السعي للعدالة.. جسد البشر وجسد الدولة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 20 أبريل 2024 10:02 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

السعي للعدالة.. جسد البشر وجسد الدولة

نشر فى : السبت 3 فبراير 2024 - 8:10 م | آخر تحديث : السبت 3 فبراير 2024 - 8:10 م
أضع هذا الكتاب الضخم والمتفرد، والصادر عن دار الشروق بعنوان «السعى للعدالة.. الطب والفقه والسياسة فى مصر الحديثة»، من تأليف أستاذ التاريخ المرموق د. خالد فهمى، وترجمة حسام فخر، بين أهم وأفضل ما قرأت خلال السنوات العشر الأخيرة.
أراه إضافة مهمة ومعتبرة لسيرة الوطن وأهله وناسه، فى فترة مفصلية، تشكل فيها جسد دولة حديثة، وتفاعل فيها المصريون مع تحولات كبرى، ترتبط مباشرة بأجسادهم، وبالتنظيم القانونى والصحى لشئونهم اليومية.
يتناول الكتاب زاوية طريفة حقا، وخلال نصف قرن تقريبا فى القرن التاسع عشر، حيث يركز على فكرة سعى المصريين للعدالة، ارتباطا بالتطور الطبى، وخصوصا الطب الجنائى، وبالتطور التشريعى والقانونى، من خلال القوانين المدنية، والقوانين المستمدة من الشريعة.
الأهم من طرافة الموضوع هو «منهج» التناول، الذى لا يفتش فقط فى القوانين والمراسيم الصماء، ولكنه يضفى عليها حيوية بالغة، بالتفتيش عن القصص الإنسانية التى حفظتها دار الوثائق القومية، فى صورة محاضر جرائم، أو تفاصيل قضايا، أو حوادث كانت «هامشية»، فصارت «متنا» عبر منهج الكتاب.
هو إذن التاريخ من أعلى ومن أسفل فى نفس الوقت، فى تفاعل فذ وخلاق، فليست الفكرة فقط أن يستجيب محمد على للطبيب الفرنسى كلوت بك بإنشاء مدرسة للطب، ولكن الأهم هو دراسة تأثير إنشاء هذه المدرسة على صحة المصريين، وكيف تفاعل الناس مع العلوم المستحدثة مثل علم التشريح؟
كيف تحولت مسألة إنشاء مدرسة طبية لخدمة الجيش إلى مؤسسة مؤثرة غيرت طريقة التعامل مع الأمراض والأوبئة والصحة العامة، وآليات النظافة والتخلص من القمامة؟ وكيف امتزجت هذه الثورة الطبية بعلوم أخرى حديثة كالإحصاء والخرائط؟
ليست الفكرة فقط أن الخديوى إسماعيل قد أراد أن تكون القاهرة باريس على النيل، ولكن الفكرة أيضا فى فحص تلك الرؤية المثالية، التى انتهت إلى مدينة أوروبية حديثة، ومدينة أخرى قديمة مهمشة، ومع ذلك فإن الرعاية الصحية قد شملت المدينتين معا دون تفرقة، فقد كان هناك وعى كامل بأن روائح وقمامة ومجارير المدينة القديمة لا بد أن تعالج بمنتهى الدقة والصرامة، حفاظا على الصحة العامة للجميع، بل إن الطب الذى أدخله الأجانب، لم يكن طبا استعماريا عنصريا كما فى الهند، إذ تلاميذ هؤلاء الأطباء الأجانب من المصريين النابغين.
هذا المنهج المركب متعدد الزوايا، والمؤيد باللوائح والقوانين، والحكايات الحية المسجلة فى المحاضر المدونة بمزيج عجيب من الفصاحة والركاكة العامية، مع التفات د. فهمى إلى دور مجالس السياسة، وهى أنظمة مهمة للتحقيق والفحص بجانب المحاكم الشرعية، ولكنها أنظمة كانت تأخذ بنتائج الطب الشرعى، ومع إعادة قراءة أدوار نظم وسلوكيات عتيقة مثل نظام «المحتسب» فى الأسواق، وما حل مكانه من أنظمة ووظائف حديثة، ومثل تقنين التعذيب ثم التحول عن هذه السياسة، كل ذلك جعلنا أمام اكتشافات مذهلة، تخلخل، بل وتنقض، ما استقر من مقولات عامة رائجة ومتواترة، دون فحص أو مراجعة.
ينقض د. خالد ــ مثلا ــ فكرة مقاومة المصريين، وعلماء الشريعة لتشريح الجثث، رغم روايات كلوت بك، الذى قال إنه تعرض لمحاولة اغتيال من أحد تلاميذه المصريين، لأنه انتهك حرمة جسد بشرى بالتشريح، ويثبت الكتاب اقتناع المشايخ بضرورة التشريح، بل إن الناس العادية كانت تقدم عرائض لطلب تشريح جثث ذويهم، إذا شكوا فى وجود ارتكاب جريمة قتل ضدهم، أما التوترات بشأن تشريح الجثث، فكانت دوافعها تتعلق بتأخير دفن الجثث.
ويفند الكتاب فكرة الانتقال السريع والشامل من المحاكم الشرعية، إلى المحاكم الأهلية المدنية، موضحا أن التطور القانونى كان مرتبطا بالتطور القانونى فى الدولة العثمانية، ولم يكن انقلابا على الشريعة، أو نقلا كاملا للقانون الفرنسى، ولم يكن إلغاء نظام المحتسب، الذى يفتش على سلامة الأغذية وعدم غشها فى الأسواق، إلا ارتباطا بتطور علم الكيمياء، وتأسيس معمل عظيم منضبط النتائج، وكفاءة عمل رجال الضبطية (الشرطة)، مما أتاح للدولة أن تمارس عنفا أكثر ذكاء وانضباطا، بدلا من عنف المحتسبين الفج.
وبينما يستعرض الكتاب تقنين التعذيب والعقوبات البدنية بالجلد فى قوانين ومراسيم، فإنه يربط التخلى عن تلك العقوبات القاسية، بوجود بدائل حلت محلها، فالطب الجنائى الذى يثبت دليلا على القاتل، لم يجعل هناك حاجة لتعذيبه حتى يعترف بالجريمة، والسجون نفسها تطورت، فلم تعد مكانا للنفى أو الموت، وحرمان الفرد من حريته، أقوى من إيلامه بالجلد أو التعذيب.
لجأ د. فهمى أيضا فى سرديته البديعة إلى أن يحكى قصة السعى للعدالة عبر حواس الإنسان الخمس: البصر (بالحديث عن معاينة ومشاهدة تشريح الجثث)، والسمع، بالحديث عن مجالس السياسة، أى لجان التحقيق، والتى كانت تحولا من ثقافة المحاكم الشرعية المسموعة، إلى ثقافة النصوص المكتوبة، والشم، بالحديث عن قوانين وآليات مكافحة الروائح الكريهة عبر برامج الصحة العامة والنظافة وردم البرك، ومنع الدفن داخل المدينة، والتذوق، بالحديث عن مراقبة الغش فى الأسواق، واللمس، بالحديث عن سياسات تعذيب الأجساد وتحولاتها.
من خلال تلك الانتقالات بين القوانين واللوائح، وبين الجرائم والحوادث العادية، وعبر هذا المزيج من شخصيات تاريخية على رأس السلطة أو أجهزة الدولة، مثل محمد على الكبير، والخديوى إسماعيل، وكلوت بك، وعلى مبارك، وشخصيات هامشية لها حكايات دالة، مثل الفتاة الصعيدية «فضل واسع»، التى حملت من عشيقها، ودفنت جنينها بدون تصريح، ففضحتها المحاضر الرسمية. وبين مستحدثات الدولة المصرية الوليدة، وتكيفات وتوترات المصريين للتعامل مع كل ذلك، يبدو الكتاب كجدارية هائلة عن سيرة الوطن كله، بكل معالمه وتفاصيله.
وضع المؤلف الكتاب بالإنجليزية، وترجمه حسام فخر بأستاذية، فبدا كما لو أنه مكتوب بالعربية، وصارت لدينا سردية بديلة واعية وعميقة.
لن ترى تاريخنا أبدا بعد القراءة بنفس الصورة، ولن تفوتك طاقة الحب لهذا الشعب العظيم الذى يستحق العدالة.
محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات