حقيقة الصهيونية! - رجائي عطية - بوابة الشروق
الإثنين 30 مارس 2020 11:51 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

حقيقة الصهيونية!

نشر فى : الأربعاء 4 مارس 2020 - 9:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 مارس 2020 - 9:15 م

الصهيونية العالمية حقيقة واقعة، تمثل فيما يبدى الأستاذ العقاد ــ قوة فعلية موجودة بأعمالها ومخططاتها وآثارها ودعايتها ومقاصدها وأهدافها.. وهى تنتظم فئات من البشر عرفوا منذ أقدم عصور التاريخ، وفى جميع كتب الشرائع، بالغلظة والقسوة.. والتمرد والعصيان.. لم يعرفوا فى تاريخهم الطويل شيئًا يسمى بالولاء أو الإخلاص فى الطاعة لمن يتولى شئونهم.. حتى أنبياؤهم.. ذاقوا منهم الأمّرين.. وعانوا من غلظتهم وشكاستهم.. وفى جميع المجتمعات التى عاشوا فيها ظهرت عزلتهم وتحزبهم.. وانفرادهم فى الإقامة بأماكن وأحياء خاصة.. وظهر اتفاقهم على ابتزاز أموال الأمة التى يرتعون فى كنفها، واستباحة أرزاقها.. جشعًا، واستغلالا.. يستعينون على ذلك بطوابيرهم الخامسة التى تدبر لهم أمورهم فى كل دولة وفى كل ميدان.. وتعمل ـ سرًّا من وراء الأستار.. يغذيها تعصب مقيت بث فى نفوسهم كراهية وحقدًا على العالم أجمع.
ومع هذا كله، فإن قوة تنظيمهم وأساليبهم الخاصة ـ لم تكن وحدها لتكفى لبلوغ ما بلغوه فى فلسطين.. لولا مساعدة قوى المصالح الاستعمارية، والمتعصبين ضد العرب وضد الإسلام والمسلمين.
اتفق أصحاب النظر، بمن فيهم يهود، ومنهم «ماكس نوردو» الكاتب الصهيونى ـ اتفقوا على أن إقامة إسرائيل على أرض فلسطين العربية، لم تكن محض حب للصهيونية أو الصهاينة، وإنما لتوافق الأغراض والمصالح، فضلا عن كراهة قديمة لدى الغرب للإسلام وبنى الإسلام والمسلمين، وقد تحدث العقاد عن بعض ذلك فى كتابه «ما يقال عن الإسلام» (كتاب الهلال 1966)، وأوردته تفصيلا الكاتبة البريطانية
«كارين أرمسترونج»، وهى راهبة سابقة وباحثة فى تاريخ الأديان، فى ــ كتابها «محمد سيرة النبى»، الصادر بالإنجليزية فى نيويورك سنة 1992، وترجمه إلى العربية الدكتوران محمد عنانى وفاطمة نصر، وكشفت فيه المؤلفة تراكمات وجذور المغالطات التى سادت فى الغرب من قديم، وشكلت منظور كثير من الغربيين عن الإسلام ورسوله. (ويمكن لمن يحب الاستزادة أن يرجع إلى الكتاب أو مقالاتى عنه بالأهرام 12، 26/6/2008 ، أو بكتابى
«بين شجون الوطن وعطر الأحباب»
(ص184 ـ 195).
* * *
وقد كرّس رغبة الغرب فى التخلص من اليهود من خلال التهجير إلى وطن قومى، أنه ظهرت فى القرن قبل الماضى مجموعة من الوثائق السرية سميت بمحاضر مشيخة إسرائيل، وانتشرت من روسيا إلى سائر الأقطار الأوروبية، وضمت قرارات المشيخة الصهيونية التى تلتقى من حين لآخر للنظر فى شئون العالم، واتخاذ خطط مرسومة لتوجيه السياسة الدولية وإثارة الفتن والقلاقل فى دول الحضارة سعيًا لتمكين الصهيونية من السيطرة. ومسيحيو الغرب يقرأون إلى جوار ذلك ما جاء عن اليهود بالعهد القديم الذى يشكل جزءًا من الكتاب المقدس، ففى سفر الخروج «قال الرب لموسى: رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صُلْبُ الرقبة» (الخروج 32: 9 )، وفى سفر الخروج نفسه بلسان الإله: «إنى لأصعد فى وسطك، لأنك شعب صلب الرقبة لئلا أفنيك فى الطريق» (الخروج 33: 3)، وفى سفر التثنية يقول لهم موسى عليه السلام: «إنى عارف تمردكم ورقابكم الصلبة»
(التثنية 31: 27)، وفى سفر حزقيال: «أنا مرسلك إلى بنى إسرائيل أمة متمردة قد تمردت علىَّ. هم وآباؤهم عصوا علىَّ إلى ذات هذا اليوم» ( حزقيال 2: 4 )، وجاء بسفر حزقيال أيضًا: «لأن كل بيت إسرائيل صلاب الجباه وقساة القلوب» (حزقيال 3: 7)، ولا يوجد سفر من أسفار العهد القديم خلا من وصف بنى إسرائيل بهذه الأوصاف.
ولم يعرف الصهيونيون فى تاريخهم شيئًا يسمى الولاء والإخلاص فى الطاعة لمن يتولى شئونهم، وإنما عُرِفُوا بالتمرد والمشاكسة والالتواء والعصيان. وقد أثار عنادهم وتآمرهم الحفائظ عليهم، وألبوا المشاعر ضدهم فكانوا هم الجناة على أنفسهم، لا فى ألمانيا وحدها , وإنما فى الدول الغربية بعامة، ومن ثم لم تكن ممالأة الغرب لفكرة الوطن القومى لليهود ناشئة عن محبة، وإنما على النقيض، فكانت الرغبة فى الإزاحة نابعة عن «البارانويا» الناضحة فيهم بكل أعراضها بما فيها غرور الأنانية، والانفصام عن الوسط، والوهم المتسلط، والشعور بالاضطهاد، والتوجس الدائم من الأعداء، والاعتقاد بالتميز، حتى إن الرب عندهم هو «رب إسرائيل» وليس رب العالمين، ويحسبون أن رب إسرائيل خلقهم وحدهم لعبادته وخلق باقى الأمم لخدمتهم إلى آخر الزمان !
أما اختيار فلسطين، فقد صادف لدى الغرب أهواء لا هوًى واحدًا، فالسيطرة على طرق التجارة المارة بالشرق الأوسط حلم قديم للغرب، وتقاتلت عليه إنجلترا وفرنسا، واختيار فلسطين يوافق أغراض اليهود وحنينهم القديم، وأخيرًا فإنه لا خاطر للعرب والمسلمين لدى الغرب، بل هو النقيض النابع من تلال الكراهية التى تراكبت بناء على تفسيرات مغلوطة للإسلام وصور مشوهة لرسوله، أفاضت «كارين أرمسترونج» فى بيانها بكتابها «محمد»، يمكن الرجوع إليه لمن يريد الاستزادة فى هذا الباب.
* * *
ويرى الأستاذ العقاد فى الفصل السادس من كتابه، أن انفصام اليهود هو الذى استثار مقاومتهم، وهى مقاومة حرضوها هم بالعزلة والتآمر والاستغلال، فالصهيونية هى المسئولة عن كل اضطهاد جرته على نفسها وعلى أبناء دينها، وهم أشد الناس اضطهادًا لغيرهم متى امتلكوا القدرة الظاهرة أو الخفية.
ودعوى الاضطهاد التى يستغلها الصهيونيون لتخريب الشعوب والأمم والتمكين للصهيونية ـ هذه الدعوى فى جوانبها الحقيقية تدين المُضْطَهَدِين قبل أن تدين المضطهدِيِن.. فهم يزعمون أنهم وحدهم صفوة الخلق، وأصحاب الحظوة عند الله لغير سبب إلا أنهم أبناء إسرائيل.. أما باقى الأقوام والأجناس فهم عبيد خُلِقوا ليظلوا تحت أقدامهم مسخرين لخدمتهم.. فيقسمون العالم إلى قسمين متقابلين: قسم إسرائيل، وهم صفوة الخلق وأصحاب الحظوة عند الله لغير سبب إلاَّ أنهم أبناء إسرائيل، وقسم آخر يسمونه قسم الأمم أو «الجوييم» ويضم باقى الأقوام والأجناس، ويقصدون به أسافل الناس والعبيد الذين خلقوا لخدمة بنى إسرائيل.. وإذا كان هذا هو غرور الصهيونيين وصلفهم، وهذه هى أنانيتهم ومشاعرهم نحو الأمم والشعوب، فلا غرابة فى إحساس الأمم نحوهم بفواصل التفرقة والانقسام.. وهو إحساس ظلت تغذيه ولا شك مؤامرات الصهيونية ودسائسها التى اشتهرت بها على طول الزمن!!
ولكن هذه الحقيقة الثابتة لا تعجب الصهاينة، فيحاولون دحضها بأكذوبة من أشيع أكاذيبهم التى لا تفرغ جعبتهم منها.. فيزعمون أنهم اضطُهِدوا.. وهى دعوى ربما صادفت محلها فى أماكن عديدة ـ إلاَّ الشرق العربى، الذى نعم فيه اليهود بالحرية والكرامة.
ردًّا على هذه العقيدة الراسخة لدى اليهود، عقيدة النبوغ والانبهار وتفنيدًا لها.. خصص العقاد فصلا كاملا من كتابه، فند فيه بالأدلة هذا الباطل، مشيرًا إلى أن الامتياز الذى يظهر لبعضهم أحيانًا إنما يرجع فى حقيقته إلى طوابيرهم الخامسة التى تظاهرهم وتهيئ لهم مع وسائل أجادوها مثلت مصدر قوتهم.. لأنها تتيح لهم الاطلاع على أسرار الدولة التى يعيشون فيها، وأسرار الشركات، وأسرار المجتمعات، وغير ذلك من الأسرار، وبرغم هذه المزية التى يحوزونها من دون الناس، فإنهم لم يحققوا النجاح الذى يمكن لغيرهم أن يحققوه إذا تهيأت لهم هذه الخطط والوسائل والطوابير!
وحقيقة الأمر أن الطوابير الخامسة مصدر قوة كبيرة للصهيونية العالمية، لأنها منتشرة فى كل بلد وفى كل ميدان فضلا عن اتفاقها على الحقد والضغينة.. وليس من شك أنه لا توجد قوة فى العالم تنتشر هذا الانتشار، وتتفق على الحقد والضغينة هذا الاتفاق.. لذلك كان لهذه الطوابير باع كبير فى خدمة الصهيونية، وأغراضها الملتوية والخفيّة!

التعليقات