئولية الجنائية إلى معانى ومضامين المسئولية السياسية والمجتمعية»، هو من يكتب التاريخ؟ هل يكتبه غير الأطراف المسيطرة على الحكم والمهيمنة على المجال العام اليوم؟ هل تتوارى حقائق القوة ومصالح الحكم والنخب المتحالفة معه عن كتابة التاريخ وعن حولياته ومدوناته، وهذه الحقائق والمصالح لا تترك مساحة أو ساحة من ساحات حياة المواطن والمجتمع والدولة إلا وأخضعتها لسلطانها؟ هل سيعدم الحكم وحلفاؤه من يبحثون، إن طمعا فى الحماية والعوائد أو اقتناعا بالتيار السائد وبالصوت الأوحد وبالرأى الأوحد، عن كتابة التاريخ بذات المعانى والمضامين المستخدمة اليوم لتزييف وعى الناس؟ هل سيعجزون عن الترويج فى حوليات ومدونات التاريخ للمقولات المتهافتة بشأن مرادفة طلب الحق والحرية والديمقراطية بجرائم هدم المجتمعات والأوطان وبشأن اختزال الوطنية فى حشد أحادى لتأييد الحكم والحاكم وتبرير المظالم والانتهاكات بمؤامرات الداخل والخارج وبالأعداء الذين تسهل إطالة قوائمهم؟ هل تملك المجموعات المتمسكة بالحق والحرية القدرات البشرية والمالية والتنظيمية اللازمة للإسهام الفعال فى كتابة التاريخ وتدوينه بعيدا عن الحكم والحكام والمصالح الكبرى؟ الإجابة الوحيدة على جميع هذه التساؤلات هى بلا قاطعة.

دعونا نعمل اليوم، ونواصل البحث بسلمية وبتسامح عن الانتصار للديمقراطية وللعدالة الانتقالية التى لها وحدها أن تحاسب عن ماضى وحاضر المظالم والانتهاكات والفساد وعن استعادة ثقة الناس فى كون الديمقراطية هى سبيل تقدمنا وسلمنا الأهلى وتماسك الدولة الوطنية، ولنترك كتابة التاريخ اليوم وغدا لحقائق القوة لتفرض منطقها كما فرضته دوما.

غدًا هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات